يُشكّل التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة (ECEC) عالي الجودة الأساس للتعلم مدى الحياة. فالأطفال الذين يلتحقون ببرامج تعليم مبكرة مصممة بشكل جيد يكونون أكثر احتمالًا للنجاح في المدرسة، والوصول إلى مستويات تعليمية أعلى، والحصول على وظائف مجزية. كما توفر هذه المرحلة فرصة فريدة لتنمية قدرات رئيسية مثل الفضول، والتعاطف، والإبداع، وغيرها من المهارات الاجتماعية والعاطفية. وتُعد هذه المهارات ضرورية في القرن الحادي والعشرين، وغالبًا ما تتطور لتصبح سمات شخصية دائمة.
لهذا من الرائع أن نرى جنوب إفريقيا تضع التعليم الأساسي الجيد في صميم أولوياتها التعليمية خلال رئاستها لمجموعة العشرين. ففي الشهر الماضي، اجتمع ممثلو دول مجموعة العشرين وشركاؤها بالقرب من جوهانسبرغ لمناقشة أهمية اعتبار التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة ضرورة اقتصادية واجتماعية عالمية، وأنا أؤيد ذلك تمامًا.
تمتد فوائد التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة (ECEC) عالي الجودة إلى ما هو أبعد من الأفراد. فكلما كان السكان أكثر تعليمًا، كانت القوى العاملة أقوى، والابتكار أكبر، والتماسك الاجتماعي أفضل. كما يدعم التعليم المبكر عالي الجودة المشاركة الأوسع في سوق العمل من خلال تمكين الوالدين من العمل، مما يسهم في توسيع حجم القوى العاملة ويقلل من خطر عيش الأطفال في الفقر. ويعزز كذلك جاهزية الأطفال للمدرسة ويحسن فرصهم المستقبلية في سوق العمل – مما يمنحه القدرة على الإسهام في بناء مجتمع أكثر عدلاً. وباختصار، فإن التعليم المبكر استثمار يحقق عوائد اجتماعية واقتصادية ضخمة.
تحدياتنا
تواجه العديد من دول مجموعة العشرين تحديات متشابهة. فعلى سبيل المثال، الأطفال المحرومون، ولا سيما من هم دون سن الثالثة، غالبًا ما يكونون أقل قدرة على الوصول إلى التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة. وبمعنى آخر، فإن الأطفال الذين هم في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من التعليم هم من يحصلون عليه بأقل قدر ممكن. إذ يمكن أن تشكّل الحواجز الثقافية، وتكاليف التعليم، ونقص المعلومات المتاحة عوائق أمام الأسر تحول دون تسجيل أطفالها، وتكون هذه الحواجز أشدّ وطأة على أولئك الذين يمكن أن يستفيدوا منه أكثر من غيرهم. وحتى إذا أُتيحت الفرصة للأطفال المعرضين للخطر للوصول إلى التعليم، فإنهم يُستبعدون بشكل غير متناسب من فرص التعلّم عالية الجودة.
وبالتالي، فإن التحدي الماثل أمام وزراء مجموعة العشرين ذو شقين: أولًا، إيجاد وسائل لإزالة العوائق التي تعرقل المشاركة، وثانيًا، ضمان توفير تعليم مبكر عالي الجودة لجميع الأطفال، ولا سيما أولئك القادمين من خلفيات محرومة.
وقد وضعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) خارطة طريق شاملة للسياسات في مجال التعلّم المبكر لدعم الوزراء في هذا المجال، وتشمل ثلاثة مجالات تركيز رئيسية:
الاستثمار في القوى العاملة
يبدأ تحسين جودة التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة بالاستثمار في القوى العاملة. ووفقًا لمسح ""تاليس للبدايات القوية"" الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، أفاد العاملون في هذا المجال بأنهم يتمتعون بثقة عالية في دعم النمو العام للأطفال، لكنهم أقل ثقة بكثير عند التعامل مع الأطفال المحرومين. وهذا يشير بوضوح إلى الحاجة لمزيد من التدريب والدعم، لا سيما في الممارسات الشاملة. ومع ذلك، يواجه العديد من العاملين فرصًا محدودة للتطوير المهني، إلى جانب تدنّي الأجور وانعدام الأمن الوظيفي، ما يصعّب جذب الكفاءات والاحتفاظ بها.
كما أن القيادة تلعب دورًا محوريًا. فالقادة المؤهلون والمُمَكَّنون قادرون على بناء فرق أقوى، وتعزيز التعاون، وضمان الالتزام بمعايير الجودة حتى في البيئات الأكثر تحديًا.
تطوير سياسات شاملة مع تقديم دعم إضافي لمن هم في أمسّ الحاجة إليه
ينبغي أن تتاح لكل طفل فرصة الاستفادة من تعليم مبكر عالي الجودة – لكن ليس كل الأطفال يبدأون من نفس النقطة. فالأطفال الذين يواجهون أكبر العقبات يجب أن يحصلوا على أكبر قدر من الدعم. لقد طبّقت بعض دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مثل لوكسمبورغ والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا، إعانات مالية موجهة تقلل من تكاليف التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة للأسر ذات الدخل المنخفض. وإذا كنا نرغب في تحقيق المساواة، فإن فتح الباب وحده لا يكفي؛ بل علينا أن نوجّه من هم الأبعد عنه.
دمج التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية
بالنسبة لكثير من الأسر، يعني الحصول على الدعم التنقل بين أنظمة مختلفة – واحدة للرعاية الصحية، وأخرى لرعاية الأطفال، وثالثة للمساعدة الأسرية. لكن عندما تتكامل هذه الخدمات، يكون الأثر أكبر والإجراءات أسهل. ففي ولاية كوينزلاند الأسترالية، تقدم بعض المراكز كل شيء في مكان واحد: مجموعات اللعب، والتعليم المبكر، والفحوصات الصحية، ودعم الآباء. إنها فكرة بسيطة، لكنها تسهّل الحياة على الأسر وتمنح الأطفال بداية أقوى.
التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة: الاستثمار الأكثر جدوى من حيث التكلفة
يجب ألا يكون التعليم في الطفولة المبكرة رفاهية أو أمرًا ثانويًا. فالتعليم عالي الجودة في هذه المرحلة هو استراتيجيتنا الأكثر فاعلية من حيث التكلفة للحد من التفاوتات الاجتماعية، وتحسين النتائج على المدى الطويل، وبناء مجتمعات أكثر عدلاً وقوة. ومع كون التعلم الأساسي أولوية في مجموعة عمل التعليم ضمن رئاسة مجموعة العشرين لهذا العام، فإنها فرصة للدول لتقديم التزامات حقيقية – ليس بالكلمات فقط، بل من خلال السياسات والممارسات الفعلية.
المصدر: OECD
