مع التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية وتأثيرها العميق على سلوك الإنسان ووظائف المجتمع، نشأ فرع جديد من علم الاجتماع يُعرف بـ""علم الاجتماع الرقمي""، الذي يدرس الآليات التي تتفاعل من خلالها التكنولوجيا الرقمية مع البيئة الاجتماعية. شهد هذا المجال نموًا سريعًا وأصبح محط اهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية. يقدم هذا المقال لمحة موجزة عن علم الاجتماع الرقمي، ويستعرض التقدم البحثي في ستة مجالات رئيسية تشمل: اقتصاد العمل والإنتاج، السياسة الرقمية والسلطة، العلاقات والتفاعلات الاجتماعية، الجسد والذات، عدم المساواة الاجتماعية، والابتكار المنهجي. كما يجري المقال مقارنة بين بحوث علم الاجتماع الرقمي في الصين ونظيراتها في الغرب، موضحًا أن التطور الرقمي السريع في الصين يمثل فرصة استثنائية لهذا المجال، ويمنحه إمكانات واعدة للنمو والازدهار في السياق الصيني.
مقدمة
في عام 2009، قدّم جوناثان وين مصطلح ""علم الاجتماع الرقمي"" رسميًا في مقال نُشر بمجلة Sociological Forum، مستعرضًا تجربته في استخدام التكنولوجيا الرقمية في البحث والتدريس بمجال علم الاجتماع، ومشيرًا إلى التحديات الجديدة التي تفرضها هذه التكنولوجيا على فهم الظواهر الاجتماعية. منذ ذلك الحين، شهدت التكنولوجيا الرقمية تسارعًا هائلًا على مستوى العالم، مما ساهم في انتقال المجتمعات إلى العصر الرقمي. ورافق هذا التطور توسع علم الاجتماع الرقمي، الذي شهد ابتكارات نظرية ومنهجية تجاوزت مفاهيمه الأولية. تهدف هذه المقالة إلى تقديم لمحة شاملة عن علم الاجتماع الرقمي، واستعراض أهم إنجازاته في الغرب ضمن ستة محاور رئيسية، مع مقارنة بحوث الصين بهذا المجال لتقديم مرجعية تساهم في تعزيز تطور علم الاجتماع الرقمي في السياق الصيني.
ما هو علم الاجتماع الرقمي؟
التقنيات الرقمية والمجتمع الرقمي
نشأت التقنيات الرقمية مع تطوّر الحواسيب الحديثة وظهور الشبكة العالمية (الويب). ومن خلال المكونات المادية (أجهزة الحاسوب)، والبرمجيات (البرامج التي تُعطي تعليمات التشغيل للحواسيب)، والبنية التحتية التي تدعم كليهما، أصبحت أشكال المعلومات التقليدية تُحوَّل إلى رموز رقمية ثنائية (0 و1) يمكن للحواسيب التعرف عليها، ثم تخزينها ومعالجتها ونشرها. ويُعدّ ميلاد التكنولوجيا الرقمية وتطورها محطة مفصلية في تاريخ التقنية، إذ أحدثت تأثيرًا عميقًا في المجتمعات البشرية.
تنبأ عالم الحاسوب مارك وايزر (1991) بأن البشرية ستدخل عصر ""الحوسبة المنتشرة""، حيث تتغلغل التكنولوجيا الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية لدرجة تجعل وجودها غير ملحوظ. كما أشار نيغروبونتي (1995) إلى أن جميع وسائل الإعلام ستتحول بسرعة إلى الشكل الرقمي، وأن الحواسيب ستكون قادرة على التعرف على الوجوه والأصوات والتفاعل بذكاء مع المستخدمين. هذه التنبؤات، التي بدت خيالًا علميًا في وقتها، تحققت واحدة تلو الأخرى خلال الثلاثين عامًا الماضية، وأصبحت مشاهدها مألوفة في حياتنا اليومية.
ومع التسارع الهائل في تطور التكنولوجيا الرقمية، دخلت البشرية عصرًا جديدًا يُعرف بـ""المجتمع الرقمي"". فبحلول نهاية عام 2021، بلغ تغطية الشبكات المحمولة 95٪ من سكان العالم، منها 88٪ مغطاة بشبكات الجيل الرابع (4G) وفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU). ويستخدم الناس على نطاق واسع أجهزة رقمية مثل الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والساعات الذكية للوصول إلى المعلومات، والتواصل، والتسوق، والترفيه، والمشاركة في الحياة العامة عبر التطبيقات. لم تُعد التكنولوجيا الرقمية تعيد تشكيل ملامح الحياة الاجتماعية فحسب، بل أدت أيضًا إلى تحولات اجتماعية عميقة.
يرى هيلبينغ (2021) أنه بينما ننشغل بهواتفنا الذكية، يتغير العالم من حولنا بهدوء؛ فالتكنولوجيا الرقمية لا تعيد تشكيل الخطاب والمؤسسات البشرية فقط، بل تُعيد تشكيل العالم بأسره. ويتفق علماء الاجتماع في الصين مع هذا الرأي، إذ يشير تسي تشيو (2022) إلى أن المجتمع الرقمي يخترق تقسيم العمل والهياكل التنظيمية التقليدية من خلال الترابط الشبكي، ويجعل من الفرد عقدة أساسية في شبكة رقمية، مما يؤدي إلى تشكّل نمط اجتماعي جديد يكون فيه الفرد وحدة مستقلة. كما أن العلاقة بين الفرد والمجتمع، ومنطق التمايز الاجتماعي، والمبادئ الأساسية لتشغيل المجتمع، جميعها تمر بتحولات عميقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التعايش بين انفجار المعلومات و""فقاعات المعلومات""، وشمولية الفضاء الإلكتروني مقابل استقطاب الخطاب، وتلاشي التسلسل الهرمي مقابل اتساع الفجوات الاجتماعية، كلها ظواهر أثارت الكثير من الانتباه (وانغ 2021).
وفي مواجهة هذه التحولات والتحديات الجديدة التي أفرزتها التكنولوجيا الرقمية، ظهرت الحاجة إلى بحوث اجتماعية معمّقة، ومن هذا السياق نشأ علم الاجتماع الرقمي.
نطاق علم الاجتماع الرقمي
طُرح مفهوم ""علم الاجتماع الرقمي"" رسميًا في عام 2009، ومنذ ذلك الحين بدأ يكتسب اعترافًا تدريجيًا في الأوساط الأكاديمية الدولية. وخلال ما يزيد قليلًا عن عقد من الزمان، شهد هذا الفرع الجديد تطورًا ونموًا سريعين، مع نشر عدد من الأعمال المتخصصة، مما ساهم بشكل كبير في توسيع دائرة المهتمين به. وفي الوقت نفسه، بدأت الجمعيات الاجتماعية في مختلف الدول بتأسيس فروع بحثية تُعنى بعلم الاجتماع الرقمي، كما شرعت العديد من الجامعات في تقديم برامج دراسات عليا ومقررات أكاديمية مرتبطة بهذا المجال.
وبينما تتشكّل تدريجيًا شبكة أكاديمية عالمية في مجال علم الاجتماع الرقمي، تتزايد أيضًا البحوث المنشورة في هذا الحقل عامًا بعد عام (انظر الشكل 1). ومنذ نشأته، أعاد علم الاجتماع الرقمي إشعال خيال علماء الاجتماع تجاه العديد من القضايا، كما قدّم منظورًا جديدًا لفهم التحول الرقمي الذي يشهده المجتمع البشري، والعلاقات المتغيرة بين الفرد والمجتمع في العالم الرقمي.
رغم الانتشار الواسع لاعتماد مفهوم ""علم الاجتماع الرقمي"" واهتمام الباحثين به، لا يزال هناك غياب لفهم موحّد لهذا المفهوم داخل الأوساط الأكاديمية، وتستمر النقاشات حول قضيتين محوريتين: أولًا، ما إذا كان ينبغي فهم علم الاجتماع الرقمي بوصفه ثورة شاملة في علم الاجتماع في العصر الرقمي، أم باعتباره فرعًا جديدًا من فروع البحث الاجتماعي؛ وثانيًا، كيفية تحديد نطاق البحث في علم الاجتماع الرقمي.
فيما يتعلق بالقضية الأولى، هناك رأيان رئيسيان. يُشير الرأي الأول إلى أنه إذا أراد علم الاجتماع أن يظل فاعلًا في القرن الحادي والعشرين، فعليه أن يمتلك قدرة تفسيرية نظرية للتحول الرقمي والثورة الرقمية. وبما أن عملية الرقمنة تمسّ العديد من مجالات البحث الاجتماعي، فيجب على كل مجال الاستجابة لها. وبهذا المعنى، لا ينبغي اعتبار علم الاجتماع الرقمي مجالًا موحدًا بأجندة واحدة، بل ينبغي الحديث عنه بصيغة الجمع: ""علوم الاجتماع الرقمية"" (Gregory وآخرون، 2017). ويؤكد Selwyn (2019) أن علم الاجتماع الرقمي نشأ من التقليد البحثي لعلم الاجتماع، لكنه في الوقت نفسه يتيح فرصة للانتقال من إرث الثورة الصناعية نحو فهم المجتمع المعاصر. وقد لا يكون هناك ما يُسمى ""علم الاجتماع الرقمي"" بعد عشرين عامًا، لأن جميع مكونات علم الاجتماع ستكون رقمية بطبيعتها حينها.
أما الرأي الثاني، فيرى أن علم الاجتماع الرقمي هو فرع من فروع علم الاجتماع (Lupton، 2015). إذ يقدم منظورًا لفهم المجتمع، لكنه لا يمثل كل علم الاجتماع في العصر الرقمي. وبشكل مماثل، فإن كل ظاهرة اجتماعية تتضمن عوامل بيئية، لكن لا ينبغي بالضرورة التركيز عليها في كل دراسة اجتماعية (Marres، 2017).
وعلى الرغم من الجدل حول نطاق علم الاجتماع الرقمي، إلا أن معظم الباحثين يتفقون على جوهره الأساسي، والمتمثل في الاهتمام بكيفية تشكيل التكنولوجيا الرقمية للهياكل الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية، وكيف تؤثر البيئة الاجتماعية في تطوير التكنولوجيا الرقمية وتطبيقها (Orton-Johnson وPrior، 2013؛ Lupton، 2015؛ Marres، 2017؛ Selwyn، 2019؛ Fussey وRoth، 2020). وبالإضافة إلى العلاقة الثنائية بين التكنولوجيا الرقمية والمجتمع، يشير بعض الباحثين إلى أن علم الاجتماع الرقمي يشمل أيضًا العلاقة الثلاثية بين التكنولوجيا الرقمية والمجتمع وإنتاج المعرفة (Marres، 2017). فالتكنولوجيا الرقمية لا تُشكّل الحياة الاجتماعية وعمليات إنتاج المعرفة فحسب، بل إن طابعها التفاعلي وانتشارها الواسع يتيح إمكانية الربط الفعّال بين التحليل الأكاديمي والتدخل المجتمعي، بما يفتح آفاقًا جديدة للتفاعل بين هذه العناصر الثلاثة (Marres، 2017). ويُولي علم الاجتماع الرقمي اهتمامًا خاصًا بهذه الإمكانية، كما يعكس بشكل نقدي عملية إنتاج المعرفة الخاصة به (Lupton، 2015).
ويذهب بعض الباحثين إلى أن علم الاجتماع الرقمي يشمل نطاقًا بحثيًا أوسع، كدراسة منطق تشغيل تدفقات البيانات والمعلومات ذاتها، وطرق إدارتها واستخدامها (Webster، 2013). كما يرى بعضهم أن علم الاجتماع الرقمي لا يُفهم فقط كموضوع للدراسة، بل يمكن استخدامه أيضًا كأداة بحثية ومنصة للتفاعل مع الجمهور (Lupton، 2015).
لا تزال هذه القضايا موضع نقاش أكاديمي، ولم يُتوصل بعد إلى إجماع واضح بشأنها. وفيما يخص القضية الأولى، يميل هذا المقال إلى اعتبار علم الاجتماع الرقمي فرعًا جديدًا من فروع علم الاجتماع؛ إذ لا يُعد البحث ""رقميًا"" إلا إذا ركّز على التكنولوجيا الرقمية أو الظواهر الاجتماعية المرتبطة بها. وبشأن القضية الثانية، يستند المقال إلى تحديد علم الاجتماع الرقمي من خلال المجالات البحثية الأساسية التي حظيت باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية.
وبالاستناد إلى ما سبق، يعرّف المقال علم الاجتماع الرقمي كما يلي:
علم الاجتماع الرقمي هو فرع من فروع علم الاجتماع يستخدم المنظور والمنهجية السوسيولوجية لدراسة تطور التكنولوجيا الرقمية وتطبيقاتها، ويركّز على تأثير هذه التكنولوجيا في السلوك البشري وعمل المجتمع، ويفحص الآليات التي تتفاعل من خلالها التكنولوجيا الرقمية مع البيئة الاجتماعية وتتشكّل بها.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التعريف يعكس المرحلة الحالية من تطور علم الاجتماع الرقمي، وقد يتغير مع توسّع نطاقه البحثي وتطوره المستقبلي. وفيما يلي، ووفقًا لهذا التعريف، يستعرض المقال ستة محاور رئيسية لعلم الاجتماع الرقمي في الغرب، مع مقارنتها بالاتجاهات البحثية في علم الاجتماع الرقمي في الصين.
الموضوعات البحثية الستة الرئيسية في علم الاجتماع الرقمي في الغرب
الاقتصاد العمالي والإنتاج
منذ نشأته، انشغل علم الاجتماع بتحليل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الإنتاج الآلي واسع النطاق. وقدّم المنظرون الكلاسيكيون، وعلى رأسهم ماركس، تحليلاً معمقًا لتأثيرات الابتكار التكنولوجي على عمليات العمل وعلاقات الإنتاج، مما فتح الباب أمام اهتمام دائم من علماء الاجتماع بقضايا العمل. وفي العصر الرقمي الحالي، تُستخدم التكنولوجيا الرقمية على نطاق واسع في أنشطة الإنتاج، ما يؤدي إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي، بالتوازي مع إحداث تغييرات جوهرية في بنية العمل. وقد تناول علم الاجتماع الرقمي هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسية: الأشكال الاقتصادية الجديدة وأنماط الإنتاج في الصناعات التقليدية المدفوعة بالتكنولوجيا الرقمية، والتحولات في ظروف العمل وتغير علاقات العمل ورأس المال، ومفاهيم ""المنتِج-المستهلك"" (prosumption) وأشكال الاستغلال الجديدة في الاقتصاد الرقمي.
أولًا، أدى الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى نشوء أشكال اقتصادية جديدة. فمع صعود الاقتصاد الرقمي، توسعت صناعات مثل النقل التشاركي، والتجارة الإلكترونية، وتشغيل مقاطع الفيديو القصيرة، لتستوعب أعدادًا كبيرة من القوى العاملة، عبر الإنترنت ومنصات العمل. ويرى بعض الباحثين أن هذا النموذج الاقتصادي يحمل طابعًا تحويليًا (Parker وآخرون، 2016). فبالمقارنة مع النماذج التقليدية، تقلل المنصات الرقمية من تكاليف المعاملات، وتُضعف الحواجز السوقية، وتُنتج بيئة اقتصادية مترابطة من ""الرياديين الصغار"". كما أنها تتيح للأفراد العاديين الاستفادة من الأصول الخاملة وتوليد دخل إضافي عبر هذه المنصات، ما يخلق فرصًا للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في دخول سوق العمل (Sundararajan، 2017).
كما أدت التكنولوجيا الرقمية إلى تحول في أنماط الإنتاج في قطاعات تقليدية. وتُظهر تحليلات تغطي 32 دولة عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد تهيمن على 14٪ من الوظائف، فيما قد تشهد 32٪ أخرى تغييرات جوهرية. وتشمل هذه الصناعات الزراعة، والنقل، والصناعات التحويلية، وعددًا من قطاعات الخدمات (Nedelkoska وQuintini، 2018). وحتى بعض المهن ذات المهارات التقنية العالية لم تسلم من التأثر. فعلى سبيل المثال، شهدت صناعة الأخبار التقليدية تحولات كبيرة، حيث بدأت بعض المؤسسات الإعلامية باستخدام الخوارزميات لإنتاج الأخبار، واستُبدلت القوى العاملة البشرية ببرمجيات قادرة على توليد تقارير رياضية ومالية تلقائيًا (Cohen، 2015). كما ساهمت التكنولوجيا الرقمية في خفض الحواجز أمام دخول مجال الإعلام، وأصبح الجمهور يشارك بشكل متزايد في إنتاج الأخبار، مما يحفز الصحفيين على التعاون مع الجمهور والاقتباس من مصادر متعددة (Wheatley، 2020).
ثانيًا، أدى تطور الاقتصاد الرقمي إلى تغييرات عميقة في ظروف عمل العمال. فقد أصبح التوظيف المرن والعمل القائم على المهام نماذج جديدة للعمل، ما وفر مرونة أكبر لكنه في المقابل زاد من هشاشة أوضاع العاملين (Duffy، 2020؛ Kalleberg وVallas، 2018؛ Vallas وSchor، 2020). كما قد تؤدي المنافسة بين المنصات، وحروب الأسعار، وزيادة حجم المعاملات إلى تدهور بيئة العمل، وتخفيض حقوق العمال من خلال عقود مؤقتة (Schor وAttwood-Charles، 2017). ووجد Wood وآخرون (2019a) أن المنصات تستخدم خوارزميات للمكافأة والعقاب وتتيح للمستهلكين تقييم العمال، ما يفرض ضغطًا عليهم للعمل لساعات طويلة، والتعرض للحرمان من النوم، والإرهاق. ومع ذلك، يشير بعض الباحثين إلى أن هذا التوصيف مبسط، ولا يعكس الفوارق بين العمال والمنصات. فعلى سبيل المثال، يتمتع العمال الذين يستخدمون المنصات كمصدر دخل إضافي بمزيد من الحرية والأجر المرتفع، بينما يعاني من يعتمدون عليها كمصدر رئيسي من ضعف الاستقرار والرضا الوظيفي (Schor وآخرون، 2020).
علاوة على ذلك، ساهمت التكنولوجيا الرقمية في إعادة تشكيل العلاقة بين العمل ورأس المال. فقد قللت المنصات من تكلفة استبدال العمال، عبر تفكيك العمل إلى أجزاء صغيرة، ما أضعف الدافع لحمايتهم وتركهم في وضع هش (Wood وآخرون 2019ب). وأدى هذا إلى مزيد من العزلة بين عمال المنصات، مما صعّب تكوين أشكال من التضامن والعمل الجماعي (Gray وSuri 2019). ورغم ذلك، تُظهر بعض الدراسات أن العمال لا يزالون يعبّرون عن استيائهم ويطورون أساليب لمقاومة سيطرة المنصة (Tassinari وMaccarrone 2020). وعندما تتداخل السيطرة التكنولوجية مع السيطرة القانونية والتنظيمية، تتفاقم المظالم ويزداد الزخم نحو العمل الجماعي (Lei 2021).
ثالثًا، أفرز مفهوم ""المنتج-المستهلك"" (prosumption) أشكالًا جديدة وأكثر خفاءً من الاستغلال. ففي الاقتصاد الرقمي، يتحول المستخدمون تدريجيًا من مجرد مستهلكين أو منتجين إلى منتجين-مستهلكين يساهمون، دون تعويض، في خلق المحتوى وتحقيق أرباح ضخمة للمنصات الرقمية (Ritzer وآخرون 2012). وبعضهم، مثل ""المؤثرين"" و""المشاهير الصغار""، يعرضون حياتهم الشخصية باستمرار ويعملون على تسليع ذواتهم، مما يدفعهم لتحمل أعباء غير مرئية من العمل، مثل الجهد العاطفي (Abidin 2017؛ Raun 2018). ومن منظور Fuchs (2014)، يُعد نشاط المستخدمين ""عملاً رقميًا"" شبيهًا بالعمل المنزلي، يتم خلال أوقات الفراغ ويولد فائض قيمة كبير، لكنه غالبًا لا يُعترف به كعمل حقيقي ولا يُكافأ ماليًا. وبهذا، لا يقتصر الاستغلال على مظاهره الواضحة في الاقتصاد الرقمي، بل يمتد ليأخذ أشكالًا أكثر خفاءً وتعقيدًا.
السياسة الرقمية والسلطة
تناول علم الاجتماع الكلاسيكي مسألة السلطة بشكل موسّع، وقدّم تصنيفات مختلفة لمصادرها، من السلطة التقليدية إلى القانونية والعقلانية، وصولًا إلى السلطة الكاريزمية. ومع التحولات التكنولوجية، تطورت أشكال السلطة واتسعت أدواتها. في العصر الرقمي، لم تعد السلطة حكرًا على الدولة أو النخب السياسية، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية أداة جديدة تُمارَس من خلالها السلطة، ويتشكل عبرها الفضاء السياسي والاجتماعي. وقد أولى علم الاجتماع الرقمي اهتمامًا خاصًا بكيفية استخدام السلطة الرقمية في الحوكمة، وضبط الأفراد، وتوزيع الموارد، وكذلك بكيفية مقاومة هذه السلطة أو إعادة تشكيلها من خلال المشاركة الشعبية.
أولًا، في المجال السياسي، غيّرت التكنولوجيا الرقمية من أساليب الحكم والإدارة. فالدول أصبحت تعتمد على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الإلكترونية في إدارة شؤونها، ما أدى إلى صعود نمط جديد من الحوكمة يُعرف بـ ""الحوكمة الرقمية"". وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذه الحوكمة ليست محايدة، بل تؤسس لسلطة خفية تُمارس من خلال أنظمة التصنيف، والتقييم، والمراقبة (van Dijck وآخرون، 2018). ومن خلال البنى التحتية الرقمية، يمكن للدولة أو المؤسسات الكبرى أن تراقب سلوك الأفراد، وتضبطه، بل وتوجهه، سواء عبر الخوارزميات أو من خلال تصاميم المنصات نفسها.
كما أن الاستخدام المتزايد للتقنيات مثل التعرف على الوجه، والتعقب الجغرافي، وتحليل البيانات، قد وسّع من قدرات السلطة على التدخل في الحياة الخاصة والعامة للأفراد. ويطرح ذلك تساؤلات أخلاقية وسياسية حول حدود هذه السلطة، ومتى تصبح أدوات الحوكمة الرقمية تهديدًا للحرية الفردية والخصوصية. وقد جادل Foucault في نظريته حول ""السلطة الانضباطية"" بأن السلطة الحديثة لا تعتمد فقط على القمع، بل تمارس من خلال المراقبة والتنظيم الدقيق لحياة الأفراد، وهو ما يبدو اليوم جليًا في كيفية استخدام البيانات والتكنولوجيا لمراقبة السلوك وتنميطه.
ثانيًا، أعادت التكنولوجيا الرقمية تشكيل العلاقة بين المواطنين والدولة. فمن ناحية، منحت المنصات الرقمية الأفراد أدوات جديدة للتعبير والمشاركة، مثل الوسوم (hashtags)، والعرائض الإلكترونية، وحملات التأثير على مواقع التواصل. ومن ناحية أخرى، أصبحت هذه المنصات نفسها أدوات للرقابة والتضليل، حيث يمكن استخدامها لنشر الدعاية السياسية، أو التحكم في الرأي العام من خلال الخوارزميات التي تروّج لمحتوى معين وتحجب آخر (Tufekci، 2015).
وعلى سبيل المثال، أظهرت دراسات عديدة كيف استُخدمت المنصات الاجتماعية في تنظيم الاحتجاجات والحركات الاجتماعية، مثل ""الربيع العربي"" أو ""حركة احتلوا وول ستريت""، حيث أتاحت للأفراد تجاوز الإعلام الرسمي، وبناء شبكات تضامن ونشر بدائل سياسية. إلا أن نفس هذه المنصات قد تكون أيضًا ساحة لتفكيك الحركات، أو حرفها عن مسارها، إما من خلال التضليل المتعمد، أو من خلال التأثير غير المقصود لأنظمة التصنيف والترتيب التي تضعها الشركات المالكة للمنصات.
ثالثًا، تطرح التكنولوجيا الرقمية سؤالًا مهمًا حول توزيع السلطة بين البشر والآلات. فمع ازدياد الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات – في التوظيف، والتعليم، والعدالة الجنائية، وتوزيع الموارد – يصبح من المهم التساؤل: من يملك القرار فعلًا؟ هل هو الإنسان، أم النظام الآلي الذي صُمم ليُحاكي سلوك الإنسان، لكنه يُستَخدم في بيئة تختلف عن البيئة التي دُرّب عليها؟ تشير بحوث مثل O'Neil (2016) في أسلحة الدمار الرياضي (Weapons of Math Destruction) إلى أن بعض الخوارزميات قد تُكرّس التمييز، وتعزز عدم المساواة، نتيجة لعدم شفافيتها أو انحياز البيانات التي بُنيت عليها.
إجمالًا، يُظهر علم الاجتماع الرقمي أن السلطة في العصر الرقمي أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا: فهي موزعة بين الدولة، والشركات، والمنصات، والخوارزميات، والمستخدمين أنفسهم. وهذه السلطة ليست ثابتة، بل يعاد تشكيلها باستمرار من خلال الممارسات اليومية، والاختيارات التقنية، والصراعات السياسية.
العلاقات والتفاعلات الاجتماعية
لطالما كان دراسة العلاقات والتفاعلات الاجتماعية محور اهتمام علماء الاجتماع. وفقًا لجورج زيميل (2002)، يحتاج علم الاجتماع إلى دراسة التأثير المتبادل بين الناس للإجابة عن سؤال ""كيف يكون المجتمع ممكنًا"". أدى الاستخدام الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى تغيير نمط التفاعل بين الأفراد وبناء العلاقات الاجتماعية، مما ساهم في تشكيل مجتمعات إلكترونية وأتاح إمكانيات جديدة لتشكيل الهوية والوعي الجماعي.
أولًا، أدت انتشار التكنولوجيا الرقمية إلى تغيير طريقة بناء التفاعلات بين الأشخاص والعلاقات الاجتماعية. تعتمد التفاعلات التقليدية على التواصل وجهًا لوجه، لكن التقدم التكنولوجي طمس الحدود بين ""الحضور"" و""الغياب"" في التفاعلات. يمكن للأشخاص المشاركة في تفاعلات ""حاضرة"" دون وجود جسدي فعلي. هذا النوع من التفاعل والتواصل الوسيط بالتكنولوجيا يشكل ما يُسمى بـ ""العلاقات المتصلة"" (Licoppe 2004). وفقًا لوائجمان (2015)، تحافظ هذه التفاعلات على الروابط بين المستخدمين والأصدقاء والعائلة وتوسع بناء العلاقات الاجتماعية. من ناحية أخرى، تعبر توركل (2011) عن قلقها من أن التفاعلات التي تتم عبر التكنولوجيا الرقمية تزيد من الاتصال المتكرر بين الناس، لكن العلاقات الشخصية قد تصبح سطحية، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالوحدة رغم وجود روابط أكثر كثافة. رغم اختلاف وجهتي النظر، إلا أنهما تتفقان على أن الوسائط الرقمية تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية (Baym 2015).
في الوقت نفسه، تآكلت الحدود بين أنواع العلاقات الاجتماعية المختلفة بفعل التفاعلات التي تتجاوز الزمان والمكان. تبقي التكنولوجيا الرقمية الناس متصلين بالإنترنت باستمرار، مما يطمس الفاصل بين العمل والحياة، ويتطلب من الأفراد القيام بعدة مهام في الوقت نفسه، وبالتالي تحمل ضغوط نفسية إضافية (Tammelin 2018). توسع وسائل التواصل الاجتماعي من رؤية الحياة اليومية للمستخدمين. قد لا يرغب الناس في جعل التفاعلات بين الأصدقاء عامة، لكن منصات التواصل الاجتماعي تعقد الأمر (Boyd 2010). في الوقت ذاته، تسهم نقرات المشاركة والمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي في ردم الفجوة بين الحياة الخاصة والعامة (Boccia Artieri وآخرون 2021). يشير فان مانن (2010) إلى هذه الظاهرة بأنها ""خصخصة العلني وعلمنة الخاص""، معتبراً أن الأجهزة المحمولة والمنصات الاجتماعية قد تغير تجارب الشباب فيما يتعلق بالخصوصية، السرية، العزلة، والحميمية.
ثانيًا، تدفع التكنولوجيا الرقمية إلى تشكيل المجتمعات الإلكترونية. في هذه المجتمعات، تتسم هويات المستخدمين بالمزيد من التخصيص، وتكون شعورهم بالانتماء متغيرًا وأكثر تنوعًا. يمكن للمجتمعات الإلكترونية أيضًا تعزيز الشبكات غير المتصلة بالإنترنت ودعم استمرار العلاقات (Robards وBennett 2011). مع ذلك، توفر وسائل التواصل الاجتماعي أرضًا خصبة لخطاب التطرف. الرؤية التقليدية تقول إن وسائل التواصل الاجتماعي تضخم ""تأثير غرفة الصدى"" عبر دفع المحتوى الذي يحبه المستخدمون، مما يعزز تحيزاتهم ضمن تيار معلومات متجانس (Pariser 2011). أظهرت تجارب حديثة لـ Bail وآخرين (2018) أن كسر ""غرفة الصدى الإعلامية"" لا يؤدي إلى مصالحة المواقف المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، وجد Bail (2021) أن المتطرفين ذوي المواقف المتشابهة يشكلون مجموعات صغيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويخلقون شعورًا بالانتماء عبر التواصل والدعم والهجوم على الخصوم معًا، مما يؤدي إلى زيادة التطرف لديهم.
أخيرًا، توفر التكنولوجيا الرقمية إمكانيات جديدة لتشكيل الهوية والوعي الجماعي. أظهرت الأبحاث أن المهاجرين في الخارج يستخدمون التكنولوجيا الرقمية لبناء روابط، ومشاركة المعلومات، والحفاظ على الثقافة، وإيجاد شعور بالانتماء، ما يحافظ على الروابط العاطفية والهوية الجماعية بما يتجاوز النطاق المكاني لوطنهم (Ponzanesi 2020). كما يخلق الناس فضاءات رقمية تذكارية لتحويل الذكريات القديمة إلى شكل رقمي وإعادة بناء الذاكرة والهوية الجماعية (Recuber 2021). بالإضافة إلى ذلك، تساعد التكنولوجيا الرقمية في خلق ما يسمى بـ ""النشوة الجماعية"". لم يعد التجمع الجسدي ضروريًا، إذ يمكن توليد التوافق الروحي عبر الموضوعات التفاعلية والرأي العام الرقمي (Gong 2015). يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي جمع التعبيرات العاطفية للأفراد من خلال علامات الموضوعات (Lorenzana 2018). تمكّن لحظات النشوة الجماعية في الفضاء الرقمي الناس من تجاوز وجودهم المتجزئ ليصبحوا رموزًا للصلة بين الفرد والمجتمع في عصر الرقمية.
الجسد والذات في الفضاء الرقمي
يُعَدّ الجسد والذات من الموضوعات الكلاسيكية في علم الاجتماع، حيث يُنظر إليهما بوصفهما نتاجًا لتفاعلات اجتماعية وموقعًا لتجليات السلطة والهوية. ومع دخولنا العصر الرقمي، باتت العلاقة بين الجسد والذات أكثر تعقيدًا وتشعبًا، إذ أخذت تتداخل مع تقنيات التتبع والمراقبة والتمثيل الرمزي. ويُسلّط علم الاجتماع الرقمي الضوء على بُعدين رئيسيين في هذا السياق: كمّيّة الذات وتَجسيدها رقميًا، وبناء الهوية عبر الصور الرمزية في البيئات الافتراضية.
أولًا، نشهد اليوم بروز مفهوم ""إنترنت الأجساد"" (Internet of Bodies)، الذي يمثل تطورًا نوعيًا لمفهوم ""إنترنت الأشياء"". فبينما كانت الأجهزة القابلة للارتداء – مثل الساعات الذكية وأجهزة تتبع اللياقة – تمثّل المرحلة الأولى، أصبحنا الآن أمام أجهزة قابلة للزرع في الجسد أو التفاعل المباشر مع الدماغ، بما في ذلك الخيوط الجراحية الذكية والرقائق الحيوية. تُنتج هذه الأجهزة كميات هائلة من البيانات الحسية والفيزيولوجية، مما يُعيد تعريف الجسد ككيان يمكن مراقبته وتحليله وإعادة تشكيله تكنولوجيًا (El-Khoury & Arikan، 2021؛ Matwyshyn، 2019).
وقد أدى هذا التحول إلى انتشار ممارسات ""المراقبة الذاتية"" و""الكمّنة الذاتية"" (self-quantification)، حيث يستخدم الأفراد أدوات رقمية لقياس وتتبع مؤشرات أجسادهم – مثل النوم، والمزاج، والنشاط البدني – في مسعى لفهم ذواتهم والتحكم بها. تُعرف هذه الممارسة بمفهوم ""الذات المحسوبة"" (quantified self)، وهي لا تُنتج مجرد معرفة جديدة بالذات، بل تُمارس بوصفها نوعًا من التأديب الذاتي، حيث تصبح القيم العددية والتقييمات الرقمية أكثر شرعية من التجربة الذاتية المباشرة (Lupton، 2016؛ Brubaker، 2020؛ Berry وآخرون، 2021). وهكذا يُعاد تشكيل مفهوم الذات من خلال عدسة البيانات، ويُعاد إنتاجه وفقًا لمعايير اجتماعية وصحية تُروّج لها الثقافة الرقمية.
ثانيًا، يتناول علم الاجتماع الرقمي الكيفية التي يُبنى بها الجسد والذات من خلال ""الصور الرمزية الرقمية"" (avatars) في البيئات الافتراضية. فالصور الرمزية ليست مجرد تمثيلات بصرية، بل هي تجسيدات رقمية للذات، تتحرك وتتفاعل ضمن عوالم رقمية مثل الألعاب أو مساحات الواقع الافتراضي. ومع تطور تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي، بات بالإمكان نقل الإيماءات، وتعبيرات الوجه، ونبرات الصوت إلى هذه الصور الرمزية في الزمن الحقيقي، مما يمنح المستخدمين شعورًا بالحضور الجسدي ويزيد من مصداقية التفاعلات الافتراضية (Hansen، 2006؛ Aseeri وآخرون، 2020).
لكن هذه التجارب ليست محايدة، بل تترك أثرًا عميقًا في فهم الأفراد لذواتهم. فالفضاء الرقمي يتيح للمستخدمين عرض نسخ معدّلة أو متخيلة من ذواتهم، ما يخلق فجوة بين الذات ""الحقيقية"" والذات ""المثالية"" كما تُعرض على الشاشات (Gálik، 2019). ومع تعاظم تأثير التفاعلات الاجتماعية الرقمية – مثل الإعجابات، والتعليقات، وعدد المتابعين – قد تنشأ ديناميكيات جديدة من القبول أو الإقصاء، مما يدفع الأفراد إلى تعديل هوياتهم بحسب ما يتلقونه من تغذية راجعة رقمية (Deh & Glodovic، 2018). وهكذا، تصبح الذات الرقمية نتاجًا مشتركًا بين الرغبة الشخصية والتفاعل الاجتماعي والمؤثرات التقنية.
في المجمل، لا يُعَدّ الجسد في العصر الرقمي مجرد وعاء بيولوجي، بل يُعاد تشكيله بوصفه كيانًا يمكن مراقبته، وتحسينه، وامتداده في الفضاءات الافتراضية. والذات بدورها لم تعد كيانًا داخليًا مستقرًا، بل أصبحت مشروعًا ديناميكيًا يُبنى من خلال البيانات، والتمثيل الرقمي، والتفاعل الجماعي. يوضح علم الاجتماع الرقمي أن فهمنا للذات والجسد لا يمكن فصله عن البنية التقنية التي تشكّل طريقة عيشنا وتفاعلنا اليوم.
عدم المساواة الاجتماعية
لطالما شكّلت قضايا عدم المساواة محورًا مركزيًا في علم الاجتماع، ويواصل علم الاجتماع الرقمي هذا التقليد من خلال التركيز على سؤالين جوهريين: أولاً، ما دور التكنولوجيا الرقمية في إعادة إنتاج البُنى الاجتماعية القائمة مثل الطبقة والجنس والعرق؟ أي، هل تسهم الرقمنة في تعزيز عدم المساواة، أم في الحدّ منها؟ وثانيًا، هل يؤدي الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية إلى نشوء أنماط جديدة من اللامساواة الاجتماعية؟
فيما يخص السؤال الأول، يرى بعض الباحثين أن الرقمنة تمتلك إمكانات واعدة في تقويض احتكارات المعرفة وتوسيع فرص الوصول إلى الموارد. فعلى سبيل المثال، ساهمت المنصات التعليمية مثل الدورات الإلكترونية المفتوحة (MOOCs) في خفض تكلفة التعليم وزيادة إمكانية الوصول إليه لفئات أوسع من السكان (Bowen 2013). غير أن آخرين يشككون في قدرة الإنترنت على تقليص فجوات اللامساواة فعليًا؛ إذ يُظهر الباحثون أن الأفراد ذوي التحصيل العلمي الأعلى غالبًا ما يمتلكون مهارات رقمية أفضل، ويستخدمون الإنترنت لأغراض اجتماعية استراتيجية، مثل التوظيف والمشاركة السياسية، على عكس الفئات الأخرى التي تقتصر استخداماتها على الترفيه (Hargittai & Hinnant 2008). هذا التباين في الاستخدام يعمّق الفجوات الاجتماعية، ويسهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية السائدة (Hargittai 2018).
إضافة إلى ذلك، قد تُسهم بعض تطبيقات التقنية الرقمية في تعميق التمييز العرقي والجندري بطرق أقل وضوحًا. على سبيل المثال، يُصمم نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أدوات لتحديد الاحتياجات الطبية استنادًا إلى تكلفة الرعاية السابقة، وليس إلى حدة المرض، ما يؤدي إلى تمييز غير مباشر ضد المرضى من الأقليات العرقية (Obermeyer et al. 2019). كما أظهر كل من Lambrecht وTucker (2019) أن الإعلانات الموجهة للرجال في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) تظهر بنسبة أعلى بنسبة 20٪ مقارنة بالنساء، رغم الحفاظ على حياد الجنس في تصميم الإعلانات. يعود هذا إلى ما يُعرف بـ ""تأثير الإزاحة""، حيث تؤدي المنافسة الإعلانية في القطاعات الأخرى التي تستهدف النساء إلى رفع تكلفة الإعلان الموجَّه إليهن، مما يُضعف حضورهن في مجالات معينة إذا ما استُخدمت الخوارزميات بمنطق اقتصادي محض.
أما السؤال الثاني، فيتعلق بالأشكال الجديدة من اللامساواة الناتجة عن التطور الرقمي. في البدايات، ركز الباحثون على ما يُعرف بـ ""الفجوة الرقمية من المستوى الأول""، التي تميز بين من لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت ومن لا يملكونها (Castells 2001). ومع توسّع البنية التحتية الرقمية، تراجع هذا النوع من الفجوات، وظهرت ""الفجوة الرقمية من المستوى الثاني"" التي تُعنى بالفروقات في المهارات الرقمية وأنماط الاستخدام، ثم ""الفجوة الرقمية من المستوى الثالث"" التي تتعلق بالتفاوت في المنافع والنتائج المحصلة من الاستخدام (Hargittai 2001؛ van Dijk 2005؛ Wei et al. 2011).
في ظل هذه الفجوات الرقمية، ظهرت أنماط جديدة من التفاوت الاجتماعي. فقد برزت فئة من الأفراد الذين يتمتعون بمهارات عالية في التقنية الرقمية—مثل مهندسي البرمجيات التنفيذيين—وأُطلق عليهم اسم ""النخبة البرمجية"". وتستمد هذه النخبة قوتها من سيطرتها على أدوات التكنولوجيا، لا من الهياكل المؤسسية التقليدية (Fourcade & Bourdieu 2021). في المقابل، يعاني الأفراد المحرومون من الوصول إلى الأجهزة الرقمية أو من المهارات التقنية من نوع جديد من الفقر يُعرف بـ ""الفقر الرقمي""، والذي يرتبط بمظاهر متعددة من التهميش مثل العزلة وندرة الموارد (Donagi 2021). بل إن بعض الأفراد من طبقات اجتماعية واقتصادية عليا قد يصبحون فئات ضعيفة رقميًا بسبب نقص كفاءتهم في التحقق من المعلومات أو حماية بياناتهم الشخصية (Lee 2018).
ابتكار المنهجيات في علم الاجتماع الرقمي
يواصل علم الاجتماع الرقمي تقاليد البحث السوسيولوجي الكلاسيكية، لكنه يضيف إليها من خلال تطوير مناهج جديدة تتلاءم مع البيئة الرقمية. إذ لا يقتصر دوره على معالجة الإشكاليات النظرية المتعلقة بالتكنولوجيا، بل يمتد ليشمل تجديد الأدوات البحثية وتوسيع مصادر البيانات.
من جهة، يستثمر علم الاجتماع الرقمي البيانات التقليدية المنظمة، مثل استبيانات الرأي والمقابلات المتعمقة، ويُكملها بمصادر بيانات جديدة متاحة بفضل التقنيات الرقمية. تُتيح البيانات الضخمة—مثل النصوص الرقمية، وسجلات الأفعال، والصور، والفيديوهات—فرصًا غير مسبوقة لفهم السلوكيات الفردية والأنماط الاجتماعية الكبرى (Lazer et al. 2009, 2020).
ومن جهة أخرى، يستعين علم الاجتماع الرقمي بمنهجيات تنتمي إلى حقل ""العلوم الاجتماعية الحاسوبية""، كالمحاكاة المعتمدة على النماذج، وتعلم الآلة، وتقنيات تحليل الشبكات، لتطوير البحوث التجريبية. ومع أن هناك تداخلًا بين الحقلين، إلا أنهما يختلفان من حيث المرجعية: فعلم الاجتماع الرقمي يُعدّ فرعًا من علم الاجتماع ويهتم بالسياقات النظرية والاجتماعية، بينما تُركّز العلوم الاجتماعية الحاسوبية على تطوير المنهجية بحد ذاتها (انظر Chen 2022؛ Fan 2020). وبالتالي، فإن أدوات العلوم الاجتماعية الحاسوبية تُثري علم الاجتماع الرقمي، لكنها لا تختصره. توضح الشكل 2 الفرق والترابط بينهما.
يركّز علم الاجتماع الرقمي، إلى جانب تنويع مصادر البيانات، على تطوير أدوات التحليل الكلاسيكية لمواكبة التحولات التي فرضها التفاعل الاجتماعي في الفضاء الرقمي. ومع تزايد حضور الأفراد في البيئات الرقمية، وسّع الباحثون نطاق البحث الميداني ليشمل المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الجديدة، مما أدى إلى ابتكار أساليب بحثية متميزة، من أبرزها ""الإثنوغرافيا الرقمية"" (Murthy 2008).
تُبنى الإثنوغرافيا الرقمية على المبادئ الأساسية للبحث الإثنوغرافي التقليدي، لكنها تتكيّف مع البيئات الشبكية؛ إذ ينخرط الباحثون في مراقبة التفاعلات داخل الفضاءات الرقمية التي ينشط فيها المشاركون، ويُجرون مقابلات عبر الوسائل التقنية المألوفة لهم. وبهذا، يُعامل الفضاء الرقمي بوصفه امتدادًا للعالم الاجتماعي المعيش، لا مجرد وسيط تقني (Pink 2016). وقد طوّر بعض الباحثين منهجيات هجينة مثل ""التعدين الإثنوغرافي""، التي تمزج بين التقنيات الإثنوغرافية التقليدية وتحليل البيانات الكمية. ففي هذا السياق، تُجمَع بيانات السلوك من الأجهزة الذكية، وتُحلَّل بصريًا، ثم تُعرض النتائج على المشاركين لإجراء مقابلات تفاعلية واستكشاف المعاني الكامنة وراء تلك الأنماط السلوكية (Anderson et al. 2009).
ورغم هذا التقدّم، لا تزال منهجيات علم الاجتماع الرقمي بحاجة إلى مزيد من التطوير، خاصة في ما يتعلق بالأطر الأخلاقية والضوابط الأكاديمية المرتبطة باستخدام البيانات الضخمة. فالمعايير الأخلاقية الكلاسيكية لم تعد كافية لمواكبة طبيعة البيانات الرقمية، وما تزال الإرشادات المتعلقة بالخصوصية، والموافقة المستنيرة، والاستخدام العادل بحاجة إلى توضيح وتحديث (Lazer et al. 2020). كما أن البيانات الضخمة، رغم وفرتها، تعاني غالبًا من محدودية سياقية؛ فهي تُجمع لأغراض غير بحثية، ما يجعل تفسيرها وفهمها الاجتماعي أمرًا معقدًا.
انطلاقًا من ذلك، يدعو عدد من الباحثين إلى دمج البيانات الضخمة مع بيانات سياقية أعمق، مثل البيانات النوعية، من أجل إنتاج تحليلات أكثر شمولًا (Bornaque & Diewald 2018). ويذهب Edelmann وآخرون (2020) إلى أن مهمة علماء الاجتماع لا ينبغي أن تقتصر على استخدام الأدوات الرقمية لتحليل مشكلات اجتماعية قديمة، بل يجب أن تشمل أيضًا دراسة الظواهر الجديدة الناتجة عن التحوّل الرقمي، وتوظيف هذه البيانات لتعزيز التجديد النظري.
أما على صعيد الإثنوغرافيا الرقمية، فقد أصبح جمع البيانات ومشاركتها موضوعًا يتطلب تطوير معايير أكاديمية جديدة. إذ يشكّل التوفيق بين حماية خصوصية المشاركين وضمان شفافية البحث أحد أبرز التحديات المنهجية التي تشغل مجتمع الباحثين اليوم (Murphy et al. 2021).
مقارنة بين علم الاجتماع الرقمي في الصين والغرب
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في تطبيقات التكنولوجيا الرقمية في الصين، تزامن معه ازدياد اهتمام الباحثين الصينيين بموضوعات علم الاجتماع الرقمي. فعلى المستوى النظري، تناولت العديد من الدراسات قضايا بارزة، مثل التحولات الاجتماعية العميقة الناتجة عن الرقمنة، وتغير أنماط التمايز الاجتماعي، وبروز أنواع جديدة من المخاطر، والتحول في آليات الحوكمة، والتحديات الأخلاقية المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية (Chen 2022a; Qiao et al. 2022; Qiu 2022; Wang 2021; Xiang 2021; Zhang 2018; Zhang & Li 2022). أما على المستوى التجريبي، فقد تطورت الأبحاث بوتيرة متسارعة، مع تنوع في الزوايا التحليلية وتوسع في الموضوعات.
يُدرج الرابط 1 الأوراق الأكاديمية الصينية المتعلقة بعلم الاجتماع الرقمي التي نُشرت في أهم ثلاث مجلات للبحوث الاجتماعية في الصين منذ عام 2005، وهي: ""العلوم الاجتماعية في الصين""، و""البحوث السوسيولوجية""، و""المجلة الصينية لعلم الاجتماع"". وقد نُشرت حوالي 80% من هذه الأوراق بعد عام 2015، مما يعكس التطور الأخير لعلم الاجتماع الرقمي في الصين. تم تصنيف هذه الأوراق بشكل تقريبي وفقًا للستة موضوعات البحثية والمحتوى المحدد الذي تم تلخيصه في هذا المقال .بالمقارنة مع علم الاجتماع الرقمي في الغرب، يمكن تحديد أوجه التشابه والاختلاف في تطور هذا الحقل في الصين عبر أربعة محاور رئيسية:
1. نطاق البحث: شمول نسبي وتفاوت في الاهتمام
يغطي البحث الصيني في علم الاجتماع الرقمي معظم الموضوعات المحورية للحقل، بما في ذلك اقتصاد العمل الرقمي، والسلطة والحوكمة، والعلاقات الاجتماعية، واللامساواة. غير أن هذه الأبحاث تُظهر ميلًا واضحًا للتركيز على المستوى الكلي، في حين تحظى موضوعات مثل الجسد، والهوية الذاتية، والممارسات اليومية الرقمية للفرد باهتمام محدود. وبناءً عليه، فإن التوسع المستقبلي لهذا الحقل في الصين قد يستفيد من تعزيز الأبحاث التي تركز على التجارب الفردية والبعد الذاتي.
2. الخصوصية المحلية للمضامين وضرورة استكشاف الظواهر الجديدة
تعكس مضامين البحوث الصينية الطابع المحلي للتحول الرقمي في البلاد. فتظهر موضوعات مثل التجارة الإلكترونية في المناطق الريفية، والمشاركة الرقمية في الحوكمة، كأمثلة على قضايا مرتبطة بالبنية الاجتماعية والسياسية الصينية (Qiu & Qiao 2021b; Qiu & Huang 2021a; Zhang & Qiu 2022; Luo et al. 2022; Shan 2022). وتقدّم هذه الأبحاث مساهمات مهمة للسياق العالمي، لكنها ما تزال بحاجة إلى الانفتاح على الظواهر الرقمية الناشئة، لاسيما في ما يتعلق بثقافة الشباب، والتفاعلات عبر الحدود، والابتكارات التقنية، وهي مجالات حظيت باهتمام أوسع في الأبحاث الغربية.
3. البُعد متعدد التخصصات: بداية واعدة وحاجة لمزيد من التكامل
أثمرت بعض الأبحاث الصينية في علم الاجتماع الرقمي عن تعاونات مع تخصصات أخرى كالقانون، والعلوم السياسية، والإعلام. ومع ذلك، فإن التكامل متعدد التخصصات لا يزال في مراحله الأولية. على النقيض من ذلك، يتميز علم الاجتماع الرقمي في الغرب بتقاطعاته الواسعة مع علوم البيانات، ودراسات الإعلام، والفلسفة، والتصميم التكنولوجي، في استجابة لطبيعة التكنولوجيا الرقمية التي تتجاوز الحدود المعرفية التقليدية. ومن هذا المنطلق، ينبغي للباحثين الصينيين تعزيز التعاون البحثي عبر التخصصات من أجل تطوير أطر مفاهيمية ومناهج تحليلية أكثر شمولًا.
4. المقاربات المنهجية: استمرار التقليدية والحاجة إلى الابتكار
رغم بعض المحاولات لاستخدام أدوات رقمية ومنهجيات تحليل جديدة (Chen & Yan 2017; Gui et al. 2018; Qiu & Huang 2021a; Feng 2021; Mao et al. 2021)، لا تزال غالبية الدراسات الصينية تعتمد على المناهج السوسيولوجية التقليدية. في المقابل، يُعد الابتكار المنهجي سمة مميزة في علم الاجتماع الرقمي الغربي، حيث يجري توظيف تحليل الشبكات، والتعلّم الآلي، والإثنوغرافيا الرقمية، والنمذجة الحاسوبية لفهم الظواهر الاجتماعية. ومن الضروري في السياق الصيني تجاوز الثنائية المعرفية بين المناهج الكمية والنوعية، وتطوير أدوات لتحليل البيانات المتنوعة بهدف الإجابة عن الأسئلة البحثية بمرونة وكفاءة.
الخاتمة
أحدثت التكنولوجيا الرقمية موجة جديدة من التحول العميق في بنية المجتمعات الإنسانية، وكان من الطبيعي أن ينبثق علم الاجتماع الرقمي كاستجابة معرفية لهذا التحول. إلا أن هذا الحقل لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد امتداد لعلم الاجتماع في العصر الرقمي، ولا يُختزل كذلك في كونه مرادفًا لعلم الاجتماع الحاسوبي الذي يركز بشكل أساسي على المنهجية. بل إن علم الاجتماع الرقمي ينشغل، من منظور سوسيولوجي، بدراسة كيفية تطور وتطبيق التكنولوجيا الرقمية وتأثيراتها البنيوية والثقافية على المجتمع.
ورغم أن هذا المقال لا يهدف إلى تقديم مراجعة شاملة، فإنه يسلط الضوء على ملامح أساسية لهذا المجال الناشئ، بما في ذلك تنوع موضوعاته، والسعي المستمر نحو الابتكار المنهجي، والربط المتنامي بين الاستكشافات النظرية والتطبيقات الميدانية. غير أن علم الاجتماع الرقمي لا يزال في طور التكوين، ويطرح أسئلة نظرية ومنهجية عميقة لم تُحسم بعد، مما يجعله ساحة خصبة للبحث والتفكير من قِبل علماء الاجتماع حول العالم.
ومن المهم التذكير بأن عالمية التكنولوجيا الرقمية لا تُلغي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، مما يفرض على الباحثين مراعاة السياقات المحلية دون الانغلاق عنها، وذلك عبر التفاعل الحيوي مع المجتمع الأكاديمي العالمي. وتوفر الصين، بصفتها من الدول الرائدة في تطبيق وتوسيع نطاق التكنولوجيا الرقمية، بيئة استثنائية لاستكشاف التحولات الاجتماعية الرقمية. وقد أسفرت جهود الباحثين الصينيين حتى الآن عن نتائج لافتة في مجالات مثل اقتصاد العمل الرقمي والحَوْكمة المنصاتية.
ولتحقيق مزيد من التقدم في علم الاجتماع الرقمي في الصين، ثمة حاجة إلى توسيع أفق البحث ليشمل ظواهر جديدة، والانخراط في مقاربات متعددة التخصصات، وتطوير أدوات تحليلية ومنهجيات مرنة تواكب الواقع المتغير. إن علم الاجتماع الرقمي الصيني يقف على أعتاب مرحلة واعدة، ويدعو إلى شراكة معرفية أوسع تسهم في بناء فهم أعمق للتحولات الرقمية التي تعيد تشكيل الحياة الاجتماعية عالميًا.
