شاركت في مؤتمر التبادل السلوكي الأسبوع الماضي في أبوظبي، وكان من بين الملاحظات التي جعلتني أتوقف وأفكر تلك التي قالتها الوزيرة شمّا المزروعي: «لفترة طويلة، ركزنا على تسهيل اتخاذ الخيارات، أما الآن فعلينا التركيز على جعل الناس أقوى». عكست الوزيرة خلال حديثها على تدخلات السياسات العامة التي هدفت إلى مساعدة الناس على اتخاذ قرارات أفضل، لكنها وجدت أن الناس يعودون إلى سلوكياتهم السابقة بدلاً من التقدم والتطور. من المبادرات العامة الشهيرة والممتعة كانت مثل درج البيانو (الذي يحول الدرج إلى لوحة مفاتيح بيانو ضخمة لتشجيع الناس على استخدام الدرج) أو سلة القمامة التفاعلية (لجعل إعادة التدوير أكثر جاذبية). ومع ذلك، أوضحت الوزيرة أنه بمجرد انتهاء هذه المبادرات، لم يحدث تغير جوهري في هوية الناس يدوم بعد الحملة، وهو ما كان ضروريًا للتحول من مجرد تغيير سلوكي مؤقت إلى تحول في الشخصية وامتلاك دائم للسلوك الإيجابي طوال الحياة.
هذا يقدم دروسًا قوية في مجال التعليم أيضًا. على مدى العقود الماضية، شهدنا العديد من التدخلات التعليمية التي حاولت تكييف الأنشطة التعليمية بما يتناسب مع اهتمامات وميول وخلفيات المتعلمين المختلفة. وهدفت هذه الجهود إلى تعزيز الدافعية والانخراط، مع إعطاء أولوية في كثير من الأحيان لرفاهية الطالب اللحظية على حساب الإنجاز طويل الأمد. ومع ذلك، تظهر نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أن مستويات تحصيل الطلاب بشكل عام، وكذلك الفوارق الاجتماعية بينهم، لم تتحسن عبر دول المنظمة خلال العشرين عامًا الماضية.
ما يتضح هو أن العديد من الدول التي تحقق أفضل النتائج التعليمية وأكثرها إنصافًا في تقييم PISA تعتمد على معايير وامتحانات صارمة وشاملة، وتتعامل مع الطلاب ذوي الاحتياجات، ليس بتخفيض المتطلبات أو تحويل التركيز بعيدًا عن الإنجاز، ولا بإلحاقهم ببرامج ذات توقعات أداء أقل، بل من خلال مضاعفة الدعم المقدم للمعلمين. كما يُظهر PISA أن أنظمة التعليم ذات الأداء الأعلى تميل إلى تعزيز عقلية النمو لدى الطلاب، حيث يؤمن الطلاب في هذه الأنظمة بأن النجاح هو نتيجة الجهد والطموح، وليس الذكاء الفطري. وهذه العقلية تختلف تمامًا عن أنظمة التعليم ذات النتائج الضعيفة، حيث يُنظر إلى النجاح غالبًا على أنه نتيجة الذكاء الموروث، ويُرسل للمتعلمين إشارات مفادها أنه لا يمكنهم تغيير ذلك بأي شكل من الأشكال.
الصعوبات والتحديات هي التي تبني قوة التحمل والصمود. كثير من التدخلات التعليمية التي تسهل الأمور على الطلاب الذين يواجهون صعوبات في التعلم لا تساعدهم على بناء مهاراتهم، بل تجعلهم يعتمدون على المساعدة. أحيانًا عندما نزيل العقبات، نزيد من اعتمادهم بدلاً من تمكينهم. الدعم الحقيقي للطلاب هو ما يغير هويتهم وطريقة تفكيرهم بشكل دائم، وليس مجرد مساعدتهم على فعل شيء لمرة واحدة. النجاح في العدالة والشمول لا يُقاس بمدى تسهيلنا للأمور على المدى القصير، بل بكمية الطلاب من البيئات الصعبة الذين يصلون إلى مستويات عالية من التفوق، ويتصرفون بحكمة حتى عندما لا يراقبهم أحد، ويظلّون أقوياء في مواجهة التحديات.
في هذا الزمن المتسارع، حيث تتلاشى الهياكل الثابتة والأنماط الافتراضية، يصبح الصمود والقدرة على التكيّف مع عالم متقلب وغير متوازن أمرًا أساسيًا. في مثل هذا الوقت، تصبح التدخلات التي تحفّز التفكير وتعزز الفهم "" تلك التي تُعلّم بدلًا من مجرد تحفيز ردود فعل سريعة "" أكثر قيمة بكثير من الدروس المصممة لإثارة استجابات فورية. وستكون التربية التي تشكّل الشخصية والقيم والهوية أكثر دوامًا وتأثيرًا من التعليم الذي يقتصر فقط على تقليل الجهد المعرفي وتبسيط المحتوى.
المصدر: OECD
