القائمة الرئيسية

كم يكفي من الاستهلاك لاقتصاد ما؟

كم يكفي من الاستهلاك لاقتصاد ما؟
ملخص المقال

يناقش المقال التحولات الاقتصادية في أكبر اقتصادين في العالم، الولايات المتحدة والصين، حيث يوضح كيف أدى الجمع بين الثروة المفاجئة، تقليل ساعات العمل، وتسويق الاستهلاك إلى جعل الإنفاق الاستهلاكي الركيزة الأساسية للاقتصاد الأمريكي، الذي يعتمد على نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي. في المقابل، تحاول الصين، التي بني اقتصادها على التصنيع وأصبحت ""مصنع العالم""، إعادة توازن اقتصادها عبر تعزيز الاستهلاك المحلي وتقليل الاعتماد على الصادرات. يعكس هذا التباين في الأهداف الاقتصادية تحديات في السياسات الاقتصادية والتوازن التجاري، خصوصًا مع الفجوة في معدلات الادخار والطلب المحلي. كما يشير المقال إلى أن إعادة التصنيع في أمريكا تواجه صعوبات مع فقدان قاعدة الإنتاج، في حين تواجه الصين تحديات في زيادة الطلب الاستهلاكي رغم النمو الصناعي. ويطرح المقال أهمية تحقيق توازن صحي في معدلات الاستهلاك بين البلدين لتحقيق فوائد اقتصادية وتقليل التوترات السياسية والثقافية الناجمة عن الاختلافات الاقتصادية.

كانت تلك عاصفة مثالية اجتمعت فيها الثروة المفاجئة، وعطلات نهاية الأسبوع، وطرق جديدة لبيع السعادة.

ففي الفترة الممتدة بين نهاية القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، شهدت الإنتاجية في الولايات المتحدة طفرة، وتراجع عدد ساعات العمل الأسبوعية للعمال، فيما أتقن تجار التجزئة استخدام الإعلانات لامتصاص أكبر قدر ممكن من الدخل المتاح للإنفاق، من خلال تصوير عملية الشراء البسيطة كطقس يُضفي شعورًا بالرضا والإشباع.

أصبح الإنفاق الاستهلاكي الشخصي في أمريكا اليوم حجر زاوية ثقافيًا، إذ يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وعلى الجانب الآخر من الأرجوحة الاقتصادية العالمية، تحاول الصين تعزيز الاستهلاك المحلي من خلال مزيج من الحوافز. فالدولة التي رسّخت التصنيع إلى أن أصبحت ""مصنع العالم""، تسعى الآن إلى إعادة التوازن، من خلال تقليص اعتمادها على الصادرات.

وهذا يعني أن أكبر اقتصادين في العالم يدفعان فعليًا في اتجاهين متعاكسين: فبينما تتوق الصين إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي، تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى موازنة إنفاقها المرتفع بزيادة في الإنتاج. هذا التباين في الأجندات يطرح سؤالًا جوهريًا: ما هو مقدار الاستهلاك المناسب؟

يقول إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل، في تصريحات على هامش منتدى دافوس الصيفي: ""يمكن للمرء أن يجادل بأن الولايات المتحدة ليست بالضرورة المعيار الأنسب"". فالبلاد تدخر القليل نسبيًا، وتعاني من عجز تجاري فادح. أما في الصين، فإن ارتفاع معدلات الادخار يشير إلى أن الناس يشعرون بضرورة التعويض عن شبكة الأمان الاجتماعي التي وصفها براساد بأنها ""مهلهلة"".

وأضاف: ""لا نملك مقياسًا واضحًا لما ينبغي أن تكون عليه نسبة الادخار المثالية""، لكنه أكد أن الصين تظل حالة استثنائية. كما أن الفائض في الطاقة الإنتاجية لبعض صناعاتها المحلية يزيد من إلحاح الحاجة إلى تحفيز الاستهلاك.

وتابع براساد: ""عمليًا، لا يكاد يخلو أي وثيقة سياسات اقتصادية حكومية تتناول تغييرات كبرى من الحديث عن هذه الحاجة"".

النمو القائم على التصنيع ودمى باربي

في تسعينيات القرن التاسع عشر تضاعفت السلع منخفضة التكلفة في أمريكا. أرتيمس وارد أحد رواد الإعلانات أتقن استخدام الأناشيد الدعائية وابتكر حيلة ترويجية تمثلت في إرسال بحار في قارب صغير بشكل مقلق في رحلة عبر الأطلسي للترويج لعلامة تجارية لصابون. في تلك الفترة تقريبًا ظهر مصطلح الاستهلاك الاستعراضي لوصف التفاخر بالقدرة على شراء أفضل ما هو متاح من طعام وشراب ومخدرات ومأوى وخدمات وزينة وملابس وأسلحة ومستلزمات ووسائل ترفيه وتمائم وأصنام أو آلهة.

واصل الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة ازدهاره خلال النصف الثاني من القرن العشرين لكن لم يكن هناك نمو صناعي موازٍ. فقد جعلت العولمة من السهل ببساطة استيراد المزيد من السلع من الخارج.

انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 وبعد عقدين كان اقتصادها قد تضاعف بنحو 13 مرة وأصبحت الولايات المتحدة تعتمد عليها في ما يقارب خُمس وارداتها في حين كانت تسجل عجزًا تجاريًا معها بلغ 355 مليار دولار أمام منافس يتقدم بخطى سريعة.

وفي نهاية المطاف بدأت هذه المعادلة تبدو مشكوكًا فيها بالنسبة لعدد متزايد من الناس والساسة صحيح أن الاستهلاك حافظ على دوران عجلة الاقتصاد الأمريكي لكنه لم يكن بمثابة مرساة حقيقية وهكذا أصبحت إعادة التصنيع شعار المرحلة لكن ثمة معضلة كما أوضحت أستاذة الاقتصاد السياسي بجامعة جونز هوبكنز يوان يوان آنغ خلال جلسة في منتدى دافوس الصيفي.

قالت لا يوجد دليل مُجرَّب ومؤكد لإعادة التصنيع نحن نعرف كيف نصبح صناعيين لكن لا نعرف حقًا ما الذي ينبغي فعله عندما تكون قد أصبحت صناعيًا بالفعل ثم نقلت كل إنتاجك إلى الخارج وتريد الآن استعادته مجددًا.

ومع تراجع القاعدة الصناعية الأمريكية تولد عن النمو الصيني القائم على التصنيع مزيد من الثروة والإنفاق حاولت الولايات المتحدة الاستفادة من هذا الواقع عبر تصدير بعض منتجاتها لكن إحدى المحاولات الباهظة لترويج دمى باربي في السوق الصينية باءت بالفشل

ترجمت بعض المنتجات الأخرى نجاحًا أكبر في الأسواق المحلية، مثل الساعات السويسرية. وقد أثر تراجع اهتمام المستهلكين الصينيين بالساعات الفاخرة بشكل واضح على أسعار أسهم شركات صناعة الساعات السويسرية.

مؤخرًا، أثار انخفاض معنويات المستهلكين في الصين قلقًا متزايدًا. وأوضح براساد أن هناك تقدمًا ملموسًا في هذا المجال، لكن جاءت جائحة كورونا لتعرقل الوضع، قائلاً: «تبني الصين المزيد من المصانع وتنتج أعدادًا أكبر من السيارات الكهربائية، على سبيل المثال، لكن الطلب على هذه المنتجات لا يزال ضعيفًا.»

في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الإنفاق الاستهلاكي لدعم اقتصادها، بينما تستمر جهود إعادة التصنيع التي لم تكتمل بعد.

حاول الباحثون تفسير هذا الفرق من خلال عوامل ثقافية، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن الدول التي تتبع التقاليد الكونفوشيوسية تميل إلى معدلات استهلاك أقل بكثير من المتوسط العالمي. ومع ذلك، قد يكون هذا التفسير قابلاً للنقاش، كما هو الحال مع فكرة «أخلاقيات العمل البروتستانتية» التي تُربط عادة بالولايات المتحدة رغم استهلاكها الكبير.

إن تحقيق توازن صحي في معدلات الاستهلاك بين البلدين يمكن أن يحقق فوائد كبيرة. ويُعتبر الوصول إلى هذا التوازن دون أن يؤدي الاختلاف الحالي إلى زيادة التوترات والعداوات هو الهدف المثالي.

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

 

مقالات ذات صلة