لقد غيّرت التكنولوجيا المشهد المالي العالمي بشكل لا رجعة فيه. ومع ذلك، ورغم التقدّم السريع الذي أتاحته الثورة الرقمية، لا يزال 1.4 مليار بالغ حول العالم محرومين من الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية. وهذا تذكير صارخ بأن الابتكار سبق الشمول، ما ترك قدرًا هائلًا من الطاقات البشرية دون استثمار. إنها فرصة تاريخية لإعادة تعريف معنى الوصول المالي.
العائق الأكبر أمام هذا التحول ليس البنية التحتية أو الموقع الجغرافي، بل هو غياب النية. فالتحدي الحقيقي يتمثل في بناء أنظمة مالية تراعي الشمول عمدًا، وتستند إلى مبدأ الإنصاف وعزيمة الابتكار من أجل الجميع.
ويتركّز معظم من لا يملكون حسابات مصرفية في الأسواق الناشئة، حيث لا تزال فرص الوصول إلى النظام المالي الرسمي محدودة. لكن الرغبة في التغيير داخل هذه المناطق هائلة، وهذه الحاجة المتزايدة تُغذي تحولًا قويًا. ووفقًا لتقرير صدر عام 2023 عن مجموعة بوسطن الاستشارية وشركة QED للاستثمار، من المتوقع أن تصل إيرادات التكنولوجيا المالية عالميًا إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030، بدفع كبير من الأسواق الناشئة.
تحدي الابتكار في التكنولوجيا المالية
هذا الإمكان الواعد بدأ يتجسد فعليًا على أرض الواقع. فمن القاهرة إلى لاغوس، ومن جاكرتا إلى ساو باولو، لا تكتفي الاقتصادات الناشئة بتبني التكنولوجيا، بل تشارك في ابتكار أنظمة التشغيل المالية للمستقبل. والمحرّك الرئيسي لهذا التحول هو: الذكاء الاصطناعي.
يتيح الذكاء الاصطناعي للأسواق أن تتجاوز البنية التحتية التقليدية كليًا، متخطية الأنظمة المالية القديمة، ومعيدة تعريف معنى ""الشمول المالي"" من الأساس. لم يعد يُنظر إلى الشمول المالي على أنه هدف نبيل لكنه باهظ الكلفة، بل باتت الأنظمة البيئية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والمصممة لتكون محمولة أولًا، أكثر قدرة على التوسع، وأسهل في الوصول، وأكثر جدوى من الناحية التجارية.
هذا النموذج ليس نسخة مكررة من أسواق الدول المتقدمة، بل إطار جديد بالكامل، يستند إلى احتياجات وظروف المجتمعات المحرومة، ويُعد نموذجًا أوليًا لمستقبل التمويل؛ حيث تكون كل تفاعلات المستخدم متعددة اللغات، تعتمد على الصوت في المقام الأول، وتُغذّى ببيانات سياقية وبديلة. في هذا السياق، لا تُبنى الهوية المالية على درجات الائتمان التقليدية، بل على البصمات والسلوكيات الرقمية اليومية، من الرسائل المتبادلة إلى تعبئة الرصيد وأنماط تحديد الموقع الجغرافي.
مستقبل التمويل
بدءًا من عام 2025 وما بعده، لن يُقاس الشمول المالي بمجرد منح الفرد رقم حساب بنكي، بل سيُقاس بمدى قدرته على التفاعل السلس مع مجموعة كاملة ومتكاملة من الخدمات المالية — من المعاملات إلى الادخار، ومن الإقراض إلى الاستثمار — ضمن تجربة موحّدة وشاملة. وهذا ليس حلمًا طوباويًا، بل واقع يتشكل بالفعل.
على سبيل المثال، نجح بنك ""نوبانك"" في البرازيل، وهو بنك بلا فروع، في التوسع من خلال إعادة تعريف مفهوم الجدارة الائتمانية. أما شركة ""موني بوينت"" النيجيرية للتكنولوجيا المالية، فقد أنشأت منظومة مالية متكاملة حول المشاريع الصغيرة التي غالبًا ما يتم تجاهلها. تثبت هذه النماذج وغيرها أن الشمول المالي ليس عملًا خيريًا، بل نموذج أعمال مربح ومستدام.
أما في دولة الإمارات، فتجتمع عدة عوامل فريدة: تنوع سكاني، وبيئة تنظيمية تقدمية، وأطر مستقبلية مثل لوائح ""المحافظ المالية المخزنة"" و""خدمات الدفع بالتجزئة وأنظمة البطاقات""، مما أسّس بيئة غير مسبوقة لتطوير وتوسيع نطاق حلول مالية شاملة.
وتتعزز هذه البنية من خلال مبادرات مثل منظمة التعاون الرقمي، التي تسعى إلى دفع التحول الرقمي في الدول الأعضاء، بالإضافة إلى شراكات نشطة بين القطاعين العام والخاص تعمل على بناء أنظمة تكنولوجيا مالية قابلة للتشغيل البيني وعبر الحدود. ونتيجة لذلك، أصبحت الإمارات حاضنة للابتكار تُرسم فيها ملامح مستقبل التمويل والشمول المالي بشكل فعلي.
كيف تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تعريف الهوية المالية
هذا التحول ليس مجرد تغيير هيكلي، بل هو تحول إنساني في جوهره. فالشمول المالي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالناس كما هم، لا كما تتوقعهم الأنظمة التقليدية القديمة. بالنسبة لمن لا يمتلكون حسابات بنكية، لم تكن الأنشطة المالية غائبة يومًا، بل كانت ببساطة غير مرئية. لطالما صنّفتهم المؤسسات التقليدية على أنهم ""محفوفون بالمخاطر"" أو ""خارج دائرة الأهمية"". لكن اليوم، يقلب الذكاء الاصطناعي وبيانات البديلة هذه الرواية رأسًا على عقب.
فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أتمتة الإجراءات، بل يفهم تعقيدات السلوك البشري. إنه قادر على التمييز بين ""النية المالية"" والضجيج، وعلى اكتشاف فرص الادخار أو الاستثمار أو الاقتراض في الأماكن التي لا ترى فيها الأنظمة التقليدية سوى المخاطر. والأهم، أن الذكاء الاصطناعي يمنح الأفراد فرصة لبناء هويتهم المالية، مع كل معاملة يقومون بها.
وليس هذا مجرد طموح نظري، بل هو واقع يتحقق اليوم في دول مثل الهند، وجنوب شرق آسيا، وبشكل متزايد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يشكّل الشباب تحت سن 35 أكثر من 70% من السكان. وهذا يعني أن هناك فرصة هائلة لحلول التكنولوجيا المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجات فئة شابة ومتصلة رقميًا. وهذه القدرة على إنشاء هويات مالية بديلة تمثل نقطة تحول كبرى في مشهد الشمول المالي.
وفي ""أسترا تك""، نُجسّد هذه الفلسفة من خلال منتجنا الرائد ""بوتيم"". فمع أكثر من 150 مليون مستخدم نشط، بدأت رحلة ""بوتيم"" بتبسيط أمر مشترك وأساسي: التواصل. تخيّل أن تؤدي محادثة تحويل مالي إلى تفعيل عرض قرض صغير بشكل فوري، أو أن تثير رسالة صوتية بلهجة محلية نصائح ذكية حول الادخار مقدمة من الذكاء الاصطناعي. هذه ليست تصورات مستقبلية بعيدة، بل هي الحدود الجديدة لتمكين الأفراد ماليًا، وهي تتجلى أمامنا الآن.
مستقبل المال سيكون مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي
في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، تشهد أنظمة التكنولوجيا المالية صعودًا سريعًا يُحدث ثورة في عالم المال. ففي نيجيريا، نمت صناعة التكنولوجيا المالية بنسبة 70% في عام 2024. وفي إندونيسيا، ارتفعت المعاملات الرقمية بنسبة 226% في العام نفسه. أما في مصر، فقد نما النظام البيئي للتكنولوجيا المالية بمعدل 5.5 أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل خرائط طريق ترسم ملامح المستقبل.
العقد المقبل سيُشكَّل بأيدي المبتكرين الذين يوظفون الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات حقيقية في مجتمعاتهم، لا من قبل المؤسسات المالية التقليدية الكبرى. فمستقبل المال لن يُكتب في وادي السيليكون، بل سيتشكل في لاغوس وجاكرتا والقاهرة ودبي. إن الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والممزوجة بفهم عميق للسياقات المحلية، هي المفتاح لفتح هذا المستقبل.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي
