يضع النظام التعليمي الأمريكي الطلاب في صفوف دراسية بناءً على أعمارهم، لكن هذا الأسلوب لا يناسب عددًا كبيرًا من الطلاب. يُظهر تقرير حديث من جامعة جونز هوبكنز أن حوالي طفلين من بين كل سبعة أطفال جاهزون للمنهج الدراسي الخاص بالصف الأعلى. هؤلاء الأطفال لا يتعلمون شيئًا جديدًا يوميًا، ومن المحتمل أن يشعروا بالملل في الصف. ولهذا الأمر تداعيات جدية؛ حيث أظهرت الأبحاث أن التحفيز الفكري الأكبر مهم لمساعدة الأطفال الموهوبين على تحقيق كامل إمكاناتهم.
إحدى الطرق الفعالة لمساعدة هؤلاء الطلاب على البقاء متحدّين فكريًا ومنخرطين في المدرسة هي السماح لهم بتخطي صف دراسي. وتُظهر الأبحاث أن حوالي 1% من الطلاب يقومون بتخطي الصفوف الدراسية، ويمكن تخطي الصفوف في أي مستوى، وحتى تخطي عدة صفوف في بعض الحالات.
لكن تخطي الصفوف يثير العديد من المخاوف، خاصة فيما يتعلق بالتكيف الاجتماعي والصحة النفسية للطلاب. نحن باحثون في مجال تعليم الموهوبين، وأظهرت أبحاثنا في مشروع ""أمة مُمكّنة"" العديد من الفوائد لتخطي الصفوف بالنسبة للطلاب الموهوبين، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الطلاب مستعدين اجتماعيًا وعاطفيًا لهذه الخطوة.
ماذا تظهر الدراسات
جمع أستاذة تعليم الموهوبين، كارين ب. روجرز، نتائج العديد من الدراسات حول تأثير تخطي الصفوف الدراسية، ووجدت تأثيرات إيجابية موحدة عبر مجموعة من النتائج الأكاديمية.
شملت هذه النتائج معدل الدرجات الأعلى، الرضا عن المدرسة، الجوائز والشرفات التي حصل عليها الطلاب، النجاح في الامتحانات، عدد الساعات الجامعية المكتسبة، المستوى التعليمي الذي تم بلوغه، الدخل كبالغ، والابتكارات التي قام بها الطلاب.
وعند مقارنة الطلاب الموهوبين الذين تخطوا الصفوف مع نظرائهم الموهوبين الذين لم يتخطوها، تفوق الطلاب الذين تخطوا الصفوف في جميع الفئات الأكاديمية.
على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها خبيرة سياسات وأبحاث التعليم من الروضة حتى الصف الثاني عشر، كاتي إل. ماكلارتي، أن الطلاب الذين تخطوا الصفوف كانوا أكثر احتمالًا من غيرهم للحصول على وظائف مرموقة، ودخل أعلى، ورضا وظيفي أكبر.
كما توصلت دراسة أخرى أجراها الباحثون غريغوري جي. بارك، وديفيد لوبيسكي، وكاميلا ب. بينبو، وتتبعوا خلالها أطفالًا موهوبين للغاية على مدى 40 عامًا حتى مرحلة البلوغ، إلى نتائج مشابهة فيما يتعلق بالتأثير طويل المدى لتخطي الصفوف في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).
أظهرت الدراسة أن الطلاب الذين تخطوا الصفوف كانوا أكثر احتمالًا بشكل ملحوظ للحصول على درجات الدكتوراه، ونشر أول ورقة بحثية في سن أصغر، وتحقيق منشورات علمية ذات استشهادات عالية بحلول سن الخمسين. وبالمقارنة مع الطلاب غير المتخطين، كان المتخطون أكثر احتمالًا بمقدار 1.6 مرة للحصول على درجة الدكتوراه بأي نوع، وبمرتين للحصول على دكتوراه في مجالات STEM، و1.6 مرة لنشر بحث في STEM، و1.6 مرة للحصول على براءة اختراع.
المزيد من المهارات الاجتماعية، وصحة نفسية أفضل
رغم الفوائد الأكاديمية لتخطي الصفوف، لا تزال هناك مخاوف حول قدرة الطلاب على التكيف الاجتماعي والنفسي بعد تخطيهم.
لكن عالمة النفس مورين نايهارت، التي راجعت العديد من الدراسات حول النتائج الاجتماعية والنفسية لتخطي الصفوف، خلصت إلى أنه لا يوجد تأثير سلبي أو إيجابي كبير.
ومع ذلك، أظهرت الدراسة التحليلية التي أجرتها كارين ب. روجرز، والتي أُشير إليها سابقًا، وجود آثار إيجابية واضحة على مجموعة من جوانب التكيف الاجتماعي والنفسي، بما في ذلك مهارات اجتماعية أكبر، ونضج أعلى، وتقبّل من الأقران، وزيادة الدافعية، والمثابرة.
كما وجدت دراسة طولية استمرت 20 عامًا، أجرتها خبيرة تعليم الموهوبين ميركا غروس، أن لتخطي الصفوف فوائد اجتماعية ونفسية أيضًا.
فقد وجدت أن الطلاب الذين تخطوا صفين أو أكثر (بنسبة 37% من العينة) في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية كانت لديهم تقديرات ذاتية اجتماعية أعلى في الطفولة، وتمكنوا من بناء علاقات اجتماعية أفضل لاحقًا في حياتهم.
هل ينبغي أن يتخطى طفلي صفًا دراسيًا؟
بشكل عام، تُظهر الأبحاث أن تخطي الصف هو وسيلة فعالة للغاية لتحدي الطلاب الموهوبين ومساعدتهم على البقاء مندمجين ومهتمين بالتعلم في المدرسة. كما لم نجد أي آثار سلبية اجتماعية أو نفسية لتخطي الصف.
ولكن كيف يمكن للآباء والطلاب اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان تخطي الصف مناسبًا؟
يعتمد قرار تخطي الصف الدراسي إلى حد كبير على مدى شعور الطالب بالملل في المدرسة، وعلى مدى نضجه الاجتماعي وقدرته على التفاعل مع زملاء أكبر سنًا. لذلك، لا يُوصى بهذا الخيار لجميع الطلاب الموهوبين.
وقد طوّر الباحثون مقياسًا يساعد الأهالي والمعلمين في اتخاذ هذا القرار للطلاب من الروضة حتى الصف الثامن. يساعد هذا المقياس في تقييم الجوانب الأكاديمية والاجتماعية والعاطفية للطفل، كما يوفّر إرشادات لتحديد أهمية كل عامل في القرار.
بشكل عام، يُتخذ القرار بناءً على مدى الاستعداد الأكاديمي والاجتماعي، مع إدراك أن تخطي الصف يمكن أن يحدث في أي مرحلة دراسية ، سواء في بداية التعليم أو حتى في الانتقال المبكر إلى الجامعة. وتُظهر الدراسات أن الفوائد تبقى نفسها بغض النظر عن العمر.
ورغم الأدلة الإيجابية، فإن عدد الطلاب الذين هم مؤهلون أكاديميًا لتخطي الصف يفوق بكثير عدد من يطبقونه فعليًا، مما يسبب خسائر مادية وتعليمية. فتعليم ملايين الطلاب محتوى يعرفونه مسبقًا يُهدر مليارات الدولارات سنويًا.
أما من يخشون الآثار النفسية والاجتماعية لتخطي الصف، فعليهم أيضًا التفكير في ما قد يحدث إن لم يتم التخطي: قد يشعر الطالب بالملل، ويفقد شغفه بالتعلم، وينخفض أداؤه، ما يؤدي إلى الإحباط أو الانسحاب من التعليم ، وهو ضرر يؤثر على الطالب والمجتمع معًا.
المصدر: the conversation
