المناقشة
نشأ نهج تنمية الشباب الإيجابية في الولايات المتحدة وطورت نماذجه في سياق الشباب الأمريكي، ومع ذلك فإن معظم الدراسات التي أجريت حتى الآن تمحورت حول المراهقين في دول تتميز بخلفيات ثقافية غربية وصناعية وغنية، ومتعلمة، وديموقراطية (WEIRD) واجهت الأبحاث التي أجريت خارج الولايات المتحدة تحديات في اختبار مدى تطبيق هذه النماذج محليًّا، نظرًا لأنها طورت أصلا للشباب الأمريكي، وعلى الرغم من أن بعض الأدلة تشير إلى إمكانية تعميم هذه النماذج عالميا، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى تجاهل بعض الحالات الخاصة بالشباب في سياقات ثقافية مختلفة (تشاي وآخرون، 2020 دیمیتروفا وويوم 2021).
ومع تغير السياقات المجتمعية، قد لا يكون استخدام نماذج تنمية الشباب الإيجابية المتاحة حاليا فعّالاً في معالجة التحديات والفرص الفريدة التي يواجهها الشباب في بيئاتهم المختلفة، لذلك يعد تطوير نماذج جديدة تأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية والسياقية أمرًا ضروريا لتوفير دعم أكثر فعالية لصحة وتنمية الشباب، وفي تركيا لم تُجر حتى الآن أي دراسة علمية تركز على تطوير نموذج جديد لتنمية الشباب الإيجابية يتناسب مع السياق المحلي، هذه الدراسة التي استندت إلى منهجية دلفاي، أوجدت توافقًا واسعا بين الخبراء واقترحت نموذجا جديدًا لتنمية الشباب الإيجابية ملائما للسياق التركي، ومن هذا المنطلق، تقدم الدراسة مساهمة هامة للمعرفة الحالية من خلال تقديم توجيهات رائدة للباحثين والممارسين في تركيا.
الهدف الأول من هذه الدراسة هو تحديد المؤشرات والخصائص التي يجب أن يتحلى بها الشباب المتكامل في تركيا، وفقًا لتوافق آراء الخبراء البالغين العاملين في مجال تنمية الشباب الإيجابية، تعد هذه الدراسة الأولى التي تقدم تقريرًا عن المؤشرات التنموية الضرورية للشباب في تركيا، وتبرز الخصائص التي تعد ذات أهمية خاصة للثقافة التركية، مثل الأخلاق النزاهة الالتزام بالتعلم المسؤولية، والروحانية.
وقد أشارت بعض الدراسات والوثائق التي أجريت في تركيا إلى أهمية هذه المؤشرات والحاجة إليها، حيث سلطت الضوء على نفس القيم، على سبيل المثال، وفقًا لتقرير مسح الشباب في تركيا 2021 الذي أجرته مؤسسة كونراد أديناور (2022)، ذكر الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 عامًا أن عناصر مثل «عائلتي (96.6%)، الصدق (96.6%)، الأخلاق (96.6%)، التعليم (96.6%)، ديني (96.6%)» كانت (مهمة أو مهمة جدا) بالنسبة لهم.
في دراسة أخرى أجراها أكون وآخرون (2013)، أشار الآباء إلى أن صفات مثل الصدق والاحترام، والمسؤولية، والانتماء أو الالتزام كانت مهمة لأطفالهم، بعض المؤشرات في النموذج المقترح تتماشى مع القيم الأساسية التي ذكرتها وزارة التربية الوطنية في تركيا (2022) مثل «العدالة، والصداقة، والصدق، وضبط النفس، والصبر والاحترام والحب، والمسؤولية، والوطنية، والإحسان».
هناك عدد محدود من الدراسات في تركيا التي تستعرض نماذج تنمية الشباب الإيجابية المطورة لشباب في سياقات مختلفة، ومع ذلك، يبقى النقاش قائما حول ما إذا كانت الأصول التنموية التي يحتاجها الشباب في تركيا في مختلف السياقات تنتمي إلى نموذج واحد فقط من هذه النماذج من هنا كان الهدف الثاني من هذه الدراسة هو التحقق من مدى اختلاف النموذج المقترح لتنمية الشباب الإيجابية في تركيا عن النماذج التي تم تطويرها في سياق الولايات المتحدة كان من المتوقع أن يقدم النموذج المقترح مؤشرات مشابهة للنماذج الحالية، بالإضافة إلى إظهار مؤشرات أكثر أهمية وتفردا تتناسب مع السياق التركي، وتعد العناصر التي يتم إعطاؤها الأولوية في هذا النموذج فرضا مهمة التركيز التدخلات على المجالات الأكثر أهمية لتنمية الشباب (إيتينجر وآخرون،2021) بالتوازي مع ذلك. أظهرت النتائج أن كلا من المؤشرات السبعة عشر في النموذج المقترح يتوافق مع مؤشر واحد على الأقل من النماذج الحالية لتنمية الشباب الإيجابية (انظر الجدول 5) فعلى سبيل المثال. كانت عناصر نموذج ليرنر (المهارات الست الأساسية) التي تشمل الالتزام والانتماء الكفاءة، الرعاية (المسؤولية) والثقة والمساهمة محملة على العامل الأول، أما عناصر مثل تعزيز الإيمان بالمستقبل والترابط والكفاءة الاجتماعية في نموذج كاتالانو (المبادئ الخمسة عشر للتنمية الشبابية الإيجابية)، فقد حملت أيضًا على العامل الأول.
أما تعزيز الكفاءة الأخلاقية وتنمية الروحانية فحملت على العامل الثاني، هذا في حين تم تحميل الكفاءة المعرفية والسلوكية على العامل الثالث، كذلك كان الالتزام بالتعلم والقيم الإيجابية، اللذان يشكلان جزءًا من المقومات الداخلية الإطار المقومات التنموية الأربعين محملين على العامل الثالث، وحملت المهارات الاجتماعية على العامل الأول (الجدول 4)، ومن ناحية أخرى، برز «الاحترام والوعي الإدراك» مؤشرا فريدًا بعيدًا عن المؤشرات الموجودة في النماذج الحالية، مما يشير إلى أن هذه الدراسة تتطلب مزيجًا من مؤشرات متعددة من نماذج مختلفة لتنمية الشباب الإيجابية، ومع ذلك إذا كيف أي من النماذج المتاحة إلى السياق التركي، فمن الممكن أن يتغاضى عن بعض المؤشرات المهمة التي حددها الخبراء في هذه الدراسة.
وقد طورت معظم نماذج تنمية الشباب الإيجابية مثل المهارات الست الأساسية وإطار المقومات التنموية الأربعين في الولايات المتحدة، باللغة الإنجليزية، وكيفت مع دول وثقافات أخرى عبر عمليات طويلة ومعقدة من الترجمة والتكيف الثقافي، ومع ذلك. نعتقد أن هذا النهج قد لا يكون فعالاً لأسباب متعددة، أولا قد يؤدي تعديل هذه النماذج لتناسب السياقات الغربية المتعلمة والصناعية والغنية والديموقراطية (WEIRD)، كما نوقشت سابقا، قد يؤدي ذلك إلى التغاضي عن بعض المؤشرات المهمة عند تطبيقها في سياقات أخرى، فعلى سبيل المثال، قد يحتاج الشباب في سياقات مختلفة إلى مؤشرات خاصة ببيئتهم تختلف عن تلك الموجودة في النماذج المعدلة، مما يجعل بعض التطورات المهمة في ثقافتهم غير مرصودة بسبب هذا التجاهل، ثانيًا، وكما أشار (سكالس وآخرون ،2017)، فإن عملية تكييف نموذج مع لغة أو ثقافة أخرى تتطلب جهدًا كبيرًا نظرًا لصعوبات ترجمة المقالات والاختلافات في المقياس والبنية والتحديات الإدارية التي تؤثر على صحة وتنوع الاستجابات. هذه التحديات قد تؤدي حتى بعد الترجمة إلى فقدان المعنى الأصلي للمؤشرات في السياق الذي تم تطويرها فيه، مما يعرض دلالة المؤشر الخطر التغيير، بالإضافة إلى ذلك، قد لا تكون بعض المؤشرات التي تعد إيجابية في ثقافة معينة مرغوبة في ثقافة أخرى، فعلى سبيل المثال، المؤشرات التي تعطي الأولوية للذات قد لا تلقى قبولا في المجتمعات التي تركز على الروابط الجماعية.
لهذه الأسباب، نرى أن النماذج التي تنشأ من داخل كل ثقافة هي أكثر فعالية وكفاءة في تنمية الشباب، إن تطوير نموذج جديد لتنمية الشباب الإيجابية يتناسب مع السياق الثقافي يمكن أن يسهم في تعزيز الشمولية والمساواة، مع مراعاة الاحتياجات المختلفة والخلفيات المتنوعة للشباب، هذا النهج يضمن أن يتمكن الشباب في جميع أنحاء العالم من الوصول إلى الموارد والفرص التي تدعم تنميتهم.
إن وزارة الشباب والرياضة هي الجهة المسؤولة عن السياسات التي تعزز التنمية الإيجابية والصحية لشريحة كبيرة من الشباب في تركيا، وعلى الرغم من أن الوزارة لا تتبنى منظورًا نظريا محددًا، إلا أنها تدير برامج تهدف إلى دعم التنمية الشخصية والاجتماعية للشباب وتساعدهم في اكتشاف مواهبهم، وتعزز رفاههم، مع تنفيذ أنشطة وقائية تحميهم من الإدمان والعادات الضارة، ومع ذلك يبدو أن وزارة الشباب والرياضة لن تتمكن من تحمل هذا العبء بمفردها لمواجهة هذه التحديات، هناك حاجة إلى تعاون مع أصحاب المصلحة من مختلف القطاعات، بما في ذلك الأسر والمعلمون، والباحثون والممارسون المجتمع المدني، وصناع السياسات.
على سبيل المثال، برنامج هـ - 4، وهو أكبر برنامج لتنمية الشباب في الولايات المتحدة، يشمل نحو 6 ملايين شاب ويتعاون مع أكثر من 100 جامعة لتقييم تأثير برامجه وفهم أفضل لعمليات تنمية الشباب المجلس الوطني لبرنامج هـ - 4 (2023). على الجانب الآخر يذكر التقرير السنوي لعام 2021 أن مراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة في تركيا، التي تضم نحو 2.5 مليون عضو، لا تتمتع بتعاون مماثل مع الجامعات وتفتقر إلى التواصل (وزارة الشباب والرياضة،2021).
تدعم العديد من الوكالات الفيدرالية في الولايات المتحدة الأبحاث والممارسات المشتركة إلى جانب التعاون مع الجامعات، من أجل تطوير هذا المجال (ديمنيكي وآخرون، 2016) في حين تمول وزارة الشباب والرياضة في تركيا المشاريع البحثية العلمية المتعلقة بـ «أبحاث الرياضة» (مجلس البحث العلمي والتكنولوجي في(تركيا توبيتاك، 2021)، فإنها لا تمتلك صندوقا لدعم الأبحاث في مجال «تنمية الشباب».
اتباع نهج تنمية الشباب الإيجابية يمكن أن يساعد الوزارة والمنظمات العاملة مع الشباب، كما يمكن أن يسهم في تطوير التعاون والشراكات بين مختلف الأطراف، مما يعزز فهما أعمق وأكثر تنسيقًا لدعم تنمية الشباب، قد تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إنشاء برامج أكاديمية متخصصة في «تنمية الشباب» بالتعاون بين وزارة الشباب والرياضة وبعض الجامعات. من خلال هذه البرامج.
يمكن تدريب الممارسين والباحثين للعمل في هذا المجال مما يتيح لمزيد من الباحثين اختيار «تنمية الشباب» كتخصص رئيسي لهم. هذا قد يؤدي إلى زيادة عدد الدراسات التي تركز على هذا المجال في المستقبل، مما يسهم في بناء جسر قوي بين البحث والممارسة، حيث يدعم كل منهما الآخر، وبهذه الطريقة، يمكن أن تستفيد الأبحاث المتعلقة بتنمية الشباب في تركيا من نظريات، ومنهجيات، ونماذج جديدة، مما قد يؤدي إلى بروز «تنمية الشباب» حقلا بحثيا مستقلا في تركيا.
نقاط القوة، والتحديات والتوجهات المستقبلية
تتميز هذه الدراسة بعدة نقاط قوة، ولكنها تواجه بعض التحديات فقد ساهم استخدام منهجية دلفاي في تسهيل الوصول إلى عدد كبير من الخبراء في هذا المجال، وهو ما يتجلى في مشاركة 715 شخصا في الجولة الأولى و 334 شخصا في الجولة الثانية مما يعكس مستوى استثنائيا من المشاركة (دياموند و آخرون ،2014) إضافة إلى ذلك، استخرجت جميع مؤشرات النموذج المطور من إجابات المشاركين على السؤال المفتوح في المرحلة الأولى، مما عزز من مصداقية النتائج إذ أنجزت الدراسة في الوقت المحدد للمرحلتين وحققت نسبة توافق عالية.
كما أن مشاركة أفراد من خلفيات مهنية متنوعة تشمل الجوانب النظرية والتطبيقية، ومن مناطق جغرافية مختلفة، تدعم صحة وعمومية نتائج البحث (نسا وآخرون، 2021). علاوة على ذلك تسد الدراسة الفجوة بين الأدبيات الحالية وتنمية الشباب الإيجابية في السياق التركي، وتقدم رؤى جديدة للبحوث المستقبلية، ومع ذلك كانت خبرة المشاركين مبنية على إجاباتهم على ثلاثة أسئلة متعلقة بالمعرفة المهنية في الاستبانة، وكان من الممكن التحقق من خبراتهم بشكل أعمق.
على الرغم من شمولية الدراسة لمناطق تركيا كافة، إلا أن الأغلبية كانت متمركزة في منطقة مرمرة، وهو ما يتماشى مع توزيع السكان كما كانت نسبة الذكور بين المشاركين هي الأغلب، ويُعزى ذلك جزئيا إلى تأثير جائحة كوفيد - 19، التي أدت إلى اضطرابات واسعة في العمل والحياة اليومية، مما أثر على مشاركة النساء وغير المنتسبين للمؤسسات الأكاديمية بسبب التغيرات في جداولهم اليومية وتفضيلاتهم الشخصية، كما تعرضت النساء لتأثير غير متناسب نتيجة زيادة التزامات الرعاية أثناء الجائحة، مما قلل من قدرتهن أو رغبتهن في المشاركة في الأبحاث.
ونظرا لطبيعة منهجية دلفاي لم يشارك ما يقرب من نصف المشاركين في المرحلة الثانية من الدراسة، رغم مشاركتهم في المرحلة الأولى، لذلك قد تسعى الدراسات المستقبلية إلى جمع أدلة أكثر دقة لتحديد خبرة المشاركين بعمق أكثر، كما أن هذه الدراسة اعتمدت حصرا على آراء البالغين العاملين في المجال، ولكن من المفيد أن تتضمن الأبحاث المستقبلية وجهات نظر الشباب أنفسهم حول النموذج المقترح، وهناك حاجة ملحة لإجراء دراسات تقیس استقرار المؤشرات على الشباب باستخدام مقاييس ملائمة للنموذج، مما يتيح تأكيد صحة وعمومية هذا النموذج.
الخاتمة
أشارت الأبحاث السابقة في مجال تنمية الشباب الإيجابية إلى ضرورة إجراء دراسات منفصلة لكل سياق ثقافي، تهدف هذه الدراسة إلى التحقيق فيما إذا كان النموذج المطور لتنمية الشباب الإيجابية في السياق التركي يختلف عن النماذج الحالية.
في هذه الدراسة، نقدم نموذجا جديدا لتنمية الشباب الإيجابية يعتمد على توافق الآراء الذي توصلت إليه لجنة خبراء باستخدام منهجية دلفاي في تركيا، وتعد الدراسة مبتكرة في استخدام منهجية دلفاي، التي تعتمد على ردود الفعل المباشرة من الخبراء في مجال تنمية الشباب لتطوير نموذج جديد. في هذا السياق تبرز منهجية دلفاي تقنية مفضلة لتطوير أو تكييف نماذج جديدة، حيث توفر تماسكا مفاهيميا يتناسب مع السياق المحلي لتنمية الشباب الإيجابية، وتوجه صياغة استراتيجيات تنمية الشباب، كما يمكن أن يعمل هذا النموذج الجديد إطارًا إرشاديا للباحثين والممارسين وصناع السياسات في تركيا، الذين يسعون لتطوير وتنفيذ برامج تهدف إلى تعزيز تنمية الشباب الإيجابية.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن صحة وموثوقية مؤشرات النموذج وبنيته لم يكن بعد، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث للتحقق من مدى إسهام هذا النموذج في دعم تنمية الشباب، وتشمل الخطوات الموصى بها إجراء دراسات تجريبية باستخدام النموذج وتقييم خصائصه النفسية والقياسية.
في الختام، تقدم هذه الدراسة فحصا شاملا لتنمية الشباب الإيجابية في السياق التركي، وتوفر رؤى مهمة للباحثين والممارسين الذين يبحثون عن إطار نظري لفهم نقاط القوة التي يتمتع بها الشباب في تركيا، إلى جانب هذا الجهد الأولي. يجب على الدراسات المستقبلية أن تركز على توضيح الهياكل النظرية والمنهجية لتنمية الشباب الإيجابية في السياق التركي بما يشمل فحص المتغيرات والتنبؤات والنتائج المتعلقة بها، مثل هذه الدراسات ستكون مفيدة لفهم وتعزيز النتائج الإيجابية والتنمية بين الشباب في تركيا.
