القائمة الرئيسية

هل يمكن أن ينجح التفكير التصميمي في مؤسستك؟

هل يمكن أن ينجح التفكير التصميمي في مؤسستك؟
ملخص المقال

التفكير التصميمي هو منهجية تركز على الابتكار وحل المشكلات المعقدة عبر فهم عميق لاحتياجات المستخدمين وتجربة متكررة للتجريب والتحسين، لكنه غالبًا ما يُطبق دون استعداد كافٍ من القادة والموظفين، مما يعيق تحقيق نتائجه المرجوة. يعتمد نجاح تطبيقه في المؤسسات على مدى تبني جميع المستويات الإدارية والتنفيذية لعقلية المصمم التي تركز على تحسين حياة المستخدمين، التعاون بين الأقسام، تقبل الفشل كجزء من التعلم، والتشكيك في الافتراضات التقليدية. ومن أجل ضمان جاهزية المؤسسة، يجب تقييم مدى توافق ثقافتها مع أبعاد التفكير التصميمي، إذ تستوجب الجاهزية الكاملة دعمًا قياديًا قويًا، تدريبًا مستمرًا، واختيار مشاريع مناسبة تدعم التغيير. أما في حال عدم الجاهزية، فيتطلب الأمر بدءًا بجهود تعليمية وبناء قدرات داخلية وخارجية تدريجيًا قبل تعميم المنهجية.

يُقدم التفكير التصميمي منهجًا لاستكشاف مجالات جديدة، واكتشاف خيارات متعددة، وحل المشكلات المعقدة في بيئة الأعمال. ورغم حاجة القادة الماسة إلى أساليب مبتكرة لتعزيز ميزتهم التنافسية وتحفيز الابتكار وفتح آفاق جديدة للنمو، إلا أنهم غالبًا لا يحققون النتائج التي يتوقعونها.

غالبًا ما يشارك الأفراد في ورش التفكير التصميمي دون فهم المنهجية أو امتلاك المهارات اللازمة لتطبيقها بفعالية، مما يؤدي إلى شعورهم بالإحباط أو الاعتقاد بأنهم فشلوا.

ولتحقيق الفوائد المرجوة من التفكير التصميمي، لا بد أن يدرك القادة متى وكيف يُطبق هذا النهج، كما ينبغي عليهم تجهيز الموظفين والمديرين لخوض هذه التجربة بطريقة مدروسة. وقد حددت أبحاثنا السمات التي تجعل المؤسسة ""مستعدة للتفكير التصميمي""، بالإضافة إلى نهج استراتيجي لتبنيه بشكل فعال.

لماذا نستخدم التفكير التصميمي؟

التفكير التصميمي هو منهجية نشأت خلال النصف الأخير من القرن الماضي عبر دراسات تناولت عمليات الابتكار وحل المشكلات والإبداع. يقوم هذا النهج على التجريب والتكرار، ويعتمد على فهم عميق لاحتياجات العملاء، وتحديد نطاق المشكلة، وتوليد حلول جديدة، ثم تصميم نماذج أولية لهذه الحلول واختبارها وتحسينها باستمرار.

تلجأ العديد من المؤسسات إلى التفكير التصميمي بهدف تعزيز الابتكار. فبعضها يسعى من خلاله إلى ابتكار نماذج أعمال أو منتجات أو خدمات جديدة، بينما يستخدمه البعض الآخر لتحسين تجربة المستخدم عبر التعرف على نقاط الألم وتعديل عروضه القائمة. فقد تسعى مؤسسة، على سبيل المثال، إلى تطوير تجارب رقمية تسهل وصول العملاء إلى الخدمات وتجعل استخدامها أكثر بساطة.

من بين المزايا العديدة للتفكير التصميمي أنه يساعد في التغلب على التحيزات الإدراكية التي تمنع الأفراد من التعبير الدقيق عن احتياجاتهم، كما يمكّنهم من تصوّر حلول لم تخطر على بالهم من قبل. إنه يشجع على التعاطف مع العملاء ويعزز التأمل والتعلم. كما يرسم ملامح نمط قيادي جديد يشجع على التفاهم مع من يتأثرون بالمشكلات ويدعم التفكير المتشعب أي البحث الواسع عن حلول محتملة.

ولهذا، فإن المؤسسات قد تسعى إلى تطبيق التفكير التصميمي لأهداف تتجاوز مجرد تطوير المنتجات أو الخدمات أو نماذج الأعمال. فبعض المؤسسات تسعى إلى تغيير ثقافتها الداخلية من خلال هذا النهج لتصبح أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات العملاء. ويساعد التفكير التصميمي في ذلك لأنه يتطلب تأملًا نشطًا يشكك باستمرار في طبيعة المشكلة، مما يفتح المجال للتعلم ويؤدي إلى تغيّر في التفكير والسلوك.

ترى العديد من المؤسسات في التفكير التصميمي وسيلة فعالة للتعامل مع ما يُعرف بـ""المشكلات الشريرة"" وهي مشكلات تتسم بالغموض الشديد وتعقيد العلاقات بين أسبابها ونتائجها حتى أن تعريف المشكلة ذاتها يعد جزءًا من التحدي. وحتى التحديات التجارية التي تبدو مباشرة مثل طرح طراز جديد من السيارات قد تنطوي على عناصر شريرة عند محاولة الموازنة بين تفضيلات العملاء وتكاليف الإنتاج والاعتبارات التقنية مثل كفاءة استهلاك الوقود.

فكّر كالمصمم

تبرز جاذبية منهجيات المصممين في مثل هذه الحالات لأنها تدفع الناس إلى التفكير خارج حدود الأساليب التقليدية. وعندما أجرينا مقابلات مع أكثر من خمسين خبيرًا في التفكير التصميمي من أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا بما في ذلك قادة أعمال كانوا متشككين تجاه هذا النهج وجدنا ثمانية اختلافات جوهرية بين طريقة تفكير المصممين وطريقة تفكير مديري الأعمال في ما يتعلق بأهدافهم وأساليب عملهم وتعريفهم للنجاح.

تعتمد فرص نجاح التفكير التصميمي في المؤسسة على مدى قدرة أفرادها من كبار التنفيذيين إلى الموظفين على تبني هذه الأبعاد الثمانية في طريقة تفكيرهم وحلّهم للمشكلات كما يفعل المصممون.

  • الغرض يرى المصممون أن هدفهم هو تحسين حياة المستخدمين سواء كانوا عملاء، مرضى، طلاب، روّاد خدمات، أو موظفين. قد يجادل الكثير من المديرين بأن هذا هو جوهر الأعمال أيضًا، لكن بالنسبة للمصممين تحسين حياة المستخدمين هو الغاية بحد ذاتها وليس وسيلة لتحقيق أرباح للمساهمين كما هو الحال لدى المديرين.

  • النهج في التعاون يتبنى المصممون رؤية شاملة لتجربة المستخدم. فهم يعملون بشكل أفضل عند التعاون عبر الأقسام الوظيفية المختلفة وينظرون إلى المؤسسة كما يراها المستخدم. أما المديرون فعادةً ما يرون مؤسساتهم من منظور مواقعهم الوظيفية وقد يكونون غير مدركين للصورة الأوسع. على سبيل المثال، عندما طُلب من موظفي مستشفى في تورونتو تعريف تجربة المريض وصفوا فقط ما يحدث في أقسامهم دون النظر إلى التجربة الكاملة التي يمر بها المريض من بداية الأعراض حتى شفائه إن حصل.

  • أسلوب العمل يشرف المديرون على هياكل تنظيمية هرمية لأشخاص في أدوار محددة مسبقًا يعملون وفق عمليات محددة ويعملون نحو تحقيق أهداف معلنة. أما المصممون فهم أكثر حرية ومرونة إذ يشكلون فرقًا مؤقتة حسب الحاجة لحل مشكلة معينة. قارن بين اجتماع أعمال تقليدي واجتماع تصميمي: في اجتماع الأعمال يتبع المشاركون جدول أعمال محدد بدقة ويمنع الخروج عنه، بينما في اجتماع المصممين قد يكون الخروج عن النص جزءًا أساسيًا من العملية الإبداعية لأنه يفتح المجال لأفكار جديدة قد لا تُطرح في الاجتماعات التقليدية. قد يجد المديرون المعتادون على مناقشات منظمة ومنتهية النتائج أن أسلوب المصممين مربك أو غير مثمر.

  • عملية التفكير يفهم المصممون المشكلات بطريقة مختلفة. يزدهر المديرون في التفكير الاستنتاجي أي تطبيق قاعدة عامة على حالة محددة والتفكير الاستقرائي استنتاج قاعدة عامة من ملاحظات لحالات محددة. مثلاً باستخدام التفكير الاستنتاجي يمكن توقع زيادة مبيعات المظلات عند هطول الأمطار بناءً على القواعد المعروفة، بينما باستخدام التفكير الاستقرائي يمكن ملاحظة أن الناس يدفعون مبالغ أكثر أثناء المطر والاستنتاج أن الوقت المناسب لرفع الأسعار هو خلال هطول الأمطار.

في كلتا الحالتين تحتاج القرارات إلى معلومات دقيقة وموثوقة وقد يتردد المديرون في المجازفة دونها. هنا يبرز المصممون بمهارتهم في التفكير الاستنباطي أي اختيار التفسير الأكثر احتمالًا بناءً على معلومات ناقصة. من خلال استنتاجات مستمدة من معلومات محدودة يتخيلون ما يمكن أن يكون مثل نوع جديد من المظلات يتحمل العواصف.

  • توليد المعرفة يميل المديرون إلى فهم عملائهم من خلال البيانات الكمية التي توضح ماذا يشترون ومتى وكيف. لكن الأرقام لا تكشف عن سبب الشراء أو ما ينقص حياة الناس أو ما قد يشترونه في مستقبل غير متصور. يحصل المصممون على رؤى من خلال جمع معلومات نوعية تستند إلى قصص وتجارب حقيقية حول كيفية عيش الناس. لكن بسبب تركيز العديد من المؤسسات على التحليل الكمي يمكن تجاهل السرد الوصفي باعتباره قصصيًا ويفتقر إلى الصرامة العلمية مما يجعله غير معتمد.

  • نظرة القيود يرى العديد من المديرين القيود سواء كانت مالية أو تقنية أو تنظيمية أو زمنية كعوائق تحد من الخيارات المتاحة لحل المشكلة. أما المصممون فيرحبون بهذه القيود كمصدر للبنية ومحفز للإبداع.

  • الموقف من الفشل يجرب المصممون للوصول إلى الحلول الفعالة ويرون أن الفشل خطوة ضرورية لاكتشاف الإجابة الصحيحة. في العديد من المؤسسات يثير احتمال الفشل قلق المديرين الذين قد يخشون أن يكون المشروع خارج السيطرة وأن الموارد تهدر. بالطبع يجب أن تكون هناك جوانب من المنتج أو الخدمة محمية من الفشل، لكن المديرين الخائفين من الفشل لا يميزون بين الفشل الحاسم وغير الحاسم مما يمنع التجربة والخطأ.

  • الالتزام بسير العمل المعتمد يختص المصممون بالاستكشاف مما يدفعهم للتشكيك في الفرضيات الأساسية لكيفية سير الأعمال ولماذا. هذا جزء من عملهم. أما المديرون فهم يفضلون الاستغلال تحقيق نتائج فعالة ومربحة قد تحل مشاكل العملاء أو لا تحلها. لديهم دافع قوي للاستمرار في تطبيق ما يعرفونه والاعتماد على الطرق المعتادة لأن ذلك يساعدهم في تحقيق أهداف الأداء.

في الختام، طرق التفكير والعمل التي تجعل المديرين ناجحين غالبًا ما تختلف عن تلك التي تناسب المصممين. لا يعني ذلك أن أحد الأسلوبين أفضل من الآخر فلكل منهما دوره ومكانه. في الواقع سيكون من غير الواقعي وغير المرغوب فيه أن يتصرف المديرون كمصممين أو العكس في معظم الأوقات.

ومع ذلك، لكي ينجح التفكير التصميمي يحتاج جميع أفراد المؤسسة من أعلى الهرم إلى القاعدة أن يكونوا مستعدين لتبني عقلية المصمم عندما يتطلب الأمر ذلك أي عند الابتكار أو تغيير ثقافة الشركة أو مواجهة المشكلات المعقدة.

هل المؤسسة جاهزة؟

نظرًا لأن الهدف من التفكير التصميمي هو إحداث تغيير فإن تبنيه يتطلب مستوى عالٍ من الجهوزية بين الموظفين والمديرين والتنفيذيين على حد سواء. كما ذكر سابقًا الهدف ليس تحويل الجميع إلى مصممين أو تطبيق التفكير التصميمي على كل مشكلة. ولكن من الضروري أن يفهم الناس كيفية عمل المصممين وأن يشعروا بالراحة تجاه هذا النهج.

يمكن للقادة تحديد مدى فهم وممارسة أبعاد التفكير التصميمي داخل المؤسسة باستخدام أداة تقييم مثل التي نوفرها. من خلال استبيان كل من المديرين والموظفين يمكن للقادة كشف أي فجوات أو اختلافات بينهما قد تهدد نجاح برنامج التفكير التصميمي.

في المؤسسات الكبيرة، من يتولى قيادة مبادرة التفكير التصميمي يحتاج إلى استطلاع آراء فريق القيادة العليا، أما إذا كانت البداية مقتصرة على جزء معين من الشركة، فيُركّز الاستطلاع على قادة ذلك الجزء تحديدًا. بعد ذلك، يتم استطلاع المجموعات المناظرة من الموظفين، إما جميع الموظفين أو موظفي الوحدات المعنية.

تشير الدرجة الإجمالية العالية إلى وجود اتفاق قوي بين المديرين والموظفين على أن أبعاد التفكير التصميمي حاضرة بوضوح في المنظمة، وفي هذه الحالة تكون المنظمة جاهزة. أما الدرجة المنخفضة، التي تعكس وجود تباين كبير في الآراء، فتشير إلى أن الوقت غير مناسب لاعتماد التفكير التصميمي. وإن كانت النتيجة متوسطة، فيمكن للقادة تحديد مواضع القصور وتوجيه جهودهم نحو التعليم والتدريب أو إطلاق مشاريع تجريبية لتغيير العقلية التنظيمية، ويمكنهم لاحقًا إجراء استطلاع متابعة لتقييم أثر تلك التدخلات.

فيما يلي نستعرض الخطوات الواجب اتخاذها بحسب كل حالة:

غير جاهزة: توقّف وأعد التقييم

إذا كانت أبعاد التفكير التصميمي غائبة تمامًا عن ثقافة المنظمة، ففرص نجاح هذا النهج ستكون ضئيلة. على قادة الأعمال أن يقرروا ما إذا كانوا سيواصلون اتباع الأساليب التقليدية، أو يشرعون في مسار طويل لتغيير الثقافة التنظيمية.

إذا اختاروا الخيار الثاني، يمكنهم البدء بتشجيع الموظفين على استكشاف كيفية تطبيق التفكير التصميمي في شركات أخرى ضمن نفس القطاع، حتى تلك التي لا توفّر منتجات أو تجارب مباشرة للمستهلكين، مثل قطاعات التعدين والهندسة البحرية والعسكرية.

كذلك، من خلال الانضمام إلى شبكات مهنية في القطاع، يمكن للموظفين التعرّف على ممارسين للتفكير التصميمي وأشخاص متحمسين لهذا النهج، لتبادل الخبرات واستكشاف كيفية تطبيقه في بيئة عملهم. على سبيل المثال، يجمع معهد إدارة التصميم والشبكة العالمية لتصميم الخدمات مشاركين من قطاعات وصناعات متعددة.

وإذا لم تتوفر خبرات داخلية، فستحتاج الشركة إلى تطويرها. وفي الأثناء، يمكن لمشروع تجريبي صغير بقيادة خبراء خارجيين في التفكير التصميمي أن يمنح المديرين والموظفين خبرة عملية مباشرة.

جاهزية جزئية: التقدّم بحذر

قد يُظهر التقييم وجود بؤر من الجاهزية داخل المنظمة، مثل استعداد بعض المديرين لتبني التفكير التصميمي في حين لا يبدي الموظفون الاستعداد نفسه، أو العكس. ومن خلال تحليل نتائج التقييم عبر أبعاد التفكير التصميمي المختلفة، يمكن للقادة تحديد النقاط التي تحتاج إلى دعم إضافي.

على سبيل المثال، قد يُقيّم المديرون التعاون بين الفرق تقييمًا عاليًا، في حين يمنحه الموظفون تقييمًا منخفضًا. مثل هذا التباين يشير إلى أن التعاون لا يتجاوز الشعارات أو النوايا الحسنة، دون أن يُترجم إلى ممارسة فعلية.

إذا لم يكن الموظفون متحمسين، على القادة أن يقاوموا إغراء فرض التفكير التصميمي من أعلى الهرم، وأن يعملوا بدلًا من ذلك على تحديد روّاد من داخل المنظمة قادرين على نشر هذا التوجّه بين زملائهم. هؤلاء الروّاد غالبًا لا يكونون مصممين محترفين، بل موظفين ذوي خلفية تجارية تلقّوا تدريبًا في أساليب التصميم، ويتمتعون بمهارات تواصل وتعاون قوية.

مثال على ذلك جودي ميليت، التي شغلت مناصب في التسويق والتسعير في قطاع التجزئة قبل أن تقود جهود تصميم الخدمات في شركة Telus الكندية للاتصالات. يمكن لهؤلاء الروّاد تقديم ورش عمل للموظفين للتعرف على مبادئ التصميم وكيفية تطبيقها على المشكلات التي يواجهونها.

قد يكون مشروع صغير فشل الفريق في حله باستخدام الأساليب التقليدية نقطة انطلاق مناسبة لعرض فاعلية التفكير التصميمي. ففي عام 2012، استخدم طلاب من جامعة التكنولوجيا في سيدني منهج التفكير التصميمي لمقاربة مشكلة قديمة تتعلق بالإفراط في الشرب والجرائم البسيطة في أحد أحياء الترفيه بالمدينة. وكانت المحاولات السابقة تركز على فرض النظام، لكن الفريق قرر النظر إلى المشكلة من منظور المستخدمين، أي الشباب الخارجين لقضاء ليلة ممتعة، ووجد أن الحل قد يكون في تحسين اللافتات وخدمات النقل والإضاءة لمساعدتهم على تجنب المخاطر.

القصص التي تُبرز منظور المستخدم أو العميل تساهم في تعزيز الالتزام والتعاون. ففي بنك Royal Bank of Canada، ساعدت إحدى هذه القصص في إقناع القيادات العليا بقيمة التفكير التصميمي في إنشاء بيئة عمل هجينة جاذبة للموظفين بعد انتهاء المرحلة الأسوأ من الجائحة. لاحظ فريق التصميم أن زيادة العمل من المنزل أدّت إلى استخدام أكبر لمؤتمرات الفيديو، مما تسبب في ارتفاع الضوضاء داخل المكاتب ذات التصميم المفتوح. وقد أفضى التفكير التصميمي إلى حل بسيط. يقول بيتر تشاو، مدير الابتكار ومستقبل العمل في البنك:

""لدينا أفضل ما توصلت إليه التكنولوجيا من حيث بيئة العمل والكراسي والكاميرات ومحطات التوصيل، ثم اكتشفنا أن أهم شيء هو السماعات.""

الموظفون، لا سيما في الصفوف الأمامية، قد يفكرون بعقلية المصممين بسبب تعاملهم المباشر مع المستخدمين وتعاطفهم مع مشكلاتهم، وقد تكون لديهم أفكار مبتكرة، لكن ما إذا كانت تلك الأفكار سترى النور يعتمد على دعم المديرين.

أما المديرون الذين لا يبدون انفتاحًا على التفكير الجديد فقد تكون لديهم مبررات قوية مثل الضغط لتحقيق الإيرادات الفصلية، وفي مثل هذه الحالات قد تَغلُب الأهداف قصيرة المدى على استدامة الابتكار على المدى الطويل. الأرقام تطغى على القصص.

وعندما تصطدم المنظمة بهذا النوع من العقلية، فإن محاولة دفع التفكير التصميمي من القاعدة إلى القمة ستكون محبطة، فالمديرون سيترددون في منح الموظفين الحرية لاستكشاف حلول جديدة. هنا، سيكون على مناصري التفكير التصميمي إثبات قيمته.

إحدى الطرق الفعالة لذلك هي الجمع بين موظفين لديهم استعداد لهذا النهج واستشاري خارجي مختص. يمكن لهذه الفرق متعددة التخصصات استكشاف رحلات المستخدم وتوليد رؤى مبتكرة تُظهر للمديرين الفوائد التي يمكن أن يقدمها التفكير التصميمي للمنظمة.

جاهزة للانطلاق: التقدّم مع توفير الدعم

حتى عندما يكون كل من المديرين والموظفين مستعدين لتبنّي التفكير التصميمي، فإن اعتماده والمحافظة عليه يتطلب جهدًا مستمرًا. في هذه المرحلة، قد ينصب تركيز القادة على كيفية الموازنة بين تشغيل الأعمال الحالية واستكشاف الابتكارات المستقبلية.

لتعزيز التفكير التصميمي وتحقيق التوازن بين إدارة الحاضر وبناء المستقبل، يجب على القادة توفير الدعم المناسب. بشكل خاص، يحتاج الأمر إلى راعٍ تنفيذي قوي يؤمن بالمبادرة. كما يجب توفير مساحة ذهنية ومادية للعمل على مشاريع التصميم، ودمج الممارسة في نسيج المنظمة ليشعر الجميع بأنهم جزء منها، واختيار المشاريع المناسبة، وتبنّي آلية لقياس النتائج تتيح للتفكير التصميمي أن يزدهر.

ابحث عن راعٍ مؤسسي. ينبغي على القادة التأكيد على أهمية استكشاف الأفكار الجذرية عندما يلتزمون علنًا وفعليًا بالتفكير التصميمي. أظهرت الأبحاث أن البرامج الناجحة غالبًا ما يكون لديها راعٍ تنفيذي يدافع عن تمويلها ويمنحها الحماية عندما تثير أفكارها الجدل. ومع ذلك، فإن تغيّر القيادة قد يجعل هذه البرامج عرضة للتقويض.

على سبيل المثال، تأسس مختبر MindLab التابع للحكومة الدنماركية عام 2002، وحقق شهرة عالمية بفضل دعم نائب وزير رؤيوي، لكنه أُغلق في عام 2018 بعد تراجع الالتزام به من قبل القيادات الجديدة.

وفّر المساحة. نظرًا لأن مشاريع التفكير التصميمي قد تستغرق من أسابيع إلى سنوات، يحتاج الموظفون إلى مساحة مخصصة للعمل عليها. تلجأ العديد من المنظمات إلى إنشاء مختبرات تصميم تُوفّر بيئة ثابتة لفرق متعددة التخصصات، وتتميز هذه المختبرات عن المكاتب التقليدية بتصميم مرن، وأثاث متساوٍ في التوزيع، ومناطق مخصصة للنقاش المركز، وتجهيزات للنمذجة والتجريب.

على سبيل المثال، حوّلت شركة Procter & Gamble مصنع جعة قديمًا قرب مقرها الرئيسي في سينسيناتي إلى مساحة مخصصة للابتكار.

يحتاج المشاركون أيضًا إلى مساحة ذهنية، أي فرص للتفكير بحرية، والتعبير بصراحة، والتركيز. في أحد المختبرات، أُطلق على السجادة الواقعة في وسط الغرفة اسم ""السجادة الخضراء الآمنة""، إذ تتيح للمشاركين من مختلف أنحاء الشركة الحديث بحرية دون الخوف من العواقب السياسية.

وفي بداياتها، طبّقت Google قاعدة 20% التي شجّعت الموظفين على تخصيص خُمس وقتهم للعمل على ما يرونه مفيدًا للشركة، وقد وُلدت من هذه المبادرة ثلاثة من منتجاتها الرائدة: Gmail وAdSense وGoogle News.

تلجأ بعض الشركات إلى تنظيم تصميمات سريعة يعمل فيها فرق محورها المستخدم على حل مشكلات التصميم خلال عدة أيام، بينما تعتمد شركات أخرى على تصميم تشاركي يدعو فيه المستخدمين للانضمام إلى فريق التصميم والمشاركة في سلسلة ورش عمل لتصميم منتج أو خدمة جديدة بشكل جماعي.

بناء الروابط

إن إنشاء مختبر للتفكير التصميمي لا يؤدي وحده إلى إحداث تغيير واسع النطاق. في الواقع، يجب على المديرين الحذر من أن يؤدي تخصيص مساحة منفصلة لهذا النهج إلى إيصال رسالة غير مقصودة مفادها أن الابتكار حكر على نخبة معزولة. فالأقسام المسؤولة عن تنفيذ ما ينتجه المختبر قد لا تشعر بملكية تلك الأفكار، أو قد تجد أن هذه المقترحات لا تراعي الواقع التقني أو التنظيمي.

لا بد أن يكون التفكير التصميمي ملكًا للجميع، خصوصًا إذا كان الهدف هو تغيير ثقافي شامل، لذلك يجب أن يسعى مختبر التصميم إلى بناء روابط وعلاقات دعم داخل المنظمة.

ولتسهيل هذه المهمة، قام أحد المختبرات بتوظيف مصممين يتمتعون بمهارات اجتماعية قوية تجعلهم شركاء مرغوبين من قبل زملائهم في الأقسام الأخرى.

وفي حالات أخرى، طُلب من الإدارات المعنية تعيين موظفين منها للمشاركة في جهود التفكير التصميمي لضمان ارتباطهم المباشر بالمبادرات المستفيدة.

تحديد مؤشرات القياس المناسبة
تحتاج المؤسسات إلى تطوير مؤشرات أداء تتناسب مع طبيعة المبادرات الابتكارية، إذ إن القياسات التقليدية المرتبطة بالكفاءة أو الإنتاجية أو العوائد المالية قد لا تعكس بدقة تأثير عملية التصميم.
فعلى سبيل المثال، قد تؤدي نماذج الابتكار التي تعتمد على ""البوابات المرحلية"" (Stage-Gate)، والتي تطالب باجتياز اختبارات العائد على الاستثمار في مراحل مبكرة، إلى قتل الأفكار قبل اكتمال نضجها.

لكي يزدهر التفكير التصميمي، ينبغي على المؤسسات التركيز على مؤشرات نوعية، مثل ملاحظة كيفية تفاعل العملاء مع المنتج، أو إجراء مقابلات إثنوغرافية معمقة تكشف تحولات في تجربة المستخدم، وأنماط سلوكية جديدة، أو فرصًا خفية لا يمكن رصدها عبر الاستبيانات الكمية.

تُساعد هذه البيانات على تقييم التقدم حتى وإن بدت المؤشرات الأولية غير حاسمة.

طريقة قوية للابتكار
في الظروف المناسبة، يمثل التفكير التصميمي أداة قوية للابتكار وحل المشكلات المعقدة، لا سيما تلك التي تتسم بالغموض وعدم اليقين.
يتيح هذا النوع من التفكير للمديرين والموظفين رؤية عملياتهم ""من الخارج إلى الداخل""، أي من منظور أصحاب المصلحة، مما يكشف عن فرص وأمور قد تغيب عند التركيز على الكفاءة والإنتاجية والأهداف التقليدية.

لكن التفكير التصميمي قد يفشل إذا لم يُفهم جوهره ومبادئه، أو إذا افتقر إلى الدعم اللازم من القيادة.
كما هو الحال في أي مبادرة تغيير، يزداد احتمال النجاح عندما تُبنى المبادرة على استراتيجية واضحة ومدروسة، وينبغي أن تواكب التقييم الواقعي لقدرات الشركة وثقافتها.
لا يمكن فرض التفكير التصميمي من الأعلى بشكل صارم، ولا يمكن ترك الموظفين يواجهون غموضه بدون توجيه، لأن ذلك يؤدي إلى الرفض أو الإحباط.
يحتاج الموظفون إلى تدريب وتعليم مناسبين، يتناسبان مع مستوى التزامهم ومعرفتهم، بالإضافة إلى الدعم والحوافز.

عن المؤلفين

ديفيد دن (@ddunnedesign) أستاذ محاضر في جامعة فيكتوريا.
تيريزا إريكسون نائبة رئيس أول في شركة Unbounce، وطالبة دكتوراه في جامعة لوليو للتكنولوجيا.
يان كيتزمان أستاذ في جامعة فيكتوريا.

المصدر

مقالات ذات صلة