القائمة الرئيسية

كيف يمكن للصين أن تتفوق في ساحات المنافسة الجديدة

كيف يمكن للصين أن تتفوق في ساحات المنافسة الجديدة
ملخص المقال

شهدت الصين خلال العقود الماضية تحوّلاً اقتصاديًا استثنائيًا رفع مئات الملايين من الفقر وأرسى مكانتها كقوة اقتصادية عالمية، ويرى معهد ماكنزي العالمي أن مشاركتها الفاعلة في ""ميادين التنافس"" الديناميكية مثل المركبات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، تمثل مفتاح نموها المستقبلي. وتتمتع الصين بإمكانات قوية في هذه الميادين بفضل سوقها الضخم، وقاعدة التصنيع المتينة، والدعم الحكومي، وبيئة الابتكار. غير أن النجاح المستدام يتطلب من الشركات الصينية تبني ثلاث ضرورات أساسية: التعاون العالمي، وزيادة الاستثمار في البحث العلمي الأساسي، وتحديث نظام التعليم لإعادة تأهيل القوى العاملة لمواكبة اقتصاد رقمي متطور. وبينما تواجه الصين تحديات بيئية وسياسية متغيرة، فإنها مهيأة لتشكيل مستقبل ميادين النمو العالية، ما يعزز فرصها في خلق اقتصاد أكثر ابتكارًا وشمولية وتكاملاً عالميًا.

شهدت الصين تحوّلًا اقتصاديًا استثنائيًا على مدار الخمسة وعشرين عامًا الماضية. فقد أدّى النمو السريع في البلاد إلى انتشال مئات الملايين من الفقر، وظهور طبقة متوسطة مزدهرة، وترسيخ مكانة الصين كقوة اقتصادية عالمية.

ورغم تعدد العوامل التي أسهمت في هذا النجاح، فإن أبحاث معهد ماكنزي العالمي (MGI) تقدّم منظورًا إضافيًا، إذ تشير إلى أن المشاركة الفاعلة في ""ميادين التنافس"" الأهم تُعدّ أمرًا حاسمًا لتحقيق نمو استثنائي وفتح آفاق واسعة للدول والشركات على حدّ سواء.

فما هي هذه ""الميادين""؟ وكيف يمكن للصين أن تهيئ نفسها لتحقيق الازدهار من خلالها؟

لقد حققت الصين نجاحًا ملحوظًا في عدد من هذه الميادين، مثل المركبات الكهربائية، وأجهزة الحاسوب الشخصية، والتجارة الإلكترونية، والتجارة الاجتماعية، حيث بدأت الشركات المحلية بالفعل بشق طريقها نحو الأسواق العالمية. ويعود هذا التقدّم إلى مزيج من العوامل، أبرزها: سوق محلية ضخمة تتيح للشركات التوسع السريع، وقاعدة تصنيع قوية، ودعم حكومي نشط، وبيئة ريادية شجّعت على الابتكار.

ومع التطلّع إلى العقود القادمة، يبرز سؤال جوهري: ما هي ميادين التنافس المستقبلية؟ وإلى أي مدى تستعد الصين لمواجهتها والتفوّق فيها؟

ميادين قد تزدهر فيها الشركات الصينية

يُسلّط تحليل معهد ماكنزي العالمي (MGI) الضوء على ميادين المستقبل، إذ حدّد 18 ميدانًا من المحتمل أن تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، بإيرادات تُقدّر بين 29 تريليون و48 تريليون دولار، وأرباح تتراوح بين 2 تريليون و6 تريليونات دولار بحلول عام 2040.

تتمتع الصين بقدرة واعدة على المنافسة والنجاح في عدد من هذه الميادين المستقبلية. فعلى سبيل المثال، برزت بعض الشركات الصينية كلاعبين رئيسيين في التجارة الإلكترونية والخدمات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، مستفيدة من الابتكارات في تحليلات البيانات وكفاءة سلاسل الإمداد لتحقيق نجاح ملحوظ في الأسواق العالمية.

في مجال الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بدأت شركات الإنترنت والتجارة الإلكترونية الراسخة مثل علي بابا وبايدو بدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تطبيقات مثل التعليم المخصص، وإنشاء مقاطع الفيديو القصيرة، وبرمجيات المؤسسات. كما أن شركات ناشئة مثل DeepSeek حققت تقدّمًا لافتًا في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة.

أما في مجالات المركبات الكهربائية، والبطاريات، والروبوتات، فقد حقّقت الصين تقدمًا بارزًا يؤسس لنمو مستقبلي قوي. فقد سجلت شركات محلية مثل BYD، إلى جانب شركات ناشئة مثل XPeng، خطوات كبيرة داخل الصين، وتوسّعت نحو الأسواق العالمية، بدعم من سلسلة قيمة متكاملة تشمل المواد الخام، والبطاريات، والخدمات الرقمية.

وفي مجال الروبوتات، تلعب الروبوتات الخدمية دورًا متزايد الأهمية في دعم قطاعات الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية. وتبرز هذه الأمثلة قدرة الصين على الريادة في ميادين ناشئة، مستفيدة من حجم سوقها، ومنظومة الابتكار لديها، وخبرتها التقنية.

ثلاث ضرورات أساسية أمام الشركات الصينية

إلا أن النجاح في هذه الميادين، وغيرها من ميادين المستقبل، سيتطلب ما هو أكثر من مجرد الاستفادة من نقاط القوة القائمة. فهناك ثلاث ضرورات رئيسية تبرز أمام الشركات الصينية:

1. التعاون على المستوى العالمي
إن العديد من ميادين المستقبل – مثل الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الفضاء، والرعاية الصحية من الجيل الجديد – بطبيعتها عابرة للحدود. وسيعتمد النجاح فيها على قدرة الصين على التعاون مع الشركات وأصحاب المصلحة حول العالم. ويشمل ذلك بناء شراكات دولية، والمشاركة في وضع المعايير العالمية، وضمان قدرة الشركات الصينية على المنافسة والازدهار في الساحة الدولية.

2. الاستثمار في البحث الأساسي
رغم تميّز الصين في الابتكار القائم على التطبيقات خلال العقود الماضية، إلا أن البلاد لا تزال متأخرة في مجال البحث العلمي الأساسي. فحتى عام 2024، لم تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث الأساسي 7% من إجمالي ميزانية البحث والتطوير في الصين، مقارنةً بنسبة تتراوح بين 10% و15% في الاقتصادات المتقدمة.

لكن العديد من ميادين المستقبل ستتطلب تحقيق اختراقات في العلوم الصلبة والتقنيات التأسيسية. وهذا يستدعي زيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي، ووضع سياسات تشجع على المخاطرة والتفكير طويل الأمد.

3. إعادة تأهيل القوى العاملة الصينية لمستقبل العمل
لكي تعمّ فوائد ميادين المستقبل مختلف شرائح المجتمع الصيني، سيكون من الضروري إحداث تحول عميق في نظام التعليم وتطوير المهارات. فرغم أن نظام التعليم في الصين مناسب إلى حد كبير لاقتصاد صناعي، إلا أنه بحاجة إلى التطور لمواكبة متطلبات اقتصاد رقمي وما بعد صناعي.

يتطلب هذا التحول التركيز على التعلّم مدى الحياة، واعتماد التقنيات الرقمية، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص. كما أن العمال المهاجرين من الريف إلى المدن – الذين يشكلون نسبة كبيرة من القوى العاملة – يواجهون عوائق فريدة تحول دون وصولهم إلى التعليم والتدريب، ومعالجة هذه الفجوات ستكون ضرورية لضمان نمو شامل وعادل.

الصين مهيأة للنجاح في ميادين النمو العالي
لقد تميزت رحلة الصين الاقتصادية خلال العقدين الماضيين بقدرتها على اغتنام الفرص في ميادين النمو السريع. ومع انتقال العالم نحو مجموعة جديدة من القطاعات التحولية، تبدو الصين في موقع قوي لتحقيق الازدهار. إلا أن النجاح في هذا المشهد الجديد يتطلب اعتماد خطة عمل جديدة تركز على التعاون العالمي، والابتكار الأساسي، والتعليم.

ومن المؤكد أن الصين ستحتاج إلى التنقل في بيئة عالمية متزايدة التعقيد، تتسم بتغيرات في الديناميات الجيوسياسية، وتطور العلاقات التجارية، وتصاعد المنافسة في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

ومع ذلك، فإن الخيار واضح: يمكن للصين أن تبني على أساسها القوي لتشكيل مستقبل هذه الميادين، وخلق قيمة اقتصادية ليست فقط كبيرة، بل وأيضًا اقتصاد أكثر ابتكارًا وشمولية وتكاملاً عالميًا. الفصل التالي من قصة الصين الاقتصادية في انتظار الكتابة، والفرص المتاحة واسعة ومليئة بالإثارة.

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

مقالات ذات صلة