بين يدي نهج تنمية الشباب الإيجابية
السياق الثقافي المحلي لكل دولة يعد معيارا ثابتا عند الاستفادة من أي توجه أممي تصدره المنظمات الدولية، وهذا مما تثبته الدراسات وتصرح به التقارير الدولية باعتباره حقا مشروعا لكل ثقافة تتعايش مع سائر الأمم والثقافات في العالم اليوم!
ما مضى من أسطر وجيزة يعد (مرشادا) ضروري الاصطحاب معنا في طريقنا للإفادة من التوجهات العالمية في قضايا الشباب.
وإذا كانت سائر دول العالم تملك استراتيجيات تنموية للشباب. وسياسات تنموية للشباب، فإن كثيرا منها مؤخرًا يأتي منطلقا من اتجاه التنمية الشباب الإيجابية (PYD) وهو نهج أمريكي النزعة والمولد.
والقصة تبدأ من أواخر القرن التاسع عشر حين كانت تتخلق نظرية في العلوم النفسية تجاه الشباب تنظر إليهم على أنهم مشكلة تستدعي مواجهة، ومرحلة اضطراب يستدعي العلاج. وما إن برغ مطلع القرن العشرين حتى أذن في 1904 بميلاد نظرية (استانلي هول) حول (Adolescence) والتي ترجمت إلينا للعربية باسم (المراهقة)!
والحقيقة أن نظرية (استانلي هول) كانت تنسجم مع التوجه المهيمن على العلوم النفسية في العالم عموما؛ إذ لم تستطع النظر إلى الإنسان إلا من زاوية العلة والمرض فدارس العلوم النفسية - إلى اليوم كثيرا ما يدرس اضطراب النفس قبل معرفة حالة السواء فيها!! ونجد في هذا التوجه النفساني أيضا ظهور نظرية علم النفس الإيجابي - ردة فعل - مع نهايات القرن العشرين على يد مارتن سليجمان سنة 1998، وذلك حين أصبح رئيسا للجمعية الأمريكية لعلم النفس APA الجيد في الأمر أن ردود الفعل تلك تحمل في أجندتها توجهات متفائلة نحو الشباب عموما، ونهج التنمية الإيجابية للشباب ركز على نقاط القوة لدى الشباب، وعلى الإيجابية بدلا من التركيز على السلبية. وعلى كونهم حلا، وليسوا مشكلة تستدعي الحل والمواجهة.
ونهج التنمية في ذلك ينطلق من فرضية تقول: إن نجاحنا في إكساب الشباب بعض الخصائص من شأنها أن تجعلهم عوامل بناء يحسنون المشاركة الإيجابية في المجتمع، وتظهر منهم سلوكيات محمودة، ويبتعدون عن الممارسات السلبية الضارة كالانتحار وتعاطي المخدرات، ونحو ذلك من ممارسات خطرة، ومن تلك الخصائص على سبيل المثال: (الكفاءة، والثقة. والاتصال، والشخصية، والاهتمام).
إن نهج التنمية الإيجابية ثبتت إمكانية تطبيقه في العديد من الدول كما صرحت الدراسة، الأمر الذي دعا كثيرًا من الثقافات إلى تبنيه لكن مع العمل على تحديد مؤشرات إيجابية لشبابهم وفق سياقهم الثقافي الخاص، وهو الأمر الذي اهتم به الباحثون في السياق الثقافي التركي في هذه الدراسة، في محاولة بحثية جادة منهم لإحضار سياقهم الثقافي في التنمية الشبابية الإيجابية والسبب الرئيس الذي يدعو إلى لزوم القراءة السياق ثقافية) هذه هو أن النهج قد يهمل - بطبيعة الحال - مؤشرا مهما باعتباره عرفا اجتماعيا لدى ثقافة من الثقافات على سبيل المثال فليس هناك نهج عالمي، لأن معضلة الذات والموضوع تطل برأسها كل مرة فالتنمية الشبابية الإيجابية الأمريكية تظل أمريكية ولا يمكنها أن تكون نهجا عالميًا يناسب كل شباب العالم.
وهذا يذكرنا بالصرخة التي أطلقها النفساني البريطاني هانزيزينك عن تدريس الجامعات الأوروبية علم النفس الأمريكي قائلا: إن هذا لا يناسبنا في أوروبا لأنه علم نفس بني على دراسات على شباب وشابات أمريكان وهذا لا يناسبنا نحن في أوروبا !!
وعودًا على بدء فإن هذه الدراسة وهي تحاكم مؤشرات التنمية الإيجابية الشبابية على السياق الثقافي التركي يهمنا باعتباره سیاقا نلتقي معه في مرجعية إسلامية تترك آثارها على كل التوجهات الثقافية الأخرى.
ولهذا يصح احتفاؤنا بمنهجية اعتبار السياق الثقافي لشبابنا أمرا مهما، ففي التقرير صرخة موجهة للعاملين في التنمية الشبابية في عالمنا العربي والإسلامي تقول: «إن لغة الشاب وأفكاره، وسلوكه، وقيمه، وهويته، وأعرافه الموروثة، جميعها أبعاد ترتبط بالثقافة المحلية لكل شاب، ولا يمكن تجاوزها عند بناء مؤشرات التنمية الإيجابية الشبابية».
ومن دعوات الباحثين في الدراسة قولهم: على الباحثين أن يأخذوا في الاعتبار السياق الذي يعيش فيه الشباب لتحقيق تعميم فعال للأصول التنموية؛ إذ إن الشباب في البيئات المختلفة يواجهون احتياجات وفرضا مختلفة.
وأظهرت الدراسة أن السياقات التي تؤثر على تنمية الشباب في تركيا تختلف باعتبار السياق عن تلك الموجودة في البلدان الأخرى.
كما أظهرت ملحظين كبيرين يتعلقان بالعمل الشبابي التركي، الأول: أن المؤسسات والمنظمات العاملة في هذا المجال لا تستند في عملها إلى نظريات أو نماذج علمية، ولا تطبق برنامجا طوّر في هذا السياق لذا، فهي لا تفحص أو تقيم هذه الأنشطة باستخدام أدوات قياس معترف بها من حيث الصلاحية والموثوقية، ولا تشارك نتائجها مع الجمهور والثانية: قلة الدراسات التركية التي تهتم بالتنمية الشبابية وعزت سبب ذلك إلى أن الباحثين في تركيا لا يتناولون موضوع «تنمية الشباب» حقلاً مستقلاً، وربما يعود السبب الرئيس لذلك كله لعدم وجود برامج أكاديمية متعلقة بمجال تنمية الشباب» في أي جامعة في تركيا حتى الآن!!
وهو أمر لافت، وجدير بنا أن نوجه السؤال فيه إلى العاملين مع الشباب في المنطقة العربية عموما حتى نتعاضد في إيجاد أنساق علمية أكاديمية عن الشباب في الجامعات المحلية!
هذا وقد هدفت الدراسة التي بين أيدينا إلى تحفيز صناع السياسات في مجال تنمية الشباب في تركيا على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنشاء جسر بين البحث والممارسة من خلال بدء التعاون مع الجامعات في تركيا.
تعد هذه الدراسات عمومًا كمية، وانتهجت منهج دلفاي وهي من أدوات الدراسات المستقبلية، والدراسة ركزت على تقديم مفهوم تنمية الشباب الإيجابية (PYD)، ومن شفافية الدراسة أيضًا أنها وجهت نقدًا واضحًا نحو الباحثين الأتراك الذين يجعلون احتياجات الشباب التركي التنموية هي ذاتها احتياجات الشاب الأمريكي أو الأوروبي التنموية !!
كما عمدت الدراسة إلى عرض مؤشرات التنمية الإيجابية مقارنة عباراتها بنماذج قياس التنمية الإيجابية واختارت ثلاثة نماذج، وهي نموذج التنمية الإيجابية للشباب لينيز المهارات الست الأساسية ونموذج التنمية الإيجابية للشباب لكاتالانو المبادئ الخمسة عشر للتنمية الشبابية الإيجابية، ونموذج التنمية الإيجابية للشباب لوينسون (المقومات التنموية الأربعين).
وتوصلت من خلال تلك المقارنات واستجواب الخبراء من عينة الدراسة إلى ضرورة أن يجتهد الباحثون الأتراك إلى إطلاق العديد من الأبحاث والدراسات في هذا الشأن؛ لأن السياق الثقافي للشباب التركي مختلف تماما عن السياق الثقافي للشباب الأمريكي، وقالوا « نرى أن النماذج التي تنشأ من داخل كل ثقافة هي أكثر فعالية وكفاءة في تنمية الشباب، كما أن تطوير نموذج جديد لتنمية الشباب الإيجابية يتناسب مع السياق الثقافي يمكن أن يسهم في تعزيز الشمولية والمساواة، مع مراعاة الاحتياجات المختلفة والخلفيات المتنوعة للشباب».
ملخص الدراسة
شهدت تنمية الشباب الإيجابية (PYD) اهتماما متزايدًا من الباحثين حول العالم، وأسهمت في صياغة استراتيجيات وسياسات تنمية الشباب في العديد من الدول. وتؤكد الدراسات السابقة في هذا المجال على أهمية إجراء بحوث مخصصة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، مما أبرز الحاجة إلى تحديد مؤشرات تنمية الشباب الإيجابية وفقًا للسياقات المحلية.
حاليا، تعاني الدراسات العلمية من نقص فيما يخص تطوير وتكييف نموذج تنمية الشباب الإيجابية ليتماشى مع السياق التركي، وتهدف هذه الدراسة إلى اختبار نموذج تنمية الشباب الإيجابية المطبق في السياقات التركية من خلال الاستفادة من رؤى الخبراء العاملين في مجال تنمية الشباب، باستخدام منهجية دلفاي، حددنا المؤشرات والسمات عبر مرحلتين متتاليتين بمشاركة لجنة من خبراء تنمية الشباب المرحلة الأولى: ( ن = 715) والمرحلة الثانية : ( ن = 334) في المرحلة الأولى من منهجية دلفاي، جمعنا ردود المشاركين (3,724) كلمة، عبارة، أو جملة ذات معنى من خلال سؤال مفتوح، وفي المرحلة الثانية من منهجية دلفاي عرضنا 17 مؤشرا / سمة على المشاركين، أنشأناها من البيانات السابقة. للموافقة باستخدام مقياس ليكرت الخماسي.
وتوصل المشاركون في هذه المرحلة إلى توافق حول جميع المؤشرات / السمات الـ 17 (حيث تجاوزت نسبة التوافق 80% في خمس سمات و 90% في اثنتي عشرة سمة). واختار 56.2% من المشاركين الأخلاق و 40.4% الرغبة في التعلم، و30.8% المسؤولية. و 30.2% الأمانة بوصفها أهم المؤشرات، وقد تطابقت جميع المؤشرات الـ 17 في النموذج، باستثناء اثنين (الاحترام والوعي/الإدراك)، مع مؤشر واحد على الأقل من النماذج المعروفة في الأدبيات العلمية، تشير النتائج إلى ضرورة مراعاة السياقات المحلية التي يعيش فيها الشباب، لا سيما السياق الثقافي عند تحديد المؤشرات التنموية لتنمية الشباب الإيجابية في تركيا، بالإضافة إلى ذلك، تبرز النتائج خطورة محاولة تطبيق نماذج مطورة في سياقات أخرى مباشرة على الشباب في بيئات مغايرة، حيث قد يؤدي ذلك إلى إغفال مؤشرات هامة في السياقات المحلية.
مقدمة
ظهر إطار تنمية الشباب الإيجابية (PYD) في أواخر القرن العشرين وانتشر في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية ردة فعل على النهج القائم على النقص الذي قدمه هول (1904)، والذي كان يهيمن على أبحاث الشباب في ذلك الوقت (إكليس وجوتمن، 2002، روث وبروكس، - جن، 2003 کاتالانو وآخرون، 2002، ليرنر وآخرون، 2005)، هذا في حين يقر إطار تنمية الشباب الإيجابية بوجود التحديات التنموية والصعوبات التي يواجهها الشباب، فإنه يركز على نقاط قوتهم وإمكاناتهم (بينسون 1997)، ورغم اعتراف إطار تنمية الشباب الإيجابية بالتحديات التنموية والصعوبات التي يواجهها الشباب، إلا أنه يركز على نقاط قوتهم وإمكاناتهم (بينسون 1997)، ويرى إطار تنمية الشباب الإيجابية أن الشباب ليسوا مشكلة تواجه المجتمع، بل موارد قيمة له ويؤكد النهج على أنه إذا ما اكتسب الشباب الكفاءة وطوروا قدراتهم ومكنوا لينتجوا، فإنهم سيساهمون في المجتمع ويتجنبون السلوكيات الخطرة والضارة نتيجة لذلك( دامون،2004).
في العقود الأخيرة، حظيت تنمية الشباب الإيجابية (PYD) باهتمام متزايد بين الباحثين في جميع أنحاء العالم، بالتوازي مع الولايات المتحدة، وأسهمت في تشكيل ممارسات وسياسات تنمية الشباب، يعزى هذا الاهتمام إلى النتائج النفسية والسلوكية المهمة التي حققها هذا النهج، بالإضافة إلى الفوائد التنموية للشباب، ومساهمته الإيجابية في رفاهية الأفراد والمجتمعات، وكونه نهجا قابلا للتطبيق في جميع السياقات كاتالانو وآخرون (2019) . ومع ذلك، فقد أدى هذا الاهتمام إلى الحاجة لتحديد المؤشرات الإيجابية للشباب في سياقهم الخاص (مور، 2017)، وقد سعى العديد من الباحثين إلى تعميم منظور ونماذج تنمية الشباب الإيجابية على مختلف سياقات الشباب في العالم منذ بداية تطويرها (جوميز - بايا و آخرون، 2022، سيفرتسن وآخرون، 2021 قدير ومحمد ،2021).
وعلى الرغم من أن هذه النماذج التي طورت في سياق الولايات المتحدة، قد تكون قابلة للتعميم على سياقات أخرى إلا أنها قد تهمل بعض المؤشرات التي يحتاجها الشباب في بيئات ثقافية مختلفة (شيك وآخرون 2007)، ولا يمكن إنكار تأثير السياق على الشباب، وهناك حاجة لمعالجة كل مجتمع ضمن سياقه وثقافته الخاصة (دي جيسوس و آخرون، 2022).
إن سلوك الشباب وقيمهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ورؤيتهم للعالم، وحتى لغتهم وأفكارهم، جميعها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة التي نشأوا فيها (الانسفورد وآخرون، 2021). وإذا كان من المقرر استخدام نماذج تنمية الشباب الإيجابية التي طورت في السياقات الغربية، والمتعلمة، والصناعية، والغنية والديمقراطية (WEIRD) لتطبيقها على الشباب في سياقات غير غربية، فمن الضروري تكييف هذه النماذج لتتناسب مع الخصوصيات الثقافية المحلية (تشي وآخرون، 2020)؛ لذا تبرز الحاجة إلى المزيد من الأبحاث في السياقات المحددة لا سيما الثقافية منها، التي يعيش فيها الشباب، من أجل تطوير إطار ملائم لتنمية الشباب الإيجابية يتناسب مع كل ثقافة (ديميتروفا وويوم 2021).
