القائمة الرئيسية

لماذا يجب أن تكون جودة الهواء الداخلي أولوية صحية عالمية

لماذا يجب أن تكون جودة الهواء الداخلي أولوية صحية عالمية
ملخص المقال

يركّز المقال على التهديد الخطير والمُهمل الذي يشكّله تلوث الهواء الداخلي على الصحة العامة، رغم أن الناس يقضون معظم وقتهم داخل المنازل وأماكن العمل والمدارس. إذ تبيّن أن الأنشطة اليومية مثل الطهي والتدفئة والتنظيف تطلق ملوثات ضارة تفوق أحيانًا مستويات الهواء الخارجي، وتؤثر بشكل خاص على الأطفال وكبار السن والفئات ذات الدخل المنخفض. وتعد المشكلة عالمية، تختلف في مصادرها بين الشمال والجنوب، لكنها مشتركة في قلة الوعي والسياسات. ويقترح المقال فرصًا للحل تشمل مراقبة جودة الهواء بأدوات ميسورة التكلفة، وتغيير السلوكيات الثقافية، والتحوّل إلى الطاقة النظيفة، وتحسين التهوية، والمساواة في التنظيم بين الهواء الداخلي والخارجي، داعيًا إلى جعل جودة الهواء داخل المباني أولوية صحية وبيئية لا تُهمل.

عندما نفكر في تلوث الهواء، غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا الهواء الخارجي — من ازدحام المدن المروري إلى الانبعاثات الصناعية. ورغم التقدّم الكبير في السيطرة على تلوث الهواء الخارجي، لا تزال هناك بُعد حاسم للتعرّض يُستهان به بشدة: الهواء الذي نتنفسه داخل الأماكن المغلقة.

والحقيقة الصادمة أن كثيرين، خصوصًا الفئات الضعيفة والأطفال، يتعرضون لأعلى تركيزات ملوثات الهواء داخل أماكن يُفترض أنها آمنة.

في المتوسط، يقضي الناس ما بين 60 إلى 90% من وقتهم داخل الأماكن المغلقة، في حين يرتبط تلوث الهواء الداخلي بوفاة نحو 3.2 مليون شخص مبكرًا سنويًا حول العالم. وقد وجد الباحثون أن الأنشطة اليومية المعتادة "" مثل الطهي، والتدفئة، والتنظيف "" تطلق مستويات ضارة من الملوثات المحمولة جوًا، بما في ذلك الغازات الدفيئة، داخل المنازل.

وتظل مصادر التلوث الداخلي هذه غير مفهومة بشكل كافٍ ويصعب التعامل معها، كما أنها تشكّل مخاطر صحية قابلة للقياس، تشمل أمراض الجهاز التنفسي، واضطرابات النوم، وتراجع الأداء المعرفي. ورغم ذلك، لا تحظى جودة الهواء الداخلي بالاهتمام التنظيمي أو النقاش العام الذي تحظى به جودة الهواء الخارجي.

وإذا كنا نقضي معظم حياتنا داخل المباني، فإن الهواء داخل منازلنا ومدارسنا وأماكن عملنا يجب أن يكون آمنًا للتنفس، ولهذا السبب، يجب أن تكون جودة الهواء الداخلي جزءًا أساسيًا من النقاش العالمي حول الصحة.

إن تجاهل معالجة هذه المشكلة يعني ترك الأشخاص الأكثر عرضة للخطر خلف الركب، لا سيما الأطفال وكبار السن والمجتمعات ذات الدخل المنخفض.

مشكلة عالمية
يُعد تلوث الهواء الداخلي مشكلة عالمية تؤثر على المجتمعات في كل مكان، سواء في أكواخ القرى الريفية أو في شقق الأبراج الحضرية. فأنشطتك اليومية، وبُنية المباني، ونوع الوقود المستخدم للطهي والتدفئة، جميعها تؤثر بشكل مباشر على جودة الهواء داخل الأماكن المغلقة.

ورغم أن مصادر التلوث الداخلي قد تختلف بين بلدان الشمال والجنوب العالميين، إلا أن المشكلة نفسها غالبًا ما تُغفل على مستوى العالم.

في بلدان الجنوب العالمي، يُعد عبء تلوث الهواء الداخلي أثقل بكثير، نتيجة مزيج من الحواجز الهيكلية والمالية، وانخفاض الوعي العام، ومحدودية الوصول إلى بدائل الطاقة الأنظف، ما يعقّد جهود تعزيز هواء صحي داخل المنازل.

وبحسب تقديرات عام 2018، يعتمد أكثر من 3 مليارات شخص في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على الوقود الصلب للطهي والتدفئة. ويبرز هذا الاعتماد بشكل خاص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، حيث تستخدم نسبة كبيرة من الأسر الحطب أو الفحم أو أنواع أخرى من الوقود الصلب داخل المنازل باستخدام مواقد تقليدية أو بدائية تُعد شديدة التلوث.

يسلّط تقرير ""حالة الهواء العالمي 2020"" الضوء على حجم هذه المشكلة، إذ يتعرض نحو 80% من سكان بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، وما يقارب 60% من سكان جنوب آسيا، بشكل منتظم لهواء داخلي شديد التلوث.

كما تكشف الدراسات التي أُجريت في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة عن وجود مشكلة مماثلة في جودة الهواء داخل المباني. فحتى المنازل الحديثة ذات الكفاءة الطاقية، والتي تعتمد على أنواع وقود أنظف، لا تخلو من التحديات.

ومن اللافت أن المشكلة تظهر في المنازل والمباني المعزولة جيدًا، حيث تؤدي التهوية المحدودة إلى احتباس الملوثات الناتجة عن الأنشطة اليومية مثل الطهي والتدفئة والتنظيف والتدخين واستخدام الطابعات الليزرية المنزلية، ما يسمح بتراكم التلوث الداخلي.

ويُعد الطهي والتدفئة بالغاز من مصادر القلق المتزايد في الأماكن الداخلية الحديثة، إذ ترتبط بمستويات ملوّثات قد تتجاوز الهواء الخارجي بما يتراوح بين مرتين إلى اثنتي عشرة مرة.

وبما أن الناس يقضون معظم أوقاتهم في الداخل، تصبح البيئات الداخلية المساهم الرئيسي في التعرض الفردي لتلوث الهواء. وتزداد تعقيدات هذا التحدي بسبب تنوع الملوثات، مثل الجسيمات الدقيقة والمركبات العضوية المتطايرة وثاني أكسيد النيتروجين، والتي تتفاعل مع بعضها البعض ومع البيئة المحيطة.

وهذا ما يجعل فهم البيئات الداخلية أكثر صعوبة وأسهل في التجاهل.

ويؤدي التعرّض لهذه الملوثات إلى أعباء متعددة الأبعاد، إذ لا يقتصر أثرها على الصحة الجسدية والرفاه اليومي، بل يمتد ليشمل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك مشكلات الصحة النفسية مثل القلق والاكتئاب، خاصة بين الفئات الضعيفة، ما يؤدي إلى زيادة الفواتير الطبية وتراجع الإنتاجية والرفاه الاجتماعي.

فرص للتحرك

رغم أن مشكلة تلوث الهواء الداخلي معقدة وغالبًا ما تُغفل، فإن هناك فرصًا حقيقية لمعالجتها، لكنها تتطلب جهودًا متعددة الأبعاد، تبدأ من تغيير السلوك الفردي وتمتد إلى تحسين البنية التحتية وتطوير السياسات:

  • جعل مراقبة جودة الهواء الداخلي أكثر سهولة وتكلفة معقولة: من الصعب مراقبة جودة الهواء الداخلي، إذ كانت تتطلب تقليديًا أدوات باهظة الثمن. لكن أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة وأدوات إنترنت الأشياء الذكية (IoT) الناشئة تقدم حلًا واعدًا. رغم أن دقة هذه الأدوات وموثوقيتها لا تزال قيد التقييم في ظل تطورها التقني المبكر، فإنها تفتح آفاقًا لتوسيع الوصول إلى بيانات جودة الهواء الداخلي، مما يساهم في التدخلات الضرورية.

  • الاعتبارات الثقافية والسلوكية: تسهم العادات الثقافية في تعقيد المشكلة. فلا يزال الطهي على اللهب المكشوف أو حرق الحطب شائعًا، خاصة في الحالات التي تكون فيها تكاليف الكهرباء مرتفعة. ويتطلب تغيير هذا السلوك جهودًا في التثقيف العام، مع مراعاة حساسية الثقافة واحترام التقاليد، بالتوازي مع تشجيع خيارات الطاقة الأنظف.

  • التحول إلى الطاقة النظيفة: لا تزال حلول الطاقة النظيفة مثل الطهي الكهربائي أو أنظمة التدفئة النظيفة بعيدة المنال بسبب تكلفتها المبدئية العالية وضعف البنية التحتية، حتى عندما تكون التقنيات متوفرة. نحتاج إلى الانتقال من الوعي إلى الفعل. ويجب أن تكون هذه الحلول ميسورة التكلفة ومتاحة وموثوقة، وهو ما يتطلب توسيع خيارات التمويل، وتعزيز سلاسل التوريد، وإبراز كيفية دمج هذه التقنيات في الحياة اليومية.

  • تحسين البنية التحتية: ضعف التهوية مشكلة شائعة في العديد من المنازل والمباني، ما يسمح بتراكم الملوثات بمرور الوقت. ويتطلب التصدي لها تحسينات في البنية التحتية على المستويين التنظيمي والتصميمي. ورغم التحديات في تطبيق ذلك في بعض المناطق نتيجة ضعف السياسات، وقلة الموارد المالية، وصعوبة تحديث المباني، فإن وضع معايير واضحة للتهوية ودعم التحسينات الأساسية يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا.

  • المساواة في أولوية التنظيم بين الهواء الداخلي والخارجي: لا تزال البيئات الداخلية تحظى بأولوية سياسية وتنظيمية أقل بكثير مقارنة بالخارجية، مما يمثل عقبة رئيسية في معالجة المشكلة بفعالية. ويتطلب سد هذه الفجوة جعل الهواء الداخلي أولوية واضحة في السياسات ودمجه ضمن الاستراتيجيات الصحية والبيئية. فبدون هذا التوازن، ستظل الجهود لتحسين جودة الهواء وحماية الصحة العامة محدودة الأثر.

إن الهواء الذي نتنفسه في الداخل لا يقل أهمية عن الهواء في الخارج، لكنه لا يزال يُهمل بشكل خطير. وإذا كنا جادين في حماية الصحة العالمية، فلا بد أن تتقدم هذه القضية في النقاشات العامة، ليصبح هواء الأماكن المغلقة أولوية حقيقية لا مجرد أمر ثانوي.

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

مقالات ذات صلة