القائمة الرئيسية

مشروع ""ستارغيت"" في الإمارات: كيف يمكن دمج الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الوطنية

مشروع ""ستارغيت"" في الإمارات: كيف يمكن دمج الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الوطنية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مجرد أداة تقنية إلى بُنية تحتية وطنية استراتيجية، من خلال استعراض مشروع ""ستارغيت"" في أبوظبي كنموذج رائد. وتسلّط الضوء على أهمية بناء قدرات سيادية في الذكاء الاصطناعي تُمكّن الدول من التحكم في مصيرها الرقمي، وتعزيز استقلالها التكنولوجي، مع التأكيد على ضرورة وضع أطر حوكمة ومعايير أخلاقية تضمن الشفافية والشمولية، خاصةً في الدول النامية التي تسعى للحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة.

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مجرد أداة تقنية إلى بُنية تحتية وطنية استراتيجية، من خلال استعراض مشروع "ستارغيت" في أبوظبي كنموذج رائد. وتسلّط الضوء على أهمية بناء قدرات سيادية في الذكاء الاصطناعي تُمكّن الدول من التحكم في مصيرها الرقمي، وتعزيز استقلالها التكنولوجي، مع التأكيد على ضرورة وضع أطر حوكمة ومعايير أخلاقية تضمن الشفافية والشمولية، خاصةً في الدول النامية التي تسعى للحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة.

  • في القرن الحادي والعشرين، يجب على الاقتصادات أن تستثمر في الذكاء الاصطناعي بطريقة تحافظ على السيادة، وتحمي العدالة، وتبني بنية تحتية مهيأة للمستقبل.
  • يقدم مشروع "ستارغيت" في أبوظبي لمحة مبكرة عما يمكن أن يبدو عليه ذلك؛ فهذا ليس مجرد مركز بيانات، بل هو بنية تحتية وطنية.
  • الدول التي تستثمر في بنية تحتية سيادية للذكاء الاصطناعي، مدعومة بمعايير واضحة وحوكمة شاملة، يمكنها أن تشكّل مستقبلها وفقاً لسياقاتها الثقافية والمحلية.

مع النظر إلى مستقبل العالم، يصبح من الضروري في هذا الوقت أن ننظر أيضاً إلى ماضيه. فعندها نلاحظ أن كل حقبة من التحولات الصناعية كانت تحددها تكنولوجيا رائدة أعادت تشكيل ميزان القوى العالمي. ويُعد الذكاء الاصطناعي إحدى هذه التقنيات.

في الثورة الصناعية الأولى، كان المحرك البخاري والتصنيع الميكانيكي هما القوة الدافعة. وجلبت الثورة الثانية الكهرباء، وخطوط الإنتاج، والتوسع الهائل. أما الثورة الثالثة فقد بشّرت بالحوسبة الرقمية والإنترنت. وفي كل حالة، فإن الدول التي أدمجت هذه الأنظمة في استراتيجياتها التنموية أصبحت قوى اقتصادية كبرى. أما من فشل في التكيّف، فقد أصبح معتمداً هيكلياً على الآخرين – مرتبطاً ببنية تحتية خارجية، وعرضة لتقلبات السياسات الخارجية، ومقيداً في رسم مستقبله.

نحن الآن في خضم العصر الصناعي الرابع، والجبهة الاستراتيجية الجديدة هي الذكاء الاصطناعي. الرهانات في هذا العصر تتقاطع بين الاقتصادي والجيوسياسي والمجتمعي. إذ بات الذكاء الاصطناعي سريع التحول إلى أداة أساسية – نظاماً شاملاً يدعم كل شيء، من الأمن القومي إلى الرعاية الصحية، ومن الأسواق المالية إلى التعليم. وللاقتصادات التي تسعى للثبات والمرونة في القرن الحالي، لم يعد السؤال ما إذا كان يجب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكن القيام بذلك مع الحفاظ على السيادة، وضمان العدالة، وبناء بنية تحتية مستقبلية.

يقدم مشروع "ستارغيت" في أبوظبي لمحة مبكرة عمّا يمكن أن يكون عليه المستقبل. فتم تطوير هذا المشروع من خلال شراكة بين حكومة الإمارات وشركة OpenAI، ويعدّ مركزاً حاسوبياً فائق القوة بقدرة واحد غيغاواط، صُمم لاستضافة نماذج ضخمة وتعزيز القدرات السيادية. الحجم مهم، ولكن الأهم هو الرؤية: هذا ليس مجرد مركز بيانات، بل هو بنية تحتية وطنية.

الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية جديدة
اعتبار الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية يعني الاعتراف به كضرورة لا تقل أهمية عن الطرق أو شبكات الكهرباء أو أنظمة المياه. وهذا يدفع الحوار إلى ما هو أبعد من مجرد التنظيم والابتكار، ليصل إلى القدرة التأسيسية. ويطرح هذا التحول في التفكير تساؤلات سياسية جديدة: من يملك ويدير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ من يملك حق الوصول؟ كيف يتم توزيع الفوائد والمخاطر؟ وكيف يمكن للدول أن تتجنب الوقوع في الاعتماد على أنظمة لا تملك السيطرة عليها؟

التشبيه بأنظمة الطاقة مفيد هنا. فكما أن الدول التي أنشأت شبكات كهرباء وطنية كسبت التحكم طويل الأمد في التسعير والوصول والتطوير، فإن من يستثمر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يتموضع بشكل أفضل لتوزيع الذكاء عبر القطاعات. من دون هذا، قد تترسخ التبعية للمنصات والنماذج الأجنبية، مع تهميش الأولويات المحلية.

نموذج جديد للسيادة
يعكس مشروع "ستارغيت" طموحاً أوسع: بناء قدرة سيادية على الذكاء الاصطناعي تدعم الأهداف الاستراتيجية الوطنية. وبالنسبة للإمارات، يشمل ذلك تنويع الاقتصاد وتعزيز المكانة الجيوسياسية. لكن الأبعاد تتجاوز الخليج. فبالنسبة للعديد من الاقتصادات الناشئة، لا تعني السيادة في الذكاء الاصطناعي التنافسية فقط، بل تعني الشمولية. تعني أن تعكس خوارزميات الصحة عبء الأمراض المحلي؛ وأن تتحدث الأنظمة الزراعية بلغات محلية؛ وأن تتضمن منصات التعليم المعرفة المحلية.

من خلال بناء القدرات على مستوى البنية التحتية، يمكن للدول أن تبدأ بإعادة تشكيل منظوماتها الرقمية من الأساس. وهذا لا يعني رفض النماذج العالمية أو التعاون الدولي، بل يعني الاستثمار في القدرة على التكيّف، والتوطين، والحكم بحسب السياق المحلي.

تحولات جيوسياسية وقوة البنية التحتية الناعمة
تماماً كما كانت السيطرة على الموانئ وخطوط الأنابيب وكابلات الألياف الضوئية شكلاً من أشكال النفوذ الجيوسياسي، فإن السيطرة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت اليوم ذات طابع مشابه. فالدول القادرة على بناء وتصدير النماذج الأساسية، واستضافة قدرة حوسبة ضخمة، وتشكيل المعايير العالمية، ستمتلك قوة غير متكافئة. إن القوة الناعمة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من المنصات المفضلة إلى القيم المضمّنة، تؤثر بالفعل في التحالفات العالمية.

وهذا يفتح المجال أمام لاعبين جدد. فالدول التي كانت في السابق على هامش دبلوماسية التكنولوجيا بدأت الآن بالدخول من خلال خطوات استراتيجية في مجال البنية التحتية. هذه ليست رهانات اقتصادية فحسب، بل رسائل واضحة: إنها التزام بتحديد شروط المشاركة في عصر الذكاء الاصطناعي.

الآثار على الجنوب العالمي
بالنسبة للدول النامية، قد تبدو فكرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بعيدة، خصوصاً في ظل التحديات المتعلقة بالاتصال وتوافر البيانات. لكن منظور "البنية التحتية أولاً" يمكن أن يكون ملهماً. فهو يشجع على التخطيط طويل الأمد بدلاً من الحلول المؤقتة، ويحرك السياسات من الشراء إلى بناء القدرات. كما يوفر مساراً لتجاوز المراحل وليس فقط تبنيها.

ونرى بالفعل إشارات مبكرة: استثمار رواندا في تدريب الذكاء الاصطناعي من خلال مراكز التميز؛ استراتيجية البيانات الوطنية في السنغال؛ وجهود إندونيسيا لدمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة. قد لا تكون هذه بحجم مشروع "ستارغيت"، لكنها تنبع من نفس المنطق: تملك أجزاء أكبر من المنظومة، وبناء نماذج حوكمة متجذرة في السياق المحلي.

المعايير العامة والأطر الأخلاقية
بالطبع، فإن البنية التحتية من دون حوكمة قد تعيد إنتاج، بل وتعمق، التفاوتات القائمة. ولهذا السبب يجب أن يترافق الاستثمار مع معايير عامة (ملزمة). ومع توسع قدرات الدول في الذكاء الاصطناعي، يجب أن تكون الحواجز واضحة: الشفافية، وقابلية التشغيل البيني، وحماية البيانات، وعدالة الخوارزميات لا يجب أن تكون أموراً ثانوية.

وفي هذا الصدد، يظل التعاون العالمي ضرورياً. يمكن أن تساعد الأطر الأخلاقية المشتركة، مثل تلك المستوحاة من "عملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي"، في مواءمة القيم من دون طمس السياقات. لكن يجب أن تخضع البنية التحتية الوطنية أيضاً للمساءلة أمام المجتمعات الوطنية؛ وهذا يتطلب عقد حوكمة جديد، ربما يضم المؤسسات العامة، والباحثين المحليين، والمجتمع المدني، والأصوات المستبعدة تاريخياً.

لحظة حاسمة للاختيار
الثورة الصناعية الرابعة ليست عرضاً يمكن مشاهدته عن بعد، ولا ينبغي التعامل معها على هذا الأساس. فالدول التي تنتظر وصول النماذج ستَرِث قدراتها وقيودها. أما الدول التي تستثمر في بنية تحتية سيادية، مدعومة بمعايير واضحة وحوكمة شاملة، فستمتلك أدوات أفضل لصياغة مستقبلها.

ويُعد مشروع "ستارغيت" في أبوظبي مثالاً جيداً. فهو يثبت أن الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون مستورداً دائماً، لأن البنية التحتية يمكن بناؤها في أي مكان. كما يبرهن أن السيادة لا تزال ممكنة، وأن الدول التي تملك الشجاعة للمبادرة قد لا تكون فقط في موقع اللحاق بالركب، بل في موقع المساهمة في صياغة المرحلة المقبلة – حتى على مستوى العالم.

المصدر

مقالات ذات صلة