اعتمادًا على الظروف، يمكن أن يؤدي السعي للكمال (المثالية) إلى تحسين الأداء في المدرسة أو العمل. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تراجع الأداء. ومع ذلك، فإن أي مكاسب في الأداء غالبًا ما تطغى عليها مشكلات متعلقة بالصحة النفسية. على سبيل المثال، هناك روابط بين المثالية والإرهاق النفسي (الاحتراق الوظيفي) والاكتئاب.
وقد تم العثور على أدلة على هذه الآثار السلبية في مجموعة متنوعة من البيئات، بما في ذلك بين الشباب، الذين تُعد المثالية عامل ضعف يجعلهم أكثر عرضة لمشكلات الصحة النفسية. لكن التدخلات العملية – مثل الدروس المدرسية – قد تُحدث فرقًا.
المثالية هي سمة شخصية تتضمن الميل إلى وضع معايير غير واقعية بشكل مبالغ فيه، وتوجيه نقد قاسٍ للذات. ويمكن أن تؤدي إلى مزيج معقد من الرغبة في إثبات الذات، والخوف من عدم الكفاءة، مما ينتج عنه شعور متكرر بالقلق والتوتر والشك.
هناك دراسات حديثة تُبرز بشكل واضح مدى هشاشة الشباب أمام المثالية. فعلى سبيل المثال، في إحدى الدراسات التي قادتها طالبة دكتوراه ضمن مجموعتي البحثية، تم النظر في العلاقة بين المثالية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد وجدت الدراسة، التي شملت 135 فتاة مراهقة، أن الفتيات الأكثر عرضة للإبلاغ عن أعراض اكتئابية عند مقارنة مظهرهن بمظهر الآخرين، هن من سجلن مستويات أعلى من ""المثالية النقدية للذات"".
كما قامت مجموعتنا البحثية بإجراء مراجعة واسعة للأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالمثالية بين الطلاب المتفوقين أكاديميًا. وقد أظهرت هذه المراجعة أيضًا الطرق المختلفة التي يمكن أن تؤثر بها المثالية على الطلاب.
استنادًا إلى 36 دراسة في هذا المجال، وجدنا أن الشكوك والهموم والمخاوف التي تُميز المثالية يمكن أن تترك أثرًا سلبيًا حتى على أكثر الطلاب موهبة.
والمفاجئ أن دراسة واحدة فقط تناولت أساليب عملية لمعالجة المثالية. ومع ذلك، كانت نتائجها واعدة؛ إذ أشارت إلى أن سلسلة من الدروس التي تركز على التعامل مع الضغوط والتوقعات والجوانب غير الصحية من المثالية قد تُساعد الطلاب.
وقد حفزنا على العمل في هذا المجال قلة الأبحاث السابقة، إلى جانب إيماننا بأن للمعلمين والمدارس دورًا محوريًا في الوقاية من المشكلات المرتبطة بالمثالية قبل أن تظهر. لذلك، قمنا باستكشاف ما يمكن تقديمه داخل الفصل لدعم الطلاب الذين يظهرون ميولًا مثالية.
أساليب عملية
بالتعاون مع الجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين في التعليم (NACE)، عملتُ أنا وزملائي على إعداد موارد لمساعدة المدارس في التعامل مع هذه القضية، وتقديم اقتراحات عملية موجهة للشباب والمعلمين وأولياء الأمور.
ومن بين هذه الموارد، درسٌ مبسط مخصص للصف الدراسي يهدف إلى تعزيز ""الوعي بالمثالية"". كانت نيتنا من إعداد هذا المورد هي مساعدة الشباب على التعرف على سمات المثالية، وزيادة معرفتهم بالمصادر المتاحة للحصول على الدعم، وتشجيعهم على طلب المساعدة عند الحاجة.
يتضمن الدرس معلومات حول المثالية، إلى جانب نشاط يركّز على التمييز بين المثالية وبين إنجاز المهام بشكل جيد.
ويهدف هذا النشاط إلى التأكيد على أن ""الجيد غالبًا ما يكون كافيًا""، وأن السعي للكمال ليس ضروريًا ولا واقعيًا. كما يُوضح أن بذل الجهد وأداء المهام بأفضل ما يمكن لا يعني السعي للكمال، بل يمثل هدفًا أفضل وأكثر إرضاءً على المدى الطويل.
يتعلّم الشباب من خلال نشاط آخر عن ""أنواع"" مختلفة من المثالية، إذ تستخدم هذه الاستعارة لتوضيح أن المثالية لا تأتي في شكل واحد، بل تتخذ أشكالًا متعددة، وتشمل نظرتنا للآخرين وكذلك تصوراتنا عن نظرة الآخرين لنا.
غالبًا ما نفكر في المثالية بوصفها أمرًا شخصيًا – كأن نضع لأنفسنا معايير غير واقعية مثلًا. لكن المثالية يمكن أن تشمل الآخرين أيضًا، كأن نتوقع منهم الكمال أو نعتقد أنهم يتوقعون منا أن نكون مثاليين.
وهذا يعني أن المثالية لا تؤثر فقط على رفاهنا الشخصي، بل يمكن أن تؤثر سلبًا على علاقاتنا بالآخرين أيضًا.
قمنا مؤخرًا بتجربة هذه المواد التعليمية في إحدى المدارس الثانوية. وقاد المعلم الدرس بعد تلقيه تدريبًا بسيطًا وفر له الفرصة لطرح الأسئلة والتدرّب على استخدام المواد.
وقد أظهرت نتائج تقييمنا للدرس أن له أثرًا إيجابيًا على الطلاب. فبعد حضور الدرس، أفاد الطلاب بأن معرفتهم بالمثالية قد ازدادت، وأصبحوا أكثر وعيًا بأهمية طلب الدعم عند الحاجة.
ومن المهم أيضًا أن يفكر المعلمون في مدى تأثير ممارساتهم الصفّية الحالية، وما إذا كانت – عن غير قصد – تشجع التفكير المثالي بدلاً من الحدّ منه.
فالتوقعات غير الواقعية، والنقد المتكرر أو المفرط، والقلق المفرط بشأن الأخطاء، والاستخدام العلني للمكافآت أو العقوبات – كلها أمور قد تعزز من المثالية لدى الطلاب. ورغم أن هذا مجال جديد في البحث والممارسة التعليمية، فإننا نراه مفتاحًا لإحداث تغييرات إيجابية طويلة المدى.
يحتاج المعلمون وأولياء الأمور إلى القدرة على التعرف على سلوكيات المثالية، وعلى التحديات التي قد يواجهها الأطفال والشباب نتيجة لها. وفي المدارس، فإن تعزيز فهم المعلمين للمثالية يُعد وسيلة فعالة لدعم الصحة النفسية للطلاب.
المصدر: the conversation
