القائمة الرئيسية

كيف يحيي الذكاء الاصطناعي حلاً عمره قرن لمقاومة المضادات الحيوية

كيف يحيي الذكاء الاصطناعي حلاً عمره قرن لمقاومة المضادات الحيوية
ملخص المقال

يشير المقال إلى تصاعد خطر عصر ما بعد المضادات الحيوية، حيث تتوقع منظمة الصحة العالمية وفاة 10 ملايين شخص سنويًا بحلول عام 2050 بسبب مقاومة مضادات الميكروبات، وسط نضوب في تطوير مضادات جديدة. في هذا السياق، تعود البكتريوفاجات — وهي فيروسات تستهدف البكتيريا فقط — إلى الواجهة كبديل واعد، مدعومة بتطورات الذكاء الاصطناعي وعلوم الأحياء الدقيقة. ورغم التحديات التقنية والتنظيمية التي أعاقت انتشارها في الماضي، فإن تقنيات مثل التنبؤ الوراثي والتصميم الرقمي لـ""كوكتيلات فاج"" باتت تُمكّن من تطوير علاجات دقيقة وسريعة وفعالة ضد البكتيريا المقاومة. وتشهد الزراعة والصحة البشرية بالفعل نتائج واعدة، ما يعزز الحاجة إلى تشريعات ملائمة واستثمار في البحث والتطوير، إلى جانب شراكات وثيقة بين المؤسسات العلمية والصناعية والتنظيمية لمواجهة أزمة مقاومة المضادات على نحو مستدام.

شبح عصر ما بعد المضادات الحيوية، حيث قد تعود العدوى الشائعة لتكون قاتلة، بدأ يطل برأسه من جديد.

في الواقع، تتوقع منظمة الصحة العالمية أن تؤدي مقاومة مضادات الميكروبات إلى 10 ملايين وفاة سنويًا بحلول عام 2050، إلى جانب أضرار اقتصادية كبيرة.

وتفاقم هذا الوضع بسبب نضوب خط إنتاج المضادات الحيوية الجديدة، إذ لم يُكتشف سوى القليل جدًا منها خلال العقود الماضية.

وفي هذا الفراغ، تعود المعالجة بالبكتريوفاج إلى الواجهة من جديد، مدعومة بالذكاء الاصطناعي وعلوم الأحياء الدقيقة الحديثة.

الوعد غير المُوفى للبكتريوفاجات
تم التعرف على هذه البكتريوفاجات "" وهي فيروسات تصيب الخلايا البكتيرية وتتكاثر داخلها فقط، ويُطلق عليها اختصارًا اسم ""فاجات"" "" لأول مرة وتسميتها على يد العالِم الفرنسي الكندي فيليكس ديريل في معهد باستور في باريس عام 1917.

تُعد الفاجات الكائنات البيولوجية الأكثر وفرة على كوكب الأرض. فهي تستهدف البكتيريا فقط وتدمرها، ما يجعلها غير ضارة تمامًا لأي نوع من الخلايا، سواء أكانت بشرية أم غير ذلك. في الواقع، يستضيف جسم الإنسان عددًا من الفاجات يفوق عدد خلاياه هو نفسه.

تعتمد الفكرة العلاجية وراء المعالجة بالفاجات على عزل فاجات محددة من البيئة، وتحديد تلك الفعّالة ضد نوع معين من البكتيريا الممرِضة (مثل السالمونيلا)، ثم استنساخ هذه الفاجات المختارة بتركيزات عالية لاستخدامها في العلاج.

لكن هذا الزخم المبكر الذي حققه عمل ديريل تراجع سريعًا مع اكتشاف البنسلين على يد ألكسندر فليمنغ في عام 1928، ما أدخل العالم في عصر المضادات الحيوية. فقد كانت هذه ""الأدوية المعجزة"" واسعة الطيف وسهلة التصنيع نسبيًا، وحققت نتائج سريرية مذهلة، مما جذب الانتباه الطبي والصناعي إليها بسرعة.

واجه اعتماد العلاج بالبكتريوفاج عقبات عملية كبيرة بسبب محدودية التكنولوجيا في أوائل ومنتصف القرن العشرين. فقد كانت التكنولوجيا المتوفرة آنذاك غير كافية لعزل الفاجات المناسبة بشكل موثوق، إذ إن تحديد الفاج المناسب لسلالة بكتيرية معينة كان عملية يدوية شديدة التعقيد وتستغرق وقتًا طويلًا.

وبالإضافة إلى ذلك، واجه العلماء تحديات أخرى مثل توحيد العلاجات للحصول على نتائج موثوقة، وتوسيع نطاق الإنتاج ليكون فعالًا على المستوى الصناعي. كما أن الأطر التنظيمية القائمة آنذاك، والتي صُممت بالأصل للأدوية الكيميائية، لم تكن ملائمة للتعامل مع هذه العوامل البيولوجية.

نتيجة لذلك، ومع ازدهار تطوير المضادات الحيوية، تراجعت البحوث والتطبيقات المتعلقة بالفاجات في العديد من الدول الغربية. ولكن، ومع تفاقم أزمة مقاومة مضادات الميكروبات عالميًا، وتراجع الاكتشافات الجديدة في مجال المضادات الحيوية، عادت الفاجات بقوة إلى دائرة الاهتمام العلمي.

مكّنت الذكاء الاصطناعي من ثورة في علم الأحياء الدقيقة الحديث
حتى الآن، يُعدّ العثور على الفاج المناسب للمريض عملية يدوية مرهقة. إذ يتعين على العلماء إجراء ما يُعرف بـ ""الفاجوغرام"" ، سلسلة من الاختبارات المعملية تشبه تجربة عدد لا يحصى من المفاتيح في قفل واحد. حيث يتم خلط كل فاج متوفر من المكتبة المخبرية مع البكتيريا الخاصة بحالة المريض، لمعرفة أي منها ينجح.

ويتطلب إيجاد الفاج الأنسب لمريض واحد فقط مئات الآلاف من التجارب اليدوية، في حين أن المختبرات لا يمكنها تنفيذ أكثر من بضع مئات منها، مما يجعل هذا العائق من أبرز ما يمنع العلاج بالفاج من أن يصبح جزءًا من الطب السائد.

لكن التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي قد تساهم في التغلب على هذه التحديات. فمن المتوقع قريبًا أن يتمكن العلماء من التنبؤ بمدى فعالية الفاج انطلاقًا من شفرته الوراثية فقط، ما يمثل تحولًا جوهريًا من النموذج اليدوي إلى نموذج رقمي للفاجوغرام.

وبناءً عليه، نحن نقترب من تطوير طرق علاجية شخصية وفعالة للغاية لمحاربة العدوى من خلال العلاج بالبكتريوفاج، ما يمنح فرصة أكبر للنجاح، لا سيما في الحالات التي فشلت فيها العلاجات السابقة.

علاوة على ذلك، لا يقتصر فهم الذكاء الاصطناعي لشفرة الفاج الجينية وتفاعلاته المتوقعة على تحديد الفاج الأمثل منفردًا، بل يمكنه أيضًا تصميم ""كوكتيلات فاج"" ، أي تركيبات من فاجات متعددة لاستهداف البكتيريا بأفضل صورة ممكنة.

وتعد هذه التركيبات ضرورية لتطوير علاجات فعالة، نظرًا للتنوع الوراثي الكبير للبكتيريا، إذ غالبًا ما تحتوي السلالة الواحدة على أنواع فرعية متعددة ولكل منها حساسيات مختلفة. كما أن قدرتها العالية على التكيّف تجعل ظهور المقاومة لعامل علاجي واحد خطرًا دائمًا.

مع ذلك، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تسهم في معالجة هذه التحديات من خلال تصميم وتسريع عملية تطوير كوكتيلات الفاجات متعددة الأنواع بدرجة عالية من الكفاءة. والنتيجة هي علاج قوي صُمم ليكون فعالًا ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، ويحدّ من ظهور المقاومة بشكل ملحوظ.

وهذا تحديدًا هو التحدي الذي نعمل عليه في شركة Phagos. كما توضح مديرة التكنولوجيا في الشركة، أديل جيمس: ""إن التآزر بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء الدقيقة يعيد تشكيل العلاج بالفاج من جذوره. نحن الآن بصدد تقديم حلول دقيقة للغاية ضد العدوى البكتيرية المتطورة خلال أسابيع بدلًا من سنوات، وهذا أسرع بكثير من عقد كامل عادة ما يتطلبه تطوير دواء جديد"".

ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذا المستوى المتقدم من النماذج القائمة على الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقها إلا بفضل التقدم الموازي في علم الأحياء الدقيقة والهندسة الحيوية. إذ تتيح منصات الفرز الآلي المتطورة عالية الإنتاجية تقييم عدد هائل من تفاعلات الفاج والبكتيريا بسرعة. وتُعالج هذه البيانات الغزيرة بكفاءة من خلال أدوات المعلوماتية الحيوية المتقدمة، التي تساعد في تحديد الفاجات الأقوى والأكثر تحديدًا.

في الوقت ذاته، تقوم الأدوات الجينومية برسم خريطة الحمض النووي للفاجات المختارة، مما يمنح صورة متكاملة عن قدراتها. وأخيرًا، تجعل أنظمة المناولة الآلية للسوائل عمليات الاختبار والتحضير للإنتاج أسرع وأكثر دقة، مما يمهّد الطريق لتصنيع قابل للتوسيع.

تمهيد الطريق لمرحلة ما بعد المضادات الحيوية
إن التقاء الذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء الدقيقة المتقدم لم يعد مجرد نظرية، بل يحقق نتائج ملموسة تشير إلى تحول تدريجي عن الاعتماد المفرط على المضادات الحيوية التقليدية. هذه ""النهضة الفاجية"" بدأت تُظهر قيمتها العملية في مجالات حرجة، وتمهد لمستقبل أكثر قدرة على التصدي للتهديدات البكتيرية.

في الزراعة، حيث تُشكّل مقاومة مضادات الميكروبات تهديدًا كبيرًا لأنظمة إنتاج الغذاء، تتيح الفاجات وسيلة دقيقة للسيطرة على الأمراض البكتيرية. فعلى سبيل المثال، أثبتت الفاجات فعاليتها الكبيرة في مكافحة مسببات الأمراض مثل الإشريكية القولونية (E. coli) في مزارع الدواجن، مما يقلل بشكل كبير الحاجة لاستخدام المضادات الحيوية، ويؤدي إلى غذاء أكثر أمانًا وتقليص الأثر البيئي للمقاومة في هذا القطاع.

أما في مجال الصحة البشرية، فتُوفّر الفاجات خط دفاع جديدًا وحاسمًا ضد العدوى المقاومة لعدة أدوية، خاصة في الحالات التي فشلت فيها العلاجات الأخرى. ففي دراسة بارزة نُشرت عام 2024 في مجلة Nature Microbiology، تم تحليل 100 حالة متتالية من علاج العدوى الصعبة باستخدام البكتريوفاج. وأظهرت النتائج تحسنًا سريريًا في 77% من الحالات، مع القضاء الكامل على البكتيريا في 61% منها.

لكن من أجل أن يحقق العلاج بالفاج تقدمه المنشود، لا بد من وضع أطر تنظيمية مخصصة تضمن السلامة وتيسّر وصول المرضى للعلاج. كما أن الاستثمار المستمر في البحث والتطوير أمر بالغ الأهمية لدفع عجلة التقدم العلمي، ودعم التجارب السريرية القوية، والوصول إلى مراحل التصنيع على نطاق واسع.

والأهم من ذلك، أن التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية والهيئات التنظيمية سيكون مفتاحًا لتوحيد الأساليب وتكامل الفاجات في استراتيجياتنا الجوهرية لمواجهة مقاومة مضادات الميكروبات.

شكر خاص لكل من إيلياس ثيودورو، ومارين فييريزين، وآنا فلاك، وأندريا دي جواكّينو على مساهماتهم في هذا العمل.

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

مقالات ذات صلة