القائمة الرئيسية

مستقبل الصحة المعززة بالذكاء الاصطناعي

مستقبل الصحة المعززة بالذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

الذكاء الاصطناعي يمثل قوة ثورية في قطاع الرعاية الصحية، لما له من قدرة على تحسين جودة العلاج، ورفع كفاءة الأنظمة، وتمكين المرضى. إلا أن تبنيه يواجه تحديات معقدة، تشمل صعوبة التطبيقات التقنية، غياب العائد القصير المدى، ضعف التوافق بين القرارات التقنية والأهداف الاستراتيجية، وانعدام الثقة الناتج عن أطر تنظيمية غير متناسقة. ولمعالجة هذه التحديات وتحقيق الأثر المنشود، يتطلب الأمر ستة تحولات محورية في سلوك القادة وصناع القرار: التحول من الطموحات بعيدة المدى إلى تحقيق منافع ملموسة على المدى القصير، بناء شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص، الاستثمار في بنية تحتية رقمية مشتركة تتيح الوصول العادل والفعال، تمكين القادة لاتخاذ قرارات تقنية مسؤولة، تعزيز الثقة عبر الشفافية والرقابة الأخلاقية، وأخيرًا تحسين تكامل البيانات لضمان عدالة الابتكار وكفاءته. إن نجاح هذه التحولات يتطلب تعاونًا غير مسبوق بين الجهات المعنية لبناء منظومة مستدامة ومتمحورة حول الإنسان تُمكّن الذكاء الاصطناعي من تحقيق تحول جذري في الرعاية الصحية على مستوى العالم.

الملخص
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث تحولًا كبيرًا في مجال الرعاية الصحية، لكن إذا لم يتم التعامل بجدية مع ستة تحولات أساسية، فقد يواجه القطاع الصحي خطر عدم تحقيق

إمكاناته الكاملة والتراجع عن المنافسة

الذكاء الاصطناعي (AI) هو جزء من ثورة رقمية أوسع لديها القدرة على تحويل قطاع الرعاية الصحية بطرق عديدة. في الجانب الأمامي، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تحسين جودة الرعاية من خلال تعزيز قدرات الأطباء وتوفير الوقت لهم للتركيز أكثر على العلاقة مع المرضى، بالإضافة إلى تمكين المرضى من التحكم بشكل أكبر في صحتهم. أما في الجانب الخلفي، فإن دعم الجوانب غير المرتبطة مباشرة بالمرضى يعزز كفاءة جميع جوانب تقديم الرعاية الصحية وعلوم الحياة عبر تحسين العمليات على مستوى النظام بأكمله. ومع ذلك، فإن تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا يزال بطيئًا، وهناك خطر ألا يتم استغلال إمكانياته التحويلية في مجال الرعاية الصحية بشكل كامل.

وقد أجرى المنتدى الاقتصادي العالمي من خلال مبادرة تحول الرعاية الصحية الرقمية (DHT) بحثًا حول تبني الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية من خلال مقابلات مع خبراء، حيث تم تحديد ثلاث تحديات رئيسية تعيق توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال:

العمليات، تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الأطباء على تحسين أدائهم وتوفير وقت لهم للتركيز على العلاقة مع المرضى، كما تمكّن المرضى من السيطرة أكثر على صحتهم. أما في الخلفية، فدعم الجوانب غير المباشرة المرتبطة بالمرضى يساعد على تحسين كفاءة جميع جوانب تقديم الرعاية الصحية من خلال تحسين العمليات على مستوى النظام بأكمله. مع ذلك، تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا يزال بطيئًا، وهناك خطر أن لا نتمكن من استغلال إمكاناته بشكل كامل في مجال الصحة.

قام المنتدى الاقتصادي العالمي، عبر مبادرة تحول الرعاية الصحية الرقمية، بإجراء مقابلات مع خبراء للكشف عن أبرز التحديات التي تعيق توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، ووجد ثلاث مشاكل رئيسية:

  1. تعقيد الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة يثبط صانعي السياسات وقادة الأعمال: رغم الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي في الصحة يحظى باهتمام كبير، إلا أنه يواجه صعوبة في الحصول على مكانة فعلية ضمن الأجندات السياسية والاستراتيجية.

  2. عدم توافق الاختيارات التقنية مع الرؤى الاستراتيجية: غالبًا ما يفوّض قادة القطاع الصحي القرارات التقنية لآخرين، مما يؤدي إلى فقدان فرص مواءمة التكنولوجيا مع أهدافهم الاستراتيجية. كما أن الحوافز غير المتناسقة تعيق اتخاذ قرارات تدعم الأهداف المشتركة والمثل الجماعية.

  3. ضعف الثقة في الذكاء الاصطناعي داخل إطار تنظيمي وحوكمي مجزأ: تزايد عدم الثقة العامة في الذكاء الاصطناعي وشكوك الصناعة قد يعيقان تبنيه في مجال الصحة.

هناك ست مراحل رئيسية يجب اجتيازها حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية من الوصول إلى نطاق واسع ومنهجي على المستوى العالمي:

  1. الانتقال من الأحلام بالاختراقات الكبرى إلى تحقيق فوائد واقعية وقريبة تُسرّع تحقيق رؤية طويلة الأمد: التركيز يجب أن يكون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التشغيلية في مجال الصحة، مع التعاون الوثيق مع قادة القطاع الخاص لإثبات جدوى هذه التطبيقات وتحفيز الاستثمارات طويلة الأجل.

  2. الانتقال من تقدم القطاع الخاص منفردًا في تطوير التكنولوجيا إلى بناء منظومات شراكة بين القطاعين العام والخاص تحقق أهدافًا وفوائد مشتركة: من الضروري توحيد الرؤى بين قادة القطاعين، والاعتراف بقيمة الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الطبية، والاتفاق على آليات تقاسم هذه القيمة.

  3. الانتقال من الصراع حول البنية التحتية إلى النجاح في تقديم الخدمات: يجب إعطاء الأولوية للبنى التحتية الرقمية المشتركة مثل البنى الرقمية العامة، مع السعي إلى استثمارات مشتركة في حلول تصب في المصلحة العامة وتتوافق مع عروض خدمات القطاع الخاص.

  4. الانتقال من القادة ذوي النوايا الحسنة إلى قادة يتخذون قرارات تقنية مسؤولة: تطوير مهارات القادة على جميع المستويات، وتمكينهم من اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على فهم معمق للجوانب التقنية.

  5. الانتقال من انتظار الإرشادات إلى بناء الثقة بشكل استباقي: الانخراط الفعّال في تحسين مراقبة الذكاء الاصطناعي بعد طرحه، لاكتشاف المخاطر مبكرًا وبشفافية، إلى جانب تأسيس لجان أخلاقية ووضع مبادئ واضحة للذكاء الاصطناعي.

  6. الانتقال من البيانات المبعثرة إلى التكامل المدروس: دعم التحكم المحلي بالبيانات ضمن نظام عالمي متصل يركز على المريض، لضمان خصوصيته وأمانه، مع تعزيز الابتكار.

هذه التحولات ستسرّع من نشر الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، محققة تحسينات عميقة في صحة الأفراد، وتوفير مساعدين صحيين شخصيين معتمدين على الذكاء الاصطناعي باستمرار، وتعزيز الأداء التشغيلي لأنظمة الرعاية الصحية، مع إتاحة الفرصة للدول منخفضة ومتوسطة الدخل لتسريع تطورها الصحي.

لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مواجهة تحديات عدة، منها حماية الخصوصية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير مهارات الأطباء والمرضى، وضمان العدالة في الوصول للتقنيات، ووضع أطر تنظيمية واضحة.

يُقدم الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية للقطاع الخاص لبناء أعمال تعزز الصحة عالمياً، وللقطاع العام لإعادة ابتكار طرق إدارة صحة السكان، كما يمكّن التعاون بين القطاعين من مواجهة التحديات الصحية العالمية المتواصلة. وتختلف جهود التعاون حسب مستوى النضج الرقمي والقضايا الخاصة بكل بلد.

في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، يكون التركيز على بناء البنية التحتية التكنولوجية الأساسية وتوسيع الوصول إلى خدمات صحية ذات جودة، لمواجهة تحديات مثل العبء المرضي العالي وضعف أنظمة المعلومات الصحية. أما في الدول المتقدمة، فيُعتبر التكامل بين الأنظمة ضرورة لتحسين الكفاءة والنتائج، لمواكبة الضغوط المتزايدة على أنظمة الرعاية الصحية.

في سياق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة:
يتم حالياً تطبيق الذكاء الاصطناعي في جميع أرجاء صناعة الصحة، لكن هناك عقبات تعيق تبنيه على نطاق واسع وتحقيق إمكاناته التحويلية بشكل كامل.

1.1 الاتجاهات وحالات الاستخدام

الرعاية الصحية صناعة ضخمة تشمل قطاعات تقدم السلع والخدمات لرعاية المرضى. يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على قيادة ثورة صحية تُحدث تحولًا في النظام البيئي بأكمله. سيستفيد مقدمو الرعاية من مجموعة واسعة من حلول الذكاء الاصطناعي، بدءًا من التشخيص وتقديم الرعاية إلى مراقبة المرضى، وكلها تهدف إلى تحسين النتائج السريرية. سيتمكن الأطباء المعززون بالذكاء الاصطناعي من التركيز بشكل أكبر على علاقاتهم مع المرضى بفضل تحسين الخدمات والعمليات. كما يمكن لشركات الأدوية استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف الأدوية وتحسين عملياتها.

ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي في سلاسل التوريد. كما يعتمد مقدمو خدمات الدفع والتأمين الصحي على الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف وتحسين إدارة المخاطر، بهدف تقديم تغطية صحية ذات جودة أعلى وبأسعار أقل للمستهلكين. وتستطيع شركات التكنولوجيا الطبية تطوير أجهزة أكثر كفاءة وشخصية ومركزة على المريض، مثل إدخال ميزات الصيانة الوقائية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في دورة حياة منتجاتها. كما يمكن للوكالات الصحية العامة تحسين تخطيط الموارد وتوزيعها، والتنبؤ بالاحتياجات الصحية العامة، وتنفيذ البرامج بشكل أكثر فعالية بفضل الذكاء الاصطناعي.

 

الذكاء الاصطناعي يُعد قوة تحويلية كبرى في قطاع الرعاية الصحية.
ومن المتوقع أن ينمو السوق بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 43% خلال الفترة من 2024 إلى 2032، ليصل إلى قيمة إجمالية تُقدّر بـ491 مليار دولار بنهاية هذه المدة.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي (genAI)، فيُتوقع أن يشهد أسرع نمو له في قطاع الرعاية الصحية مقارنة بأي قطاع آخر، بمعدل نمو سنوي مركب يُقدّر بـ85%، لتصل قيمته السوقية إلى نحو 22 مليار دولار بحلول عام 2027 .

تم استعراض حالات استخدام الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة القيمة الكاملة لقطاع الرعاية الصحية (انظر الجدول 1).


الجدول 1: استخدامات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية

الفئةحالة الاستخدامالوصفأمثلة على الشركات
شركات الأدويةتسريع اكتشاف وتصميم الأدويةتحليل ملايين الجزيئات والتفاعلات المحتملة مع البروتينات المستهدفة لتطوير أدوية جديدةAtomwise, Exscientia, Absci, Profluent
 تخطيط وتنفيذ التجارب السريريةتحسين تصميم وتنفيذ وتحليل التجارب السريريةOwkin, Saama Technologies, AiCure
 الطب الدقيق (Precision Medicine)تمكين الأطباء من تخصيص التدخلات العلاجية لكل مريض على حدةBERG Analytics, AstraZeneca
مقدّمو الرعاية الصحيةفحص المرضىاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الصوت وتحديد المؤشرات الصوتية البيولوجية للكشف غير الجراحي عن الحالات المرضيةCanary Speech, Clarigent Health
 معالجة المستندات تلقائيًاأتمتة العمليات مثل التوثيق، معالجة المطالبات، الموافقات المسبقة، الاستئنافات، تسجيل المرضى، وجدولة المواعيدAugmedix, DeepScribe, Nuance, Doximity
 تحليل الصور الطبيةاستخدام التعلم العميق لتصنيف الصور الطبية وتفسيرها بشكل أسرع وأكثر دقةPathAI, DiA Imaging Analysis, Aidoc
 تكامل سجلات الصحة الإلكترونية (EHR)تحسين التكامل بين أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية المختلفة، لتعزيز إدارة البيانات واستمرارية الرعايةEpiq, eClinicalWorks
جهات الدفع (شركات التأمين الصحي)الرعاية الوقائيةتحديد الشرائح السكانية عالية الخطورة وإدارتها بشكل استباقيConcertAI
 أتمتة معالجة المطالباتالكشف عن أنماط الاحتيال من خلال إيجاد ارتباطات بناءً على مطالبات تمت معالجتها مسبقًاUiPath, H2O.ai
شركات التقنية الطبية (Medtech)التصميم التوليدي للمنتجاتتحسين تصميم الأجهزة الطبية لتناسب احتياجات كل مريض على حدةالمركز الوطني للتصنيع الإضافي (National Centre for Additive Manufacturing)
 تحديد مخاطر سلاسل الإمداد وتحسين العملياتتحسين إدارة سلاسل التوريد باستخدام الذكاء الاصطناعيthoughtful.ai, IQVIA, UiPath
الخدمات والعملياتإنشاء بيانات اصطناعيةتوليد مجموعات بيانات صحية اصطناعية باستخدام نماذج التعلم الآليSyntegra, Google EHR-Safe
 تتبع المخزون وإعادة التوريدتحسين إدارة مخزون المستلزمات الصحيةIDENTI Medical
 مشاركة البيانات / التكاملتمكين الاستخدام الآمن ومشاركة البيانات الحساسةVeil.ai, Arcadia
 خدمات سحابية للذكاء الاصطناعي التوليديتطوير خدمات سحابية تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي مخصصة للقطاع الصحيGoogle Med-PaLM 2
الوكالات الصحية العامةالمراقبة الصحية العامةبناء أنظمة إنذار مبكر للتنبؤ بالأوبئةInstaDeep
 تخصيص الموارد واستخدامهااستخدام البيانات لدعم اتخاذ قرارات السياسة العامة

CDC (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها)

1.2 تبني الصناعة

على الرغم من الإمكانيات التحولية الهائلة للذكاء الاصطناعي وتعدد حالات الاستخدام وتنوع الجهات المعنية في قطاع الرعاية الصحية، إلا أن هذا القطاع لم يستفد بعد من الذكاء الاصطناعي بالشكل الكامل. فمعدل تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الرعاية الصحية لا يزال أقل من المتوسط العالمي مقارنةً بقطاعات أخرى .

تكشف دراسة لإعلانات الوظائف في الولايات المتحدة عن أنماط انتشار الذكاء الاصطناعي في مختلف الصناعات، حيث تُظهر أن قطاع الرعاية الصحية يسجل معدل تبنٍ منخفض بشكل ملحوظ. إذ لا تطلب سوى وظيفة واحدة من كل 1,850 وظيفة معلن عنها في القطاع مهارات في الذكاء الاصطناعي. وهذا المعدل أقل بكثير مقارنة بقطاعات أخرى، مثل قطاع المعلومات (وظيفة واحدة من كل 71)، والخدمات المهنية والعلمية والتقنية (1 من كل 88)، والمالية والتأمين (1 من كل 175)، والخدمات التعليمية (1 من كل 333). ويُعد قطاع الإنشاءات هو الوحيد الذي يأتي بعد الرعاية الصحية من حيث معدل تبني الذكاء الاصطناعي.

لفهم العقبات التي أعاقت التقدم بشكل أفضل، وتحديد الاستراتيجيات المثلى لتعظيم أثر الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة، أجرى فريق المشروع أكثر من 75 مقابلة مع خبراء من القطاعين العام والخاص، وطلب منهم مشاركة أفكارهم. وقد قدّم الخبراء العديد من الأفكار، إلا أن بعضها كان من الممكن أن يُطرح قبل عشر سنوات.

وهذا يثير تساؤلًا جوهريًا: لماذا لم تُترجم هذه الأفكار إلى واقع حتى الآن؟

1.3 الحواجز الرئيسية

أوضح الخبراء خلال حواراتهم أن هناك مجموعة من التحديات الجوهرية التي تعيق الذكاء الاصطناعي من تحقيق تأثيره الكامل في قطاع الصحة. وقد صنفوا هذه التحديات إلى فئتين رئيسيتين:

  1. قيود هيكلية ثابتة تتحكم في آليات توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، ويصعب تغييرها بسرعة.

  2. تحديات يمكن تخطيها عبر تعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص، مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، التي تُعد مفتاحًا لتحقيق نتائج ملموسة.

وقد سلّط هذا التحليل الضوء على خمسة قيود هيكلية رئيسية يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لمسار ناجح للتحول الرقمي في الرعاية الصحية:

  1. الظروف السياسية: ضغط الانتخابات القصيرة الأمد يدفع لصنع نتائج سريعة خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، مما يحد من توسع الابتكار ضمن الأطر الوطنية.

  2. الحاجة إلى توسيع النطاق: لتحقيق نتائج فعالة في الصحة العامة، يلزم نطاق واسع من التطبيقات، وبيانات طويلة الأمد تدعم تقييم التأثير.

  3. محدودية الموارد: تواجه معظم الدول، حتى المتقدمة منها، ضغوطًا مالية، حيث تمثل الإنفاق الصحي حوالي 11% من الناتج المحلي الإجمالي مع نمو يتجاوز الاقتصاد.

  4. المقاومة للتغيير: الجمود والتحفظ التقليدي في المجال الطبي يشكلان عقبة تتطلب إدارة واعية للتغيير.

  5. الأنظمة والعمليات القديمة: ضرورة تحديث الأنظمة واللوائح ونماذج الحوافز لضمان بيئة مناسبة تتيح للذكاء الاصطناعي تحقيق إمكاناته كاملة في الرعاية الصحية.

بعيدًا عن القيود الهيكلية، حدّد الخبراء ثلاثة تحديات رئيسية يمكن تجاوزها، خاصة من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص:

  1. تعقيد الذكاء الاصطناعي في الصحة يربك صانعي السياسات وقادة الأعمال: رغم الاهتمام الكبير الذي يحظى به الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، يصعب إدراجه كأولوية على أجندات القطاعين العام والخاص على المستويين السياسي والاستراتيجي. ينبع هذا التحدي من غياب استراتيجية واضحة وجذابة تُربط مبادرات الذكاء الاصطناعي بالأهداف الصحية العامة والأولويات السياسية.

  2. عدم توافق الخيارات التقنية مع الرؤى الاستراتيجية: كثيرًا ما يغفل القادة العموميون دمج التكنولوجيا بشكل فعّال ضمن رؤاهم الصحية، ويتركون القرارات التقنية كاملة بيد مسؤولي التكنولوجيا وخبراء التقنية فقط. وهذا التجاهل يؤدي إلى فقدان فرص مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية الصحية ونتائجها.

  3. انخفاض الثقة في الذكاء الاصطناعي وسط إطار تنظيمي وحوكمي مجزأ: مع تزايد انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، تتصاعد المخاوف بشأن تأثيرها، مما يولّد حالة من عدم الثقة. تعكس هذه التحديات الحاجة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي شفافة ومسؤولة تبني وتحافظ على ثقة الجمهور.

من خلال معالجة هذه التحديات، يمكن لأصحاب المصلحة إطلاق العنان للإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي في تحويل الصحة العالمية، وضمان أن تكون أنظمة الرعاية الصحية أكثر مرونة وكفاءة وعدالة للجميع.

المستقبل المرتقب:
أربع رؤى للرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

يناقش الخبراء مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصحة بتوازن بين الحماسة والتشكيك المتأنّي.

لفهم أفضل للإمكانات التحولية للذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، من الضروري استكشاف وجهات نظر الخبراء المتنوعة في هذا المجال. تقدم رؤاهم لمحة عن المستقبل، مسلطة الضوء على الفرص والتحديات.

المقابلات التي أجريت مع الخبراء (الشكل 5) استمدت رؤى قيّمة من مؤسسات رائدة في الذكاء الاصطناعي والصحة. طلب منهم تقديم آرائهم حول أربع رؤى افتراضية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، ملخصة في الشكل 6. هذه الرؤى ليست متبادلة أو نهائية، بل توضح ما قد يكون ممكنًا بفضل الذكاء الاصطناعي.

في حين أبدى بعض المتخصصين في الصحة حماسة، كان آخرون متشككين بحذر، مما يبرز حقيقة أن التفاؤل موجود، إلا أن هناك قيودًا تقنية وهيكلية كبيرة لا تزال قائمة. فعلى سبيل المثال، تواجه نماذج اللغة الكبيرة الحالية (LLMs) مشاكل في ما يُعرف بـ ""الهلاوس""، أي ظهور أنماط أو أشياء غير حقيقية، مما يشير إلى أن هذه الجيل من أدوات الذكاء الاصطناعي لا يزال بحاجة للنضج.

كما توجد فجوات تكنولوجية كبيرة، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. لذا فإن فهم هذه التحديات الدقيقة ومعالجتها ضروريان لإطلاق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي في الصحة.

والجدير بالذكر أن عدم ظهور هذه الرؤى قبل عقد من الزمن لم يكن بسبب نقص التكنولوجيا، بل بسبب القيود النظامية والبُنى الهيكلية القائمة. يساعد وصف هذه الرؤى في تحديد تلك القيود والتحديات، ويُظهر الإمكانات التحولية لمزيج معقد من الذكاء الاصطناعي التقليدي (مثل التعلم الآلي) والذكاء الاصطناعي التوليدي (genAI).

ويطرح الجمع بين النهجين الثابت والديناميكي فرصًا وتحديات فريدة، بما في ذلك الحاجة إلى مقاربات تنظيمية واستراتيجية مخصصة.

اعتبر الخبراء هذه الرؤى الأربع المدفوعة بالذكاء الاصطناعي:

التحول في مجال الرفاهية: تركز هذه الرؤية على انتشار واسع لاستخدام أجهزة الاستشعار التي تولد بيانات ضخمة، مما يتيح توفير رعاية تنبؤية، وإدارة أنماط الحياة، وبرامج رفاهية شخصية مُفصلة. وتشمل التداعيات تحوّلًا في النموذج الاقتصادي للصحة من التركيز على العلاج إلى الوقاية، بالإضافة إلى إعادة تنظيم القوى العاملة للتركيز بشكل أكبر على الرعاية الوقائية.

  • التحديات المتعلقة بالخصوصية والأمن السيبراني واحترام الخصوصية: يجب إدارة هذه التحديات بحرص للحفاظ على استقلالية الأفراد وثقتهم في النظام.

  • ثمانية مليارات طبيب: رؤية تقوم على تمكين كل شخص من الحصول على طبيب ذكي شخصي عبر جهازه الخاص، يقدم استشارات صحية فورية دون قيود جغرافية أو اقتصادية. ستحدث هذه الرؤية تحولات جذرية في أدوار العاملين في القطاع الصحي، مع تزايد الاعتماد على ممارسين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، وإعادة صياغة الأطر التنظيمية لمواكبة التطور السريع للتقنيات. من التحديات البارزة رفع كفاءة الأطباء والمرضى، وضمان توفر الخدمات الذكية عالية الجودة للجميع.

  • التفوق التشغيلي بالذكاء الاصطناعي: تعتمد هذه الرؤية على تقنيات المحاكاة الرقمية والتحليلات التنبؤية والاستماع الذكي لإنجاز مهام إدارية بشكل أكثر فعالية، مما يخفف الأعباء عن العاملين في الصحة. لتحقيق ذلك، يلزم تعزيز البنية التحتية الرقمية في المستشفيات، ورفع مستوى الثقافة الرقمية للعاملين، وتحويل أدوارهم إلى مهام معرفية بدعم من أدوات تشخيص واتخاذ قرار مدعومة بالذكاء الاصطناعي. التحديات تشمل ضمان العدالة في الوصول، وتطوير الأطر التنظيمية بسرعة مناسبة، وتقليل المخاطر السريرية الناتجة عن الاعتماد المفرط، ومواجهة تهديدات الأمن السيبراني.

  • قفزة نوعية في الصحة: رؤية تبرز كيف يمكن للدول ذات الموارد المحدودة أن تتخطى مراحل التطور الصحي التقليدية عبر اعتماد الذكاء الاصطناعي، متجاوزة بذلك قيود البنية التحتية وتحقيق تحسينات كبيرة في صحة الشعوب من خلال نماذج عمل وشراكات مبتكرة. تشمل تداعيات هذه الرؤية إنشاء بنية تحتية رقمية عامة حديثة، وإعادة تصميم مسارات الرعاية الصحية، وتجديد أساليب التعاون، وتطوير مهارات القوى العاملة. أبرز التحديات تكمن في صياغة نماذج عمل مستدامة، وضمان وصول عادل وشامل، وإدارة مخاطر التكامل الأمني والتقني.

تحليل: ثلاثة تحديات رئيسية تعيق توسّع الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة

تشمل أبرز التحديات التي تقف حائلاً أمام انتشار الذكاء الاصطناعي في الصحة غياب الرؤية السياسية الواضحة، وعدم القدرة على وضع وتنفيذ تنظيمات فعالة.

حدد الخبراء ثلاث تحديات رئيسية تعيق انتشار الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة: ضعف أولوية الذكاء الاصطناعي في السياسات الحكومية، وعدم توافق القرارات التقنية مع الأهداف الصحية الاستراتيجية، بالإضافة إلى وجود نظام تنظيمي متفرق يقلل من ثقة الجمهور. وللتغلب على هذه التحديات، يجب تحقيق انسجام واضح بين مبادرات الذكاء الاصطناعي والأهداف الصحية، مع بناء أنظمة شفافة وقابلة للمساءلة تعزز ثقة الجميع.

3.1 تعقيد الذكاء الاصطناعي في الصحة يثني صناع السياسات وقادة الأعمال

لجعل الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة ذا أهمية استراتيجية وسياسية، يجب مواجهة تحديات رئيسية. من أبرز هذه التحديات الحاجة إلى تحقيق نتائج ملموسة في وقت قصير للحفاظ على الدعم خلال دورات الانتخابات، بالإضافة إلى التعامل مع قيود الميزانية.

فوائد الذكاء الاصطناعي في الصحة ليست واضحة دائماً بشكل فوري، مما يصعّب الحصول على الدعم السياسي والمالي بسبب الضغط السياسي لعرض نتائج سريعة. قد يتردد صناع السياسات في الاستثمار دون وجود فوائد ملموسة وفورية. علاوة على ذلك، الطبيعة طويلة الأمد لبعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية تخلق حالة من عدم اليقين المالي، والتي، بجانب التكاليف الأولية العالية، تجعل المبادرات الكبيرة أقل جاذبية للقادة الذين يركزون على المكاسب قصيرة الأجل.

عدم وضوح قيمة الذكاء الاصطناعي في الصحة

تبقى قيمة الذكاء الاصطناعي في الصحة غير واضحة، مما يجعل أصحاب المصلحة مترددين ويجعلهم ينظرون إليه كفكرة غامضة وربما محفوفة بالمخاطر، بدلاً من كونه أداة عملية ملموسة.

غالبًا ما يواجه صناع السياسات صعوبة في فهم التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الصحة، لأن الفوائد النظرية لا تتحقق دائماً على أرض الواقع. على سبيل المثال، قد تؤدي التقنيات التي تزيد من طلب المرضى إلى إرهاق أنظمة صحية تعاني من نقص الموارد، مما يعيق الابتكار. ويرجع ذلك غالبًا إلى فشل في تحويل الأهداف العامة إلى أهداف محددة للذكاء الاصطناعي، مثل التحقق من صحة البيانات، والحصول على بيانات متنوعة وتمثيلية، ووجود رؤية شاملة لكيفية تحسين الأداء على مختلف المستويات.

غياب إطار شامل لتقييم قيمة الذكاء الاصطناعي ونتائج الرعاية الصحية
لا يزال هناك نقص في وجود إطار متكامل يُمكّن من تقييم قيمة الذكاء الاصطناعي في الصحة وقياس نتائجه السريرية بشكل دقيق. وتُعتبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) أمرًا حيويًا لإثبات القيمة العملية والقابلة للتوسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة. هذا التعاون يعود بالنفع المتبادل: حيث يحصل صانعو السياسات على رؤى واضحة حول التكاليف والعائدات المحتملة على الاستثمار، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يحصل على تعويض مناسب ويستفيد من فهم أفضل للوائح التنظيمية وأولويات الحكومات والأُطُر السياسية. وفي هذا الإطار، هناك حاجة ملحة لتطوير طرق تقييم أكثر مرونة تواكب نتائج استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل جمع الأدلة الواقعية وتتبع المنافع.

تعقيدات تمويل الذكاء الاصطناعي
يُدعم تبني الذكاء الاصطناعي في الصحة عبر نهج تمويلي مزدوج يمكّن من طرح تدريجي ومنظم للتقنيات الجديدة. لكن تمويل هذا التحول ليس بالأمر السهل، إذ يتطلب استثمارات تتوزع على أفقين زمنيين مختلفين:

  • تجاوز ""وادي الموت""
    الاستثمارات قصيرة الأجل المشتركة بين القطاعين العام والخاص ضرورية لإدارة التغيير في البداية، وجمع الأدلة، وإثبات جدوى وفائدة الذكاء الاصطناعي في الصحة. هذه الاستثمارات تساعد في بناء البنية التحتية الأساسية والتدريب اللازمين لتبني الذكاء الاصطناعي، ويجب أن تركز على تطبيق حلول متعددة بالتوازي لتحقيق تحول شامل في النظام الصحي، لا مجرد حلول جزئية. فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات شركة Accenture إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر للاقتصاد الصحي الأمريكي حوالي 150 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2026.
    لكن رغم أهميتها، تحمل هذه الاستثمارات مخاطر، مما يستدعي تنويع مصادر التمويل بين القطاعين العام والخاص. كما تمثل مسألة إيجاد نماذج مالية ملائمة تعويض المتبنين الأوائل وتغطية التكاليف المستمرة تحديًا كبيرًا، ويتطلب الأمر تعديل آليات الشراء والتعويض لتتناسب مع اختلاف النظم الصحية والمناطق الجغرافية. الأهم من ذلك، أن التحول ليس مجرد تطبيق تقني بل يتعلق بإعادة صياغة طرق العمل، وذلك عبر إزالة القيود الإجرائية وتوفير القدرات المناسبة من خلال التدريب والشراكات التي تسرّع من عمليات التقييم والابتكار.

  • تأمين التمويل طويل الأجل المبني على السوق
    تهدف هذه المرحلة إلى دعم الاستثمارات المستدامة وتوسيع نطاق الحلول، لضمان استمرار التأثير الإيجابي على الاقتصادات المحلية. ويتطلب ذلك تطوير نموذج تكلفة جديد يوضح كيفية تخصيص الموارد وتحديد المسؤوليات المالية لكل مرحلة من مراحل تطوير السوق، خصوصًا لدعم المبتكرين الأوائل وفرق البحث. يجب أن يغطي هذا النموذج التكاليف المرتبطة بالبحث والتطوير والتنفيذ والتوسع لضمان مسار مالي واضح ومستدام.
    تشير الدراسات إلى أن الدول التي استثمرت في تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحة حققت عائدًا على الاستثمار بنسبة تتراوح بين 10-15% سنويًا خلال خمس سنوات، بالإضافة إلى إمكانية توفير يصل إلى 10% من إجمالي الإنفاق الصحي.
    بعد مرحلة إثبات القيمة وإدارة التغيير، يجب أن يعتمد التمويل طويل الأجل على مبادئ السوق التقليدية، مع وضع آليات فعالة للتعويض لضمان تحفيز مزودي الخدمات والمطورين على الاستمرار في تحسين الحلول، مما يدعم الابتكار والكفاءة التشغيلية على المدى الطويل.

أهمية مجموعات بيانات التدريب متعددة الأنماط
واحدة من النقاط الجوهرية التي غالبًا ما يتم تجاهلها هي الحاجة إلى مجموعات بيانات تدريبية شاملة ومتنوعة (متعددة الأنماط)، والتي تُعد ضرورية للعديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. توفر هذه البيانات فرصة كبيرة للحكومات لتحقيق عوائد مالية أو المشاركة في حقوق الملكية الفكرية الجديدة، لكن نماذج الأعمال القائمة على ذلك، التي تديرها جهات التمويل الحكومية، تنطوي على مخاطر يجب معالجتها لضمان تحقيق العوائد المرجوة.
كما أن دمج مفاهيم تقييم تقنيات الصحة (HTA) وأبحاث الاقتصاد الصحي والنتائج (HEOR) يساعد في قياس قيمة وتأثير حلول الذكاء الاصطناعي، مما يضمن تبرير الاستثمارات ويحقق فوائد طويلة الأمد. وهناك حاجة إلى توحيد معايير تقييم تقنيات الصحة عبر الدول لتحقيق تكامل عالمي.

ضمان العدالة والشمول في استثمارات الذكاء الاصطناعي الصحية
يجب تصميم استراتيجيات الاستثمار بحيث تضمن العدالة في جميع مراحل سلسلة القيمة الصحية، بدءًا من تطوير الحلول وحتى تقديمها. يتضمن ذلك منع تفاقم الفوارق القائمة ودعم مبادرات الإنتاج المحلي، كما تؤكد على ذلك مؤسسات مثل منتدى مجموعة العشرين، ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها من الهيئات، عبر تأسيس شبكات محلية للبحث والتطوير والتحقق من تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحة.

ضعف التنسيق في تطبيق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة

توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل واسع في الصحة يتطلب تنسيقًا فعالًا بين الحكومات المركزية والجهات المحلية الفاعلة. الذكاء الاصطناعي يتيح فرصة مميزة لإعادة تصميم أنظمة العمل الصحي، مع الاستفادة من التجارب السابقة وإدخال ابتكارات جديدة. لتحقيق ذلك، يجب على الحكومات أن تتحلى بالخبرة والقيادة لوضع رؤية واضحة وجذابة للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، وتحديد خطة تحويل واضحة لتنفيذ هذه الرؤية.

غالبًا ما يركز التعامل التقليدي مع التغيير على المستويات التشغيلية أو قرارات الإدارة، بينما يجب أن يرتكز التغيير المدفوع بالذكاء الاصطناعي على الطلب الفعلي، مع مراعاة آراء المستخدمين النهائيين مثل المرضى والمجتمعات، بالإضافة إلى مدخلات الجهات الممولة وصانعي السياسات. هذا الأسلوب المزدوج يضمن أن تكون الحلول مناسبة ومستدامة وقابلة للتوسع، مما يحد من التشتت في الجهود.

بتوحيد هذه الرؤى المختلفة، يمكن دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل ضمن أنظمة الصحة لتلبية الاحتياجات الواقعية، وزيادة فرص اعتماده ونجاحه. كما يلزم إطلاق حملات توعية لتعزيز فهم الجمهور لفوائد الذكاء الاصطناعي في تحسين الرعاية الصحية، وتشجيع التغيرات السلوكية اللازمة، خاصة عندما تتأثر نقاط الدخول الرقمية للخدمات الصحية التي تسمح للمرضى بالحصول على الرعاية دون الحاجة إلى زيارة الطبيب.

ستنجح جهود إدارة التغيير بشكل أكبر إذا قادها وحرّكها فاعلون محليون يملكون الخبرة والدعم. في بعض البلدان، يعتمد قطاع الصحة الرقمية على نموذج الدفع نظراً لضعف الطلب البنيوي، لذلك يصبح دور هؤلاء الفاعلين المحليين حاسمًا لضمان تبني التكنولوجيا وانتشارها.

مثال على ذلك، مبادرة الذكاء الاصطناعي لمكافحة مرض السل في الهند، التي ساعدت باستخدام تطبيقات ذكية على زيادة نسب الكشف المبكر في المناطق الريفية بنسبة 16%، مما يبرهن على أهمية الدور المحلي في تحسين النتائج الصحية في المناطق النائية. ومع ذلك، لا بد من وجود طلب حقيقي من صانعي القرار المحليين، مما يؤكد ضرورة التعاون المتكامل بين الحكومة الوطنية والفاعلين المحليين لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة.

مثال آخر هو قاعدة بيانات التصوير الطبي الوطنية لكوفيد-19 في المملكة المتحدة، التي أنشأها نظام الصحة الوطني خلال الجائحة، حيث جمعت أكثر من 40,000 صورة طبية من مختلف أنحاء البلاد لدعم تطوير أدوات ذكية للتشخيص المبكر. وبفضل التنسيق اللامركزي، تمكنت مستشفيات NHS والجامعات والشركات من التعاون لإنتاج حلول ذكية محلية تسهم في التعرف السريع على الحالات الحرجة وتحسين تخصيص موارد العناية المركزة.

يستلزم تجاوز هذه التحديات وضمان مكانة الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية اتباع نهج استراتيجي متوازن يجمع بين الضغوط السياسية قصيرة الأجل ومتطلبات الاستدامة المالية والابتكار على المدى البعيد.
وعلى الرغم من توفر الحلول، فإن تحقيق النجاح يعتمد بشكل كبير على وجود قيادة تتفاعل بفعالية مع القرارات التقنية الجوهرية اللازمة لدمج الذكاء الاصطناعي. وغالبًا ما يميل القادة إلى تفويض هذه القرارات للخبراء الفنيين فقط، مما قد يؤدي إلى وجود أنظمة متفرقة وغير متكاملة.
ومن أجل ضمان اعتماد الذكاء الاصطناعي بطريقة استراتيجية ومستدامة، يجب على القيادة أن تلعب دورًا نشطًا في صياغة البيئة التقنية وتوجيه عملية الدمج بشكل متقن وفعّال.

3.2 عدم توافق القرارات التقنية مع الأهداف الاستراتيجية

عادةً ما تقع القرارات التقنية ضمن اختصاص الخبراء الفنيين، ويميل القادة إلى تجنب التورط في هذه الأمور التقنية. إلا أن هذا النمط يشكل خطراً كبيراً، حيث أن بعض القرارات التقنية قد تحد أو تعيق القدرة على تحقيق الرؤية الاستراتيجية المنشودة.

على مر التاريخ، وبسبب الأنظمة القديمة، والقيود المستمرة على الميزانيات، وقلة حجم القوى العاملة التي تستلزم اعتماد استراتيجيات لتحسين الإنتاجية والفعالية، تطورت أنظمة الصحة عبر سلسلة من المناقصات المستقلة وعمليات الشراء التي تركز على التكلفة، دون وجود رؤية استراتيجية شاملة فعلية. أدى هذا إلى بنية تحتية متفرقة وغير متناسقة حتى داخل المؤسسة الواحدة، وهو ما نراه غالباً في المستشفيات. للتقدم إلى ما بعد هذا التطور العشوائي، هناك حاجة ماسة إلى رؤية معمارية واضحة وطويلة الأمد.

يجب أن تتضمن هذه الرؤية دمج الاحتياجات الصحية ضمن استراتيجيات أوسع للبنية التحتية الرقمية العامة (DPI)، لضمان ألا يحاول الأطراف المعنية «إعادة اختراع العجلة»، وأيضاً لتأمين وصول عادل ومتساوٍ إلى الحلول الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

في الواقع، إن الفجوة المستمرة في الوصول إلى الحلول الصحية الرقمية بسبب ضعف البنية التحتية الرقمية العامة تزيد من تعقيد هذه المشكلة. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد التركيز على مجموعات بيانات شاملة تشمل المحددات الاجتماعية للصحة (SDOH) في معالجة الانحيازات ومشكلات الخصوصية في أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما أن تعزيز المبادرات المحلية للإنتاج وضمان أن تعكس مجموعات البيانات السياقات المحلية يمكن أن يساهم في تقليل الفجوة الرقمية ودعم تطبيق الحلول الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المناطق المحرومة.

من خلال إدارة الأنظمة القديمة ودمجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة، يمكن لأنظمة الصحة دعم تبني الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى التخلي عن البنية التحتية الموجودة ذات القيمة. هذا النهج الشامل يضمن تلبية الاحتياجات الصحية ضمن استراتيجية رقمية أوسع، مع تعزيز العدالة والكفاءة في نشر الذكاء الاصطناعي. ولا يمكن لأنظمة الصحة استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية لتقديم رعاية شاملة وعادلة إلا من خلال الجمع بين التخطيط المعماري المتعمد وتعزيز الثقافة الرقمية.

تظل قضية عدم المساواة المستمرة في الوصول إلى الحلول الصحية الرقمية بسبب ضعف البنية التحتية الرقمية العامة من التحديات الكبرى. ويجب أن تظل العدالة محور مبادرات الذكاء الاصطناعي في الصحة، مع تركيز الجهود على ضمان أن تزيد أدوات الذكاء الاصطناعي من فرص الوصول لمن هم في أشد الحاجة، مما يقلص الفجوة بين الفئات السكانية التي تتمتع بخدمات صحية عالية الجودة وتلك التي تفتقر إليها.

الجدول 2 يلخص النقاط والاستراتيجيات الرئيسية المتعلقة بالعدالة في مبادرات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، مصنفة ضمن فئتين رئيسيتين: ملكية البيانات والوصول إليها، والسلع العامة والبنية التحتية الرقمية. كل فئة تعالج جوانب مختلفة من التحديات لضمان الوصول العادل والاستخدام الفعّال لتقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي.

من الأمثلة الناجحة في معالجة قضايا ملكية البيانات والفجوات في البنية التحتية الرقمية، نظام الصحة الوطني في المملكة المتحدة (NHS) وقطاع الصحة في إسرائيل. ففي المملكة المتحدة، يقوم الـNHS بتجميع بيانات القطاعين العام والخاص لتعزيز الشفافية وعمليات القياس والمقارنة. أما في إسرائيل، فقد لعب نظام إدارة البيانات المركزي دورًا حاسمًا في نجاح حملة التطعيم ضد كوفيد-19، حيث تمكنت إسرائيل بحلول أوائل يناير 2021 من تطعيم أكثر من 14% من سكانها، متجاوزة بذلك دولًا أكبر وأكثر ثراءً. تُظهر هذه الأمثلة أن الإدارة الفعالة للبيانات ودمج الاحتياجات الصحية ضمن بنية تحتية رقمية أوسع أمران ضروريان لتحقيق نجاحات صحية على نطاق واسع. فمثل هذا الدمج لا يعزز الشفافية والكفاءة فحسب، بل يضمن أيضًا استعداد أنظمة الصحة للاستجابة بسرعة وفعالية للتحديات الصحية العامة مثل الجوائح.

محدودية الثقافة الرقمية تعيق القادة وصناع القرار

لا يمكن التقليل من أهمية الثقافة الرقمية بين الجهات الفاعلة الرئيسية. فالذكاء الاصطناعي مجال جديد نسبيًا، والعديد من صناع القرار لم تتح لهم الفرصة لاكتساب خبرة كافية فيه. يؤدي نقص المعرفة الأساسية حول الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء التقدم، وقد يثير مخاوف اجتماعية، ويسبب أخطاء تنظيمية، ويؤدي إلى تردد في الشروع في تبني الذكاء الاصطناعي.

لردم هذه الفجوة، هناك حاجة ملحة لبرامج تطوير مهارات شاملة. يجب على القادة فهم الأهداف الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى المبادئ الرقمية الأساسية التي يقوم عليها. من الضروري تحديد الحد الأدنى من المعرفة المطلوبة لاتخاذ قرارات واعية بشأن الذكاء الاصطناعي. ضمان وجود فهم مشترك بين جميع الأطراف المعنية سيُسهل المناقشات ويعزز استراتيجيات التنفيذ الفعّالة.

كما أن تمكين صناع القرار ومستخدمي الذكاء الاصطناعي بالأساليب المناسبة لفحص حلول الذكاء الاصطناعي — مثل تتبع مؤشرات الأداء الرئيسية والنتائج السريرية — سيساعدهم على فهم قيمة الذكاء الاصطناعي وبناء الثقة تجاهه.


الجدول 2: العدالة في مبادرات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة

التحدياتفجوة في ملكية البيانات/الوصول إليهافجوة في البنية التحتية الرقمية العامة (DPI)
المسألة الأساسيةيمكن للتقنيات الرقمية أن تكون أدوات مساواة، لكنها قد تزيد الفوارق إذا لم تُدار بحذر.نهج شامل للبنية التحتية الرقمية ضروري لسد الفجوة الرقمية وضمان وصول عادل إلى حلول الذكاء الاصطناعي في الصحة.
التخفيف الشامل (العام)الحاجة إلى أولوية وتوزيع الموارد الحاسوبية بشكل فعال، بما في ذلك الاستثمار في بنية تحتية سحابية تدعم الحوسبة عالية الأداء والتخزين الموسع.ضمان وصول عادل إلى الموارد الحاسوبية أمر أساسي لتمكين الاستخدام الواسع والعادل لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
 الانتقال إلى نظام صحي مفتوح حيث تُشارك البيانات للمنفعة العامة يتطلب نهجًا عابرًا للدول مع تنظيمات ومعايير موحدة للبيانات تُفرض من قبل الحكومات. 
التخفيف الخاص (المحدد)تشجيع الملكية المحلية ونقل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المناطق الممثلة تمثيلاً ناقصًا ضروري لضمان استفادة عالمية مشتركة ولمنع الابتكار السريع من التسبب في ملكية بيانات غير متساوية وتعميق التفاوتات.مجموعات بيانات شاملة تشمل محددات اجتماعية للصحة (SDOH) تساعد في معالجة التحيز والخصوصية والدقة والجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
 أولوية الإنتاج المحلي وملكية البنية التحتية الرقمية يدعمان العدالة الرقمية.مجموعات بيانات محلية مُتحكم بها ولكن مرتبطة عالميًا، وبيئة اختبار آمنة (sandbox) لنماذج الذكاء الاصطناعي، ضرورية لتسهيل التعاون العالمي مع الحفاظ على خصوصية البيانات.
  أولوية الهويات الرقمية والوصول إلى الإنترنت للمعزولين، مع توفير موارد حوسبة وتخزين عبر الإنترنت، يدعم العدالة الرقمية.
  ضرورة التحقق من صحة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على بيانات محلية لضمان دقة الخدمات وملاءمتها وانعكاسها للسياق المحلي؛ ما يبني الثقة ويضمن تدريب النماذج على بيانات تمثل فعليًا السكان المحليين.
  قد لا يوفر قطاع الصحة وحده الحجم الكافي لبنية تحتية رقمية فعالة، ويجب اعتباره حاجة خدمية واحدة ضمن استراتيجية أوسع للبنية التحتية الرقمية.

بالطبع، إلى جانب تدريب صانعي القرار، من المهم أيضًا مساعدة المرضى، والمهنيين الصحيين، ومقدمي الرعاية على فهم الذكاء الاصطناعي، وذلك لتعزيز الثقة وتشجيع تبني الأدوات الرقمية الصحية العامة. هناك اعتقاد شائع بأن الذكاء الاصطناعي موجود ليحل محل البشر، لذا فإن بناء الثقة يتطلب توضيح أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن العاملين في الرعاية الصحية، بل هو مكمل لهم. غالبًا ما ينظر الأطباء إلى الذكاء الاصطناعي كمنافس وليس كأداة مساعدة، مما يستدعي تركيزًا أكبر على التعليم. ولن يتمكن الذكاء الاصطناعي من تحقيق إمكاناته الكاملة في الصحة إلا من خلال معالجة هذا القلق لتعزيز الثقة بين مقدمي الرعاية. كما أن توعية الجمهور العام بفوائد وأهداف الحلول الصحية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى زيادة القبول واستخدام أكثر فعالية لهذه التقنيات.

فهم تداعيات القرارات التقنية أمر بالغ الأهمية
عندما يواجه القادة تعقيدات اتخاذ القرارات التقنية الاستراتيجية في مجال الرعاية الصحية، تكون عواقب الانسحاب أو عدم المشاركة عميقة، حيث تؤدي إلى أنظمة متفرقة وفرص ضائعة لتحقيق دمج متماسك للذكاء الاصطناعي. معالجة هذه التحديات لا تقتصر فقط على اتخاذ قرارات مستنيرة، بل تشمل أيضًا سد الفجوات في البنية التحتية الرقمية المحلية والمعرفة الرقمية بين صانعي القرار. هذه الأسس ضرورية لبناء الثقة والأُطر التنظيمية التي تدعم التنفيذ الناجح للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الطريق أمامنا مليء بالعقبات، لا سيما في التنقل ضمن المشهد المتجزئ والمتغير لتنظيم الذكاء الاصطناعي، الذي يشكل تحديات كبيرة لبناء الثقة وضمان النشر الآمن والفعّال لتقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة.

3.3 ضعف مستوى الثقة في الذكاء الاصطناعي بسبب التشتت في الأطر التنظيمية والحوكمية

ضمان شفافية ومساءلة الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة وتنفيذ أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة بأمان وفعالية. ونظرًا للمقاومة الطبيعية للتغيير، بما في ذلك الجمود والمحافظة التي تسود المجال الطبي، يصبح وضع أُطر تنظيمية شفافة ضرورة ملحة.

يشمل ذلك تطوير نهج تنظيمي دقيق يتماشى مع التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث إن التنظيم التقليدي بنمط ""مقاس واحد يناسب الجميع"" غير كافٍ للتعامل مع الطبيعة المتنوعة والمتغيرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. لذا، فإن إنشاء أُطر تنظيمية قابلة للتكيف تتناول الخصائص المحددة لمختلف تقنيات الذكاء الاصطناعي يعد أمرًا حيويًا.

كما أن توحيد سياسات تبادل البيانات عبر الحدود يسهل التعاون العالمي مع الحفاظ على الأمن والخصوصية، وهو أمر ضروري لاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

يبقى الإشراف البشري على أنظمة الذكاء الاصطناعي ذا أهمية قصوى للحفاظ على الثقة والكفاءة والمعايير الأخلاقية. حيث تؤكد منظمة الصحة العالمية على أن ""مبدأ الاستقلالية يتطلب ألا يُقلل استخدام الذكاء الاصطناعي أو الأنظمة الحسابية الأخرى من استقلالية الإنسان. وفي سياق الرعاية الصحية، يعني ذلك وجوب بقاء الإنسان مسيطراً على أنظمة الرعاية الصحية والقرارات الطبية.""

ونظرًا لتعقيدات الذكاء الاصطناعي، وخاصة الذكاء الاصطناعي التوليدي (genAI)، فإن مشاركة الإنسان ضرورية للتحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي ودعم عملية اتخاذ القرار. وإذا تم تأسيس ثقافة من الثقة والتعاون تضمن سلامة وموثوقية وقبول أنظمة الذكاء الاصطناعي من قبل جميع الأطراف المعنية، يمكن حينها دمج الذكاء الاصطناعي بفعالية في تقديم الخدمات الصحية.

التنظيمات المجزأة والقديمة التي تعيق ابتكار الذكاء الاصطناعي
تواجه الصحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المدى القصير أربعة تحديات تنظيمية رئيسية. أولاً، هناك مشهد تنظيمي مجزأ يتسم بوجود انقسام بين الدول التي تفرض قوانين صارمة وتلك التي لا تملك تنظيماً واضحاً. ثانياً، يُعزى تباطؤ الابتكار إلى غموض القوانين وعدم مواكبتها للتطور السريع في مجال الذكاء الاصطناعي. ثالثاً، تستخدم اللوائح حالياً نهجًا موحدًا ينطبق على جميع أنواع البرمجيات والذكاء الاصطناعي، وهو نهج قد لا يكون مناسباً تمامًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية (genAI). وأخيراً، يمثل غياب قواعد واضحة لمشاركة البيانات عائقًا أمام تطوير وتنظيم الذكاء الاصطناعي.

تتسع الفجوة بين الدول الرائدة في تنظيم الذكاء الاصطناعي وتلك التي تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة للمشاركة في هذا المجال الجديد. لذلك، يعد إشراك الجمهور والإرادة السياسية أمرين حاسمين؛ ففي الولايات المتحدة، كان أمر تنفيذي صدر عام 2023 بشأن التنمية الآمنة والموثوقة للذكاء الاصطناعي دافعًا مهمًا للتقدم.

دعم الاقتصادات الناشئة وتبني نهج تنظيمي محلي أو إقليمي يمكن أن يسهم في تقليل أوجه عدم المساواة، ويجب أن يشكل ذلك جزءًا من الأولويات التنموية الدولية والوطنية.

غالبًا ما يكون بطء التشريعات ناتجًا عن الاعتقاد بضرورة اكتمال تطوير الذكاء الاصطناعي قبل البدء في تطبيقه، مع فرض تنظيمات طموحة للتقليل من المخاطر. هذه الفكرة غير فعالة في جوهرها لسببين: أولاً، لأنها لا تستغل جميع الأدوات المتاحة للحد من المخاطر، وثانياً لأنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتعلقة بتنظيم والتحكم في الذكاء الاصطناعي.

فيما يخص النقطة الأولى، يجب أن يشمل تخفيف مخاطر الذكاء الاصطناعي مجموعة كاملة من الأدوات، حيث توفر الإرشادات والمعايير مرونة أكبر مقارنة بالقوانين الصارمة، كما أنها تساهم في تحقيق التوازن المناسب بين الفوائد والمخاطر. تخصيص المزيد من الموارد والتمويل لدعم الإرشادات والمعايير المبكرة قد يساعد النظام البيئي على تجنب تنظيمات مبكرة قد تعيق الابتكار.

فيما يتعلق بالنقطة الثانية، يجب الاعتراف بأن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تتطلب نهجًا جديدًا لتوسيع قدرات التحقق والتقييم. يمكن تحقيق ذلك من خلال تفويض عملية التحقق، تحت إشراف الجهات التنظيمية والحكومات، لتشمل ليس فقط الهيئات الحكومية بل أيضًا المنظمات غير الربحية ومقدمي الرعاية والقطاع الخاص. على عكس وتيرة تطوير الأدوية والأجهزة الطبية التي تكون أبطأ، فإن برمجيات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة كبيرة، والقدرات العامة وحدها لا يمكنها مواكبة هذا التطور. لذلك، هناك حاجة إلى طرق جديدة للاختبار والتحقق، وتلعب خبرات القطاع الخاص دورًا حيويًا في تطوير هذه الطرق. وعلى الرغم من أن القطاع الخاص لا يمكنه تنظيم الذكاء الاصطناعي مباشرة، إلا أن تعاونه يساهم في ضمان أن تكون الأطر التنظيمية الجديدة مبنية على فهم عملي ومرن يكفي لمواكبة التقدم التكنولوجي.

لكن القطاع الخاص يشكل منظومة متنوعة، حيث تكون المؤسسات الكبيرة أكثر قدرة على تخصيص موارد للمشاركة في مناقشات وضع الإرشادات والمعايير. وقد يعاني العالم الأكاديمي من نقص الموارد مماثل لما يعانيه القطاع الخاص الصغير والمتوسط. لهذا السبب، يُعتبر تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك الشراكات الممولة التي تعرفها الهيئة الوطنية الأمريكية للمعايير (ANSI)، ضروريًا من أجل الاستدامة طويلة الأمد، بالإضافة إلى إشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأكاديميين في تصميم وتنفيذ المعايير والإرشادات والتنظيمات في المستقبل.

تبدو المبادرات التعاونية أيضًا واعدة، مثل تحالف الذكاء الاصطناعي في الصحة (CHAI)، الذي يجمع مجموعة متنوعة من الجهات المعنية لدفع تطوير وتقييم الاستخدام المناسب للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد طور CHAI إطارًا لشهادات الاعتماد يهدف إلى إنشاء شبكة من مختبرات ضمان الجودة التي تقوم بتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجال الصحي.

عادةً ما تتبع تنظيمات الذكاء الاصطناعي نهجًا موحدًا يفتقر إلى المرونة اللازمة للتعامل مع طبيعة هذه التقنيات المتنوعة والسريعة التطور. تتطلب طبيعة الذكاء الاصطناعي التوليدي (genAI)، التي تعتمد على عدم الحتمية وقد تتطور مع جمع البيانات أثناء الاستخدام، أطرًا تنظيمية أكثر مرونة ودقة مقارنةً بالذكاء الاصطناعي التقليدي. تعاني الأطر التنظيمية الحالية من صعوبة التكيف مع هذه التقنيات لأن الطرق التقليدية غير مجهزة للتعامل مع تعقيداتها وسرعة تطورها. تتطلب الخصائص والمخاطر الفريدة للذكاء الاصطناعي التوليدي إطارًا تنظيميًا قادرًا على التكيف والاستشراف المستقبلي، لضمان مواكبة اللوائح للتقدم التكنولوجي. يمكن التركيز بشكل أكبر على مراقبة ما بعد السوق كوسيلة لاكتشاف المخاطر الجديدة مبكرًا، ومعالجة الأخطاء والتحيزات، والتكيف بشكل مستمر.

أخيرًا، يعيق الحمائية في مجال البيانات الابتكار ويحد من إمكانات تقدم الذكاء الاصطناعي. فهي تقيد القدرة على تطوير ذكاء اصطناعي قوي باستخدام مجموعات بيانات غير متحيزة والتحقق من صحة أدوات الذكاء الاصطناعي في السياقات المحلية. من أجل تسهيل التبني والتطوير العالميين، من الضروري ضمان تقارب نماذج البيانات ومعايير التبادل، مثل استخدام مجموعات بيانات محليّة التحكم لكنها مرتبطة عالميًا في شكل اتحادات بيانات. تمكن هذه المجموعات من تطوير وتقييم حلول الذكاء الاصطناعي لمجموعات سكانية محلية مختلفة، مما يعزز الدقة والسلامة مع الحفاظ على الخصوصية.

صعوبة بناء الثقة في نظام بيئي معقد

أظهرت دراسة عالمية أن 44% من المشاركين أعربوا عن استعدادهم للثقة في الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الصحية، وهو ما يعكس تفاؤلاً حذراً تجاه فوائده المحتملة، مصحوباً بمخاوف حول كيفية تطبيقه ورقابته. وتدعم هذه النظرة الحذرة بيانات أخرى، مثل ثقة 67% من القادة الصحيين في الولايات المتحدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي لمعالجة السجلات الطبية بحلول عام 2020، مقارنة بـ54% في 2018. مع ذلك، تبقى قبول الذكاء الاصطناعي في أنظمة الصحة معرضًا للخطر بسبب المخاوف الأوسع حول المعلومات المضللة وجودة المعلومات الصحية.

وتظهر هذه المشاعر جلياً في مواقف المستهلكين من الذكاء الاصطناعي في دول مختلفة، حيث عبر أكثر من 40% من الأشخاص في الولايات المتحدة وسويسرا والمملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا عن قلقهم، في حين تقل هذه النسبة إلى أقل من 20% في الصين والهند وتايلاند والسعودية وإندونيسيا والمكسيك.

لبناء الثقة في الذكاء الاصطناعي في الصحة، يجب بذل جهود مركزة على الصعيدين التنظيمي والتجاري. الشفافية تشكل حجر الأساس في هذا المسعى؛ إذ يجب على الجهات التنظيمية ضمان الانفتاح والتواصل الواضح والكشف الكامل عن الحقائق المهمة حول تقنيات الذكاء الاصطناعي لتخفيف مخاوف الجمهور. كما أكدت منظمة الصحة العالمية على ضرورة ""تبسيط عملية الرقابة على تنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال […] المشاركة والتعاون بين الأطراف الرئيسية"".

تكمن أهمية النزاهة أيضًا في ضرورة تطبيق القوانين التي تضمن الصدق والسلوك الأخلاقي المستمر، والتأكد من توافق الأفعال مع الأهداف المعلنة. كما يلعب الإشراف البشري دورًا حاسمًا، خصوصًا مع تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ظاهرة ""الهلوسة"" (hallucinations). يبقى من الضروري استمرار مشاركة البشر في التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي ودعم اتخاذ القرار للحفاظ على الثقة والكفاءة. علاوة على ذلك، يجب تجنب تجسيم الذكاء الاصطناعي (anthropomorphization) لأن ذلك يخلق لبسًا بين تصورات القدرات والقيود الحقيقية للتقنية. الإنسان يجب أن يبقى مسؤولًا لضمان الثقة، وحماية الفعالية، ومعالجة المشكلات المحتملة.

يمكن لسفراء الذكاء الاصطناعي أن يلعبوا دورًا مهمًا في توصيل فوائد وحدود منتجات الذكاء الاصطناعي، مما يساعد في بناء استراتيجية واضحة للثقة والشفافية.

من ناحية العمل، يعد إظهار النزاهة والكفاءة والإمكانات أمرًا أساسيًا. على الشركات أن تثبت امتلاكها للخبرة لبناء تقنيات ذكاء اصطناعي موثوقة تحقق الوعود وتنتج نتائج ملموسة. فمثلاً، أظهر مسح أجرته شركة BCG في أبريل 2024 أن 20% من أطباء القلب لا يستخدمون الأدوات الرقمية بسبب نقص الرؤية الكافية لدعم اتخاذ القرار السريري الشامل، مما يؤكد حاجة الشركات لضمان أن تلبي حلول الذكاء الاصطناعي لديهم المعايير العالية المطلوبة من قبل المهنيين الصحيين.

تعني الموثوقية الأداء المتسق والاعتمادية التي تفي بالتوقعات والالتزامات. كما يجب على الشركات إظهار حسن النية – أي العناية الحقيقية بمصالح ورفاهية الآخرين. بالتصرف وفقًا لمصلحة المرضى ومقدمي الخدمات والأطراف المعنية الأخرى، يمكن للشركات تعزيز العلاقات الإيجابية وبناء الثقة. وأخيرًا، تعد القيم المشتركة بين الشركات والأطراف المعنية ضرورية، فالتفاهم المتبادل والاتفاق على المبادئ الأساسية يوفران قاعدة صلبة للتعاون وقبول تقنيات الذكاء الاصطناعي.

نجاح تبني الذكاء الاصطناعي يعتمد على ثقة متينة وتنظيم مرن

لتحقيق تقدم فعّال للذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة، يجب خلق توازن بين بناء الثقة، وتعزيز التعاون، وتوفير إطار تنظيمي مرن. من المهم وضع قوانين وأنظمة قابلة للتكيف مع سرعة تطور التقنية، مع وجود إشراف بشري مستمر وشفافية كاملة لطمأنة الجمهور وزيادة الثقة في الذكاء الاصطناعي.

كذلك، يلعب كل من الجهات الحكومية والخاصة دورًا في تطوير معايير مرنة تواكب التغيرات، بالإضافة إلى دعم تبادل البيانات مع الحفاظ على الخصوصية، وتشجيع نماذج أعمال تدعم الاستدامة. بهذه الطريقة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة موثوقة لتحسين صحة الناس في العالم بأسره.

4. الاستراتيجية: ست دعوات للعمل لتعزيز خلق القيمة

في الخطوات الست الموضحة في هذا القسم، يُطلب من القادة التعاون في بناء وتشكيل منظومة مستدامة لتعزيز التأثير الإيجابي للذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية وزيادة الثقة فيه.

التحديات الثلاثة الرئيسية الموضحة في القسم 3 مترابطة في دائرة مفرغة: المشكلات التقنية وقلة الثقة تمنع القادة من المخاطرة برأس المال السياسي في الذكاء الاصطناعي، والقادة حالياً يركزون على أولويات أخرى ولا يشاركون في القرارات الاستراتيجية التقنية لتوسيع تأثير الذكاء الاصطناعي أو إعطاء أولوية لبناء الثقة.
إحدى الطرق لكسر هذه الدائرة هي تغيير سلوك القادة تجاه الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية.

1- من الحلم بالاختراقات إلى تحقيق الفوائد القريبة التي تسرع الرؤية طويلة الأمد
الذكاء الاصطناعي في الصحة مجال معقد وغير متجانس: تركز تطبيقات الذكاء الاصطناعي التشغيلية على الإنتاجية والعمليات مثل إدارة سلسلة التوريد، دون التأثير المباشر على المرضى، بينما التطبيقات السريرية تغير بشكل جذري طريقة تقديم الرعاية الصحية.
ينبغي للقادة في القطاع العام أن يبدأوا بالتطبيقات التشغيلية للذكاء الاصطناعي والعمل مع القطاع الخاص لضمان أن العائد على الاستثمار قابل للقياس في فترة قصيرة.
يمكن الاستفادة من تجارب صناعات أخرى التي تحفز القادة “على الأرض” للبدء بمشاريع صغيرة، والتعلم والتحرك بمرونة، مع ضمان تحقيق النتائج، بما في ذلك تتبع مؤشرات الأداء الرئيسية المسؤولة للذكاء الاصطناعي.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي التشغيلية يمكن أن تقلل أعباء العاملين في الرعاية وتحسن كفاءة الأنظمة الصحية، مما يخلق قيمة قصيرة الأجل تبني زخماً إيجابياً للاستثمارات طويلة الأمد وتُهيئ المشهد لتحولات أعمق.

2- من تقدم القطاع الخاص للتقنية بشكل مستقل إلى منظومات مشتركة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق أهداف ومنافع مشتركة
في التطبيقات الطبية، المشهد يعاني من نقص في تحديد الأولويات المتفق عليها، وعدم وجود توافق على القيمة المحتملة، وعدم وضوح في كيفية تقاسم القيمة، والأهم، غياب العائد على الاستثمار قصير الأجل.
الطريق الصحيح هو أن يتفق القادة في القطاعين العام والخاص على الأولويات، ويفهموا فرص ومخاطر التطبيقات الطبية للذكاء الاصطناعي، ويتفقوا على كيفية تقاسم القيمة.
هذه الاستراتيجية شائعة في مجالات أخرى مثل الدفاع، وينبغي على قادة الصحة تبنيها كذلك.
خصوصاً في التحول السريري على نطاق واسع، حيث يجب على الفاعلين العامين والخاصين التعاون بشكل وثيق، والاتفاق على أهداف مشتركة، وإنشاء آليات واضحة لتقاسم القيمة، مع الاعتراف بأن هذا يختلف حسب السياقات السياسية والاقتصادية.
رغم أن هذه العملية ستستغرق وقتاً، فإنها تساعد النظام البيئي على تجنب استثمارات قد يصعب توسيعها لاحقاً بسبب متطلبات غير ملباة مثل التعويضات.

3- من التنافس على البنى التحتية إلى الفوز في تقديم الخدمات
التنافس على البنى التحتية شديد ويشتت جهود الفاعلين العامين والخاصين، مما يزيد فجوة التمويل الكبيرة في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
يجب على القادة إعطاء الأولوية للأسس المشتركة، خاصة البنية التحتية الرقمية العامة، عند اتخاذ القرارات التقنية.
ينبغي للقادة في القطاع العام اعتبار هذه الاستثمارات أساسية للمستقبل ودمجها في رؤيتهم لأسباب:

  1. تشجيع التعاون على البنية التحتية يدفع القطاع الخاص للتميز في الخدمات، مما يعزز سوقاً تنافسية تركز على عروض ذات قيمة عالية. هذا التعاون يزيد الكفاءة والعدالة، ويسرع التنفيذ، ويخفض التكاليف، ويوسع الوصول.

  2. دعم التمويل المختلط للبنية التحتية الذكية ضروري: بين 2018 و2023، نما الاستثمار الخاص في البنية التحتية بمقدار 700 مليار دولار بمعدل 18% سنوياً، متجاوزاً عمليات الشراء التقليدية. يمكن للمستثمرين الخاصين سد فجوة التمويل وضمان الوصول العادل إلى الموارد الرقمية، ولكن فقط إذا أعطى القادة هذا الأمر أولوية في أجندتهم.

4- من قادة ذوي نوايا حسنة إلى قادة يتخذون قرارات تقنية مسؤولة
غالبًا ما يُحيل القادة الصحيون، في القطاعين العام والخاص، القرارات التقنية إلى الخبراء، ولكن ينبغي على الرؤساء التنفيذيين والأطباء تعزيز مهاراتهم التقنية والمشاركة في هذه القرارات، مع تبنّي درجة صحية من الشك. من خلال تحدي الأفكار التقنية، يمكن للقادة الصحيين ضمان التوافق مع الطموحات التي يسعون لتحقيقها.
على سبيل المثال، قابلية التشغيل البيني (interoperability) نادرًا ما تُدرج كمتطلب في السجلات الصحية الإلكترونية العامة، رغم أنها قضية تثير قلق صانعي السياسات.
وبما أن العاملين في القطاع الصحي هم قادة محوريون في تبنّي الذكاء الاصطناعي ونجاحه على نطاق واسع، فإن بناء القدرات أمر حاسم – مثل تضمين الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم الطبي من مرحلة مبكرة.
وفي المستقبل، سيكون فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده ومخاطره مهارة أساسية للرؤساء التنفيذيين وغيرهم من القادة الصحيين – وليس فقط لمسؤولي التقنية – مما يمكنهم من اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم رؤيتهم الأوسع.

5- من انتظار الإرشادات إلى بناء الثقة بشكل استباقي
الشكوك وقلة الثقة تُبطئ من توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي في الصحة، ورغم أن التنظيم غالبًا ما يُنظر إليه كحل، لا ينبغي على القادة الاعتماد عليه كعلاج شامل، خاصة إذا أدى إلى تنظيم مفرط وقيود زائدة.
قد يؤدي التنظيم المبكر إلى خنق الابتكار، وهناك إجماع واسع على أن التنظيم الفعّال سيتأخر عن التقدم التكنولوجي.
ومع دخول القطاع عصر الذكاء الاصطناعي الصحي، لا يمكن للقادة أن يفترضوا أن الأنظمة التنظيمية الحالية ستحمي المرضى بالكامل، بما في ذلك في مسائل الخصوصية والأمن السيبراني والاعتبارات الأخلاقية.
بدلاً من ذلك، يجب أن يعتمدوا نهجًا مرحليًا ومرنًا يتناسب مع حجم المخاطر. لذلك، ينبغي لهم إشراك مؤسساتهم بشكل استباقي في تعزيز الرقابة بعد طرح المنتجات (post-market surveillance) لرصد أي مؤشرات مبكرة للمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بأقصى سرعة وشفافية.
كما يجدر بالمؤسسات النظر في إنشاء لجان أخلاقيات متخصصة بالذكاء الاصطناعي، ومبادئ إرشادية على غرار لجان أخلاقيات علم الأحياء (bioethics) في الرعاية الصحية، لضمان اتخاذ قرارات أخلاقية مدروسة تستند إلى معطيات واضحة ويمكنها الصمود أمام اختبار الزمن.
يمكن للقادة أن يبدأوا في بناء الثقة حتى قبل وجود تنظيم رسمي، من خلال توجيه مؤسساتهم لضمان تطور الإرشادات والمعايير الحالية وتكيّفها مع الواقع الجديد.

6- من البيانات المتفرقة إلى التكامل المتعمد
لا يزال الوصول إلى البيانات مصدر قلق كبير، يقلل من الثقة ومن أداء الذكاء الاصطناعي على حد سواء.
قد تكون مجموعات البيانات متحيزة، وليست جميع البيانات متاحة، مما يعزز الانطباع بأن بعض الجهات تعيق غيرها عن الابتكار، ما قد يُعيق نمو الذكاء الاصطناعي وإمكاناته.
لتجاوز هذه التحديات وضمان الوصول العادل إلى بيانات عالية الجودة كأساس مشترك للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي (انظر النقطة 3)، يجب على القادة الدعوة إلى إنشاء مجموعات بيانات مترابطة عالميًا ولكن تخضع لرقابة محلية، بما في ذلك بيانات طبية موسعة مثل المعلومات السنية والبيانات الاجتماعية والاقتصادية.
هذا النهج لا يحفظ الملكية المحلية وحماية البيانات فحسب، بل يعزز التعاون أيضًا، مما يضمن ازدهار الابتكار عالميًا مع الاستجابة للاحتياجات والاعتبارات الخاصة بكل منطقة.
مثل هذا التوجه من شأنه أن يسرّع تحقيق النقطة الأولى من خلال نماذج تبادل بيانات مشتركة وهياكل تقنية أساسية.

الخاتمة
يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون قوة ثورية تعيد تشكيل مستقبل الرعاية الصحية عالميًا، من خلال تعزيز فعالية العلاجات، ودعم المتخصصين لتقديم رعاية أفضل للمرضى.

إذا نجح الذكاء الاصطناعي في جذب اهتمام صانعي السياسات، وإذا توافقت القرارات التقنية بشكل أفضل مع الأهداف الاستراتيجية، وإذا تمكنت التنظيمات المشتركة من تعزيز الثقة العامة، فإن الآثار الإيجابية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية قد تكون استثنائية.
من خلال تبنّي التحولات الستة الحاسمة في السلوك التي حددها هذا التقرير، يمكن للقادة تسريع أثر الذكاء الاصطناعي، وتمهيد الطريق نحو عالم أكثر صحة وعدالة.

تشترك هذه التحولات الستة في مطلب أساسي: تعاون جديد بين قادة الصحة في القطاعين العام والخاص، يركّز على بناء منظومة مستدامة للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. ويجب على جميع الأطراف المعنية تجنّب التشتت والعمل معًا بأسلوب يتمحور حول الإنسان لخلق قيمة جديدة.
وقد أثبتت الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) بالفعل جدواها في مجالات أخرى، ويجب توسيع هذا النهج ليشمل تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامه.

يواجه القادة في القطاع العام مهمة شاقة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي في الصحة: فهو يحمل إمكانات هائلة لتحويل حياة المواطنين جذريًا، لكنه أيضًا ينطوي على تحديات غير مسبوقة.
ولذلك، يجب عليهم الاستفادة من خبرات وإبداع وموارد القطاع الخاص من خلال الانخراط في شراكات بين القطاعين العام والخاص. كما ينبغي على الشركات الخاصة أن تشارك بفعالية في هذه الشراكات لتعظيم الأثر الاجتماعي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحة، وتمكين تحوّل عميق ومستدام في الرعاية الصحية.

المصدر: WEF The Future of AI Enabled Health 2025

مقالات ذات صلة