ملخص: تتناول هذه المقالة أبرز مخرجات معرض باريس للطيران 2025، حيث تؤكد أن قطاع الطيران قد انتقل من مرحلة الوعود إلى التنفيذ الفعلي في مسيرته نحو الاستدامة، من خلال طلبات ضخمة لطائرات أكثر كفاءة، وتطورات ملموسة في الدفع الكهربائي والهيدروجيني، وتوسيع إنتاج وقود الطيران المستدام، وشراكات استراتيجية بين المصنعين، وشركات الطيران، ومزودي الطاقة.
- سلّط معرض باريس للطيران 2025 الضوء على انتقال القطاع من مرحلة الطموح إلى التنفيذ، حيث تسارعت جهود الشركات المصنعة وشركات الطيران ومزودي الطاقة لتحقيق التزاماتها بالوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري.
- وقد بعثت فعالية هذا العام برسالة واضحة: لقد انتهى وقت التغيير التدريجي، ويجب على قطاع الطيران أن يتخذ إجراءات حاسمة الآن للتماشي مع الأهداف المناخية العالمية.
- وسط التوترات الجيوسياسية المستمرة، عكس معرض باريس للطيران 2025 اهتماماً متزايداً بتقنيات الدفاع والأمن إلى جانب جهود الاستدامة.
يُعد معرض باريس للطيران الحدث الأضخم عالمياً في قطاع الطيران والفضاء، حيث يجمع قادة الصناعة والمبتكرين وصنّاع السياسات. وتميزت نسخة عام 2025، التي أُقيمت في يونيو، بتركيز قوي على الاستدامة، مع استعراض تقنيات جديدة، وصفقات تجارية كبرى، وشراكات متعددة القطاعات تهدف جميعها إلى تقليل الأثر البيئي للطيران.
يخضع قطاع الطيران لمراقبة متزايدة بسبب بصمته الكربونية، إذ يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في تلبية الطلب المتزايد على السفر الجوي وتحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفري الطموحة.
وقد عكست نسخة هذا العام تحولاً واضحاً: إذ أصبحت الاستدامة جزءاً مركزياً من استراتيجيات الأعمال والاستثمار والابتكار.
توجهات رئيسية شملت:
التوسع السريع في استخدام وقود الطيران المستدام (SAF) كبديل منخفض الكربون؛
التقدم في تقنيات الدفع الهيدروجيني والكهربائي، مما يزيد من إمكانيات إزالة الكربون من القطاع؛
التركيز المتجدد على الكفاءة في الرحلات الإقليمية والقصيرة لتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات.
تجديد الأساطيل بطابع بيئي
يُعد تحسين كفاءة الطائرات وتقليل استهلاك الوقود جزءاً أساسياً من رحلة شركات الطيران نحو صافي الانبعاثات الصفري، وتشهد معارض الطيران عادةً الإعلان عن صفقات شراء جديدة.
وقد أبرمت إيرباص صفقات بقيمة تقارب 21 مليار دولار، بما في ذلك اتفاقية بارزة مع "فيتجيت" لشراء 100 طائرة A321neo – وهي طائرات تُعرف بمدى طيرانها الكبير وسعتها وكفاءتها في استهلاك الوقود وانبعاثاتها الأقل مقارنة بالنماذج السابقة.
كما أكدت "الخطوط الجوية بالرياض" هذا الاتجاه من خلال طلب 25 طائرة Airbus A350-1000 إلى جانب 50 محرك Rolls-Royce Trent XWB-97، في خطوة تؤكد تحول القطاع نحو أساطيل أكثر نظافة وكفاءة.
حتى في مجال التدريب، أصبحت الاستدامة محور الاهتمام: فقد طلبت المدرسة الوطنية الفرنسية للطيران المدني (ENAC) شراء 30 طائرة من شركة Elixir Aircraft، وهي طائرات تدريب تستخدم مركّبات كربونية متطورة وتستهلك وقوداً أقل بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالنماذج التقليدية.
اختراقات في تقنيات الطائرات وأنظمة الدفع
لم يقتصر التركيز على شراء طائرات جديدة، بل شمل أيضاً التقنيات التي تُشغّلها وكيفية تصنيعها. فقد جذبت إيرباص الانتباه بنظامها القياسي الجديد لخلايا الوقود بقدرة 1.2 ميغاواط – وهو إنجاز قياسي على مستوى العالم وخطوة كبرى نحو الطيران المعتمد على الهيدروجين.
كما كشفت الشركة عن ابتكارات هوائية مثل الجناح عالي الأداء eXtra Performance Wing، الذي يمكن أن يقلل استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 10%. وفي الوقت نفسه، تُقرّب بطارية MagniX الجديدة عالية الكثافة الطاقوية (400 واط لكل كغ) الرحلات الإقليمية الكهربائية والهجينة من الواقع.
أما الطائرات العمودية، فلم تُستثنَ: فقد حقق نموذج طائرة الهليكوبتر Airbus Racer، الذي تم تطويره في إطار مبادرة Clean Sky 2 الأوروبية، انخفاضاً في استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30% مقارنة بالمروحيات التقليدية. هذه الابتكارات تبرهن على أن المواد الجديدة، والتصاميم الذكية، وأنظمة الدفع البديلة تتكامل لجعل الطيران أنظف وأكثر كفاءة.
وقود الطيران المستدام في مركز الاهتمام
كان وقود الطيران المستدام (SAF) محوراً متكرراً، حيث يُنظر إليه كأداة فورية لتقليل الانبعاثات. ويمثل اتفاق توتال إنرجي مع شركة Quatra لمدة 15 عاماً لتأمين 60,000 طن سنوياً من زيت الطهي المستخدم دليلاً على توسع سلاسل التوريد.
كما تسعى شراكة ATR مع ATOBA Energy إلى جعل الطائرات الإقليمية تعمل بنسبة 100% على SAF، مما يدل على أن التعاون بين المصنعين ومزودي الطاقة هو المفتاح لتسريع الاعتماد.
أحرز الطيران المعتمد على الهيدروجين أيضاً تقدماً ملموساً، حيث انتقلت عدة شركات من مرحلة البحث إلى التجارب الواقعية. وقد أعلنت شركة ZeroAvia عن حصولها على تمويل جديد من الحكومة البريطانية لمشروعها LH-SIFT لاختبار أول طائرة تجارية تعمل بالهيدروجين السائل في العالم.
وقّعت الشركة أيضاً مذكرة تفاهم مع شركة Loganair لجلب محركاتها الكهربائية الهيدروجينية الخالية من الانبعاثات إلى الخطوط الإقليمية في المملكة المتحدة، كما أنشأت مركزاً لتصنيع خلايا الوقود الهيدروجينية بالقرب من مطار غلاسكو لدعم النشر المستقبلي.
وحققت شركة HyFlux زخماً إضافياً بفوزها بمنحة من الحكومة البريطانية لتطوير تقنيتها في الدفع الكهربائي الهيدروجيني، والتي تعتمد على محركات فائقة التوصيل وتقنيات التبريد بالتبريد الفائق. وستساهم هذه الإنجازات في تسريع الابتكار في مجال النقل الخالي من الانبعاثات، مما يعزز النظام البيئي الهيدروجيني في القطاع.
التعاون في صميم التقدم
لا تحدث هذه الإنجازات بمعزل عن الآخرين. فقد أبرز المعرض قوة التعاون متعدد الأطراف، حيث يجتمع القطاعان العام والخاص، والمصنعون، وشركات الطيران، ومزودو الطاقة، والمعاهد البحثية.
وكان إطلاق برنامج ARIS (استراتيجية البحث والابتكار في الطيران من أجل الاستدامة) ختاماً مناسباً: إذ يجمع هذا البرنامج الأوروبي بين المعاهد البحثية والمصنعين ومزودي خدمات إدارة الحركة الجوية وصناع السياسات، ويركز على الطائرات الخالية من الانبعاثات، والإدارة الرقمية للحركة الجوية، وتطوير المهارات.
وهذا مؤشر واضح على إدراك القطاع لحجم التحدي وضرورة التعاون لمواجهته.
السياق الجيوسياسي الأوسع
بدافع من المشهد الجيوسياسي الراهن، استعرض العديد من العارضين وقادة الصناعة تقنيات دفاع متقدمة وأنظمة مزدوجة الاستخدام.
ويعكس التركيز المتزايد على الأمن حاجة القطاع إلى تحقيق توازن بين أهداف إزالة الكربون وواقع عالم سريع التغير.
ومع ذلك، أظهر المعرض أن الاستدامة أصبحت في صميم استراتيجية الأعمال للطيران. فالقطاع ينتقل من المشاريع التجريبية إلى طلبات شراء واسعة النطاق، واتفاقيات توريد طويلة الأجل، وأبحاث منسقة – مما يشير إلى زخم حقيقي نحو صافي الانبعاثات الصفري.
ورغم التحديات التي لا تزال قائمة، مثل توسيع إنتاج SAF، واعتماد أنظمة الدفع الجديدة، وتحديث البنية التحتية، فإن الجهود التعاونية التي شوهدت في لوبورجيه تُظهر أن التقدم يتسارع.
تشير الطلبات الكبرى على الطائرات ذات الكفاءة في الوقود، والتقدم في تقنيات الدفع الهيدروجيني والكهربائي، والشراكات الجديدة في SAF إلى قطاع في طور التحول.
وسيكون استمرار التعاون بين المصنعين، وشركات الطيران، ومزودي الطاقة، وصناع السياسات ضرورياً لتحقيق وعد الرحلات الخالية من الانبعاثات والحفاظ على تماشي القطاع مع الأهداف المناخية العالمية.
المحطة التالية: معرض دبي للطيران 2025
سيدعم الزخم الجماعي المتزايد في مجال الابتكار والاستدامة والتعاون فعاليات معرض دبي للطيران المقبل في الخريف، حيث ينظّم المنتدى الاقتصادي العالمي مبادرة "مطارات الغد" على مدى يومين مخصصين لمستقبل الطيران في 18 و19 نوفمبر 2025.
سيضم البرنامج جلسات رفيعة المستوى، وموائد مستديرة مع خبراء، وزيارات ميدانية مختارة.
ويهدف إلى تقديم رؤى معمّقة حول الاستراتيجيات والابتكارات والتعاونات متعددة القطاعات اللازمة لدفع الطيران المستدام إلى الأمام.
وتشمل هذه المبادرات عمليات المطارات الخالية من الانبعاثات، وتوسيع استخدام SAF، ودمج الهيدروجين والوقود منخفض الكربون، وتنفيذ أنظمة الحجز والتصديق، وتطوير بنية تحتية مطارية خضراء ومرنة.
وقد أظهر معرض باريس للطيران 2025 أن عصر الطموح قد أفسح المجال لعصر التنفيذ. من أنظمة الدفع المتطورة إلى التزامات SAF الموسعة، والشراكات متعددة القطاعات، يتجه القطاع الآن إلى تنفيذ التغيير الذي وعد به.
ساهم في إعداد هذا المقال: جورجيو باروليني، قائد إزالة الكربون في قطاع الطيران، المنتدى الاقتصادي العالمي.
