القائمة الرئيسية

توقعات الشباب المهنية لا تتوافق مع واقع سوق العمل

توقعات الشباب المهنية لا تتوافق مع واقع سوق العمل
ملخص المقال

يُظهر تقرير ""حالة استعداد المراهقين عالميًا للحياة المهنية"" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بالتعاون مع شركاء، أن أحلام المراهقين بوظائف مرموقة غالبًا ما تصطدم بغياب مسارات واضحة نحو المؤهلات المطلوبة، وسط أزمة متنامية من عدم اليقين المهني. فالكثير منهم لا يعرفون ما يريدون، أو يخططون لمهن لا تتناسب مع مستوى تعليمهم، بينما تؤثر الخلفية الاجتماعية بشكل يفوق الأداء الأكاديمي في تحديد الطموحات. لكن الحلول موجودة: فالإرشاد المهني المبكر والفعال، المدعوم بشراكات مع أرباب العمل، يثبت نجاحه في توجيه الشباب نحو قرارات تعليمية واقعية، تضيق فجوات التفاوت وتربط بين طموحات اليوم وفرص الغد.

بقلم: اندريس شلايشر

إذا كان مقياس المجتمع هو مدى قدرته على تمكين شبابه من كتابة قصص حياتهم بأنفسهم، فإن تقريرنا الجديد بعنوان ""حالة استعداد المراهقين عالميًا للحياة المهنية"" يُعد بمثابة جرس إنذار. يستند هذا التقرير إلى أصوات حوالي 700,000 مراهق في سن الخامسة عشرة، وقد تم تطويره بالتعاون مع مؤسسة التعليم وأرباب العمل (Education and Employers) وشركة أمازون. ويُظهر التقرير أن العديد من الطلاب يطمحون إلى الحصول على وظائف مرموقة، لكنهم يفتقرون إلى مسار واضح نحو المؤهلات والمهارات المطلوبة لتحقيق تلك الطموحات.

عدم اليقين المهني بين المراهقين في سن الخامسة عشرة وصل إلى مستويات أزمة. ففي مطلع القرن، كان واحد فقط من كل أربعة مراهقين يعجز عن تسمية الوظيفة التي يتوقع أن يعمل بها بحلول سن الثلاثين. أما اليوم، فتبلغ نسبة الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الذين يندرجون ضمن فئة ""لا أعرف"" 39% – وهي أعلى نسبة على الإطلاق وقفزة حادة منذ عام 2018. وهذا النوع من عدم اليقين له تبعات كبيرة، لأنه يولّد التردد؛ فالشباب الذين لا يستطيعون تصور مستقبلهم أقل ميلاً لبذل الجهد في الحاضر، وتُظهر الدراسات طويلة الأمد أنهم يدخلون مرحلة البلوغ بآفاق توظيف أضعف.

لكن مجرد وجود خطة لا يكفي إذا كانت تلك الخطة غير واقعية. فـ58% من الطلاب الذين ذكروا أهدافًا مهنية يتوقعون العمل في وظائف مهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين، على الرغم من أن هذه الوظائف لا تمثل سوى جزء صغير من القوى العاملة. والأكثر إثارة للقلق أن واحدًا من كل خمسة طلاب يتوقع الحصول على وظيفة مهنية بينما يقول في الوقت نفسه إنه سيتوقف عن الدراسة بعد المرحلة الثانوية، وهو مزيج ترتبط به نتائج أضعف في سوق العمل حسب الإحصاءات. وعندما يصطف الجميع على نفس الباب، فإن كثيرين منهم سينتهي بهم المطاف إلى خيبة أمل.

لكن المقلق أكثر هو مدى التفاوت في توزيع الفرص. يُظهر التقرير أن الخلفية الاجتماعية والاقتصادية تؤثر في الطموح التعليمي أكثر من الأداء الأكاديمي. فبين الطلاب ذوي الأداء العالي، أولئك الذين ينتمون إلى الربع الأدنى من حيث الدخل أقل احتمالًا بنسبة 22 نقطة مئوية في أن يخططوا لإكمال التعليم الجامعي مقارنة بأقرانهم من العائلات الأكثر ثراءً. وإذا قلبنا المقارنة، تبدو الصورة أكثر حدة: فالمراهق الضعيف أكاديميًا من عائلة ميسورة لديه احتمال أعلى في التطلع إلى دخول الجامعة من طالب متفوق ينتمي إلى عائلة فقيرة. وبمعنى آخر: الموهبة موجودة في كل مكان، لكن ترجمتها إلى طموح ليست كذلك.

تشير هذه المؤشرات – ارتفاع عدم اليقين، وتزايد الفجوة بين الطموح المهني والتعليمي، واستمرار الفوارق الاجتماعية – إلى رسالة واضحة: الشباب لا يفتقرون إلى الأحلام، بل إلى المعلومات الموثوقة والمخصصة حول كيفية تغيّر سوق العمل وما الذي يتطلبه النجاح فيه.

الخبر السار أن الإرشاد المهني الفعّال أثبت نجاحه في تحسين النتائج، ويمكن تطبيقه بتكاليف معتدلة. تُظهر الأدلة من عشر دول أن المراهقين الذين يشاركون في أنشطة توجيه مهني متنوعة – مثل زيارات أماكن العمل، ومعارض الوظائف، والمحاضرات المهنية، والمحادثات المباشرة مع أرباب العمل والعاملين – هم أكثر احتمالًا بعد عشر سنوات لأن يكونوا موظفين، ويحققوا دخولًا أعلى، ويشعروا برضا أكبر عن عملهم مقارنة بأقرانهم. ويعود ذلك جزئيًا إلى أنهم اتخذوا قرارات تعليمية أكثر وعيًا خلال مسيرتهم.

العديد من أصحاب العمل متحمسون لدعم هذا النوع من المبادرات، لما لها من أثر إيجابي على تعزيز قنوات التوظيف وتحسين مواقف الموظفين، وقد بدأ الكثير منهم بالفعل في التطوع بوقتهم أو فتح أبواب مؤسساتهم أمام المدارس.

تُعد جولات ""Career Tours"" التي تنظمها أمازون مثالاً جيدًا على ذلك: حيث يمكن للطلاب من خلالها المشاركة في زيارات تفاعلية مباشرة عبر الإنترنت، وطرح الأسئلة على مهندسي البرمجيات، والمتخصصين في اللوجستيات، وفنيي الروبوتات، ليحصلوا على لمحة واقعية من الداخل عن وظائف ربما لم يكونوا ليصادفوها أبدًا. كما يُعد برنامج ""Inspiring the Future""، المتاح في المملكة المتحدة ونيوزيلندا وآيسلندا، نموذجًا آخر. يبدأ البرنامج بسؤال بسيط يُطرح على العاملين وأصحاب الوظائف: هل ترغب في تخصيص ساعة واحدة في السنة للتحدث إلى طلاب في مدرسة محلية عن وظيفتك؟ وبفضل توفر آلاف المتطوعين المحتملين، يصبح من السهل على المدارس العثور على الأشخاص المناسبين لدعم احتياجات المتعلمين المختلفين.

عندما تدمج المدارس هذه اللقاءات الواقعية ضمن المناهج الدراسية، وتقدّم الإرشاد المهني بشكل مبكر ومستمر، فإنها لا تزود الشباب بالمعلومات فحسب، بل تمنحهم أيضًا رأس مال اجتماعيًا وكفاءة ذاتية، مما يساعدهم على تحويل مؤهلاتهم إلى فرص حقيقية، ويقلص الفجوات الاجتماعية، ويمدّ الأسواق الرقمية والخضراء والديناميكية بالعمالة الماهرة التي تحتاجها.

الدرس السياسي واضح: لا ينبغي أن يُنظر إلى الإرشاد المهني على أنه عنصر إضافي يُلحق بنهاية المسيرة التعليمية، بل يجب أن يُدمج في نسيج التعلم منذ المرحلة الابتدائية، ويُقدَّم بشكل مكثف في الأماكن التي تكون الحاجة فيه أكبر. فهكذا تنجح أنظمة التعليم الرائدة، كما أظهرت نتائج PISA، في تحويل فضول الشباب الفطري إلى قدرة بشرية حقيقية. وعندما نساعد المراهقين على ربط الجهد المبذول اليوم بفرص الغد، فإننا لا نكتفي بسدّ الشواغر في سوق العمل، بل نوسع أيضًا المساحة التي يمكن لكل شاب فيها أن يتخيل – ثم يبني – حياة مُرضية وذات معنى.

المصدر: OECD

 

مقالات ذات صلة