ماذا لو أخبرتك بأنك تتلقى فاتورة في كل مرة يتم فيها قطع غابة، أو تجفيف أرض رطبة، أو انهيار مخزون سمكي؟
قد لا تصلك في ظرف بريدي، أو تُخصم مباشرة من حسابك البنكي، لكنني أؤكد أنك تدفع ثمنها بطريقة أو بأخرى — سواء من خلال فاتورة مشترياتك، أو تكاليف الرعاية الصحية، أو أقساط التأمين.
تدمير الطبيعة ليس مجرد قضية بيئية؛ بل هو استنزاف اقتصادي يؤثر على كل أسرة.
المتاجرة بسبل العيش
كما لاحظ كثيرون، ارتفعت أسعار الغذاء بشكل حاد في السنوات الأخيرة، ويُعد فقدان الطبيعة أحد المساهمين الرئيسيين في ذلك.
إذ يعتمد نحو 75% من المحاصيل الغذائية في العالم على الملقِّحات مثل النحل والفراشات. لكن تدمير المواطن الطبيعية والاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية يؤدي إلى تدهور هذه الأنواع، مما ينتج عنه انخفاض في المحاصيل، وارتفاع في الأسعار، وحاجة إلى استثمارات أكبر لإطعام السكان المتزايدين.
وتُظهر مصائد الأسماك قصة مشابهة؛ فهناك أكثر من 3 مليارات شخص يعتمدون على الأسماك والمأكولات البحرية كمصدر رئيسي للبروتين. ومع ذلك، فإن الصيد الجائر وتدمير المواطن البحرية يؤديان إلى انهيار مخزونات الأسماك. وعندما تتدهور المصائد، ترتفع الأسعار، وتختفي الوظائف، وتتضرر اقتصادات المناطق الساحلية.
كما تُعد الطبيعة حليفًا مهمًا في التكيف مع آثار تغير المناخ. فالنظم البيئية الطبيعية تؤدي دور الدفاعات الطبيعية: الأراضي الرطبة الساحلية تمتص العواصف، والغابات السليمة تمنع اندلاع حرائق الغابات، وسهول الفيضانات تمتص الأمطار الغزيرة.
فقط غابات المانغروف توفر حماية من الفيضانات تُقدّر بـ65 مليار دولار سنويًا، وتحمي 15 مليون شخص حول العالم. ومع ذلك، نقوم في العديد من الأماكن بإزالتها لبناء مزارع الجمبري ومشاريع سياحية فاخرة ، وكل ذلك باسم النمو الاقتصادي. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى جعل مستقبل المجتمعات المحلية أكثر هشاشة.
فهل تستحق هذه المقايضة الثمن؟
الاستثمار الوقائي
من دون هذه الدفاعات الطبيعية، تكون العواقب المالية كارثية. ففي عام 2024، تكبّدت الولايات المتحدة 182.7 مليار دولار بسبب كوارث مناخية. ونتيجة لذلك، رفعت شركات التأمين أقساطها بنسبة وصلت إلى 57% خلال عام واحد فقط، مما يعني أن تكلفة تدمير الطبيعة تُحمّل مجددًا على المستهلك.
وقد صنفت بعض المناطق ""مثل كاليفورنيا "" على أنها غير قابلة للتأمين من قبل مزودي التأمين الرئيسيين، ومن المتوقع أن تحذو مناطق أخرى حذوها.
لكن عندما نقلب الصورة وننظر إلى ما يمكن تحقيقه عبر حماية الطبيعة واستعادتها والاستثمار فيها، تصبح المكاسب المالية هائلة.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يولد استصلاح 350 مليون هكتار من الغابات والنظم البيئية المائية المتدهورة بحلول عام 2030 نحو 9 تريليونات دولار لاقتصادات محلية ووطنية، من خلال تعزيز قطاعات الزراعة ومصائد الأسماك والسياحة.
وفي يوركشير بالمملكة المتحدة، اختار مجلس محلي الاستثمار في مشروع لإدارة الفيضانات الطبيعية بتكلفة 2 مليون جنيه إسترليني فقط، بدلاً من جدار خرساني مقترح بلغت كلفته نحو 20 مليون جنيه. وكانت النتيجة؟ حماية ناجحة للمدينة من فيضان يحدث مرة كل 25 عامًا.
صحة الإنسان والكوكب
عندما يتعلق الأمر بصحتنا، فقد ثبت أن الأشجار والمساحات الخضراء تقلل التوتر، وتخفض ضغط الدم، وتحسّن الصحة النفسية.
وتؤثر الأشجار"" رئة الكوكب "" بشكل كبير على رئتينا نحن أيضًا.
ففي عام واحد فقط في المملكة المتحدة، أزالت النباتات الطبيعية مثل الغابات والأعشاب 1.4 مليار كيلوغرام من ملوثات الهواء، مما ساهم في تقليل حالات دخول المستشفيات المرتبطة بأمراض الرئة والقلب، بل وخفض الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء.
ورغم كل ذلك، تتراجع الحكومات عن الإنفاق على الطبيعة. فقد خفّضت حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مؤخرًا التمويل المخصص للطبيعة في المستقبل. كما أن الحكومات المحلية تزيل المساحات الخضراء لصالح التوسع العمراني. وتُصرف الأراضي الرطبة لصالح الزراعة والتطوير العقاري.
أما شركات الصيد التجاري، فتدمر المحيطات، وتهدد التوازن البيئي البحري الدقيق الذي يحمي كوكبنا.
دمج إدارة مخاطر الطبيعة
في عام 2025، لا ينبغي أن نضطر بعد إلى إثبات أهمية حماية الطبيعة واستعادتها وتجديدها. فليست الطبيعة مجرد ""ميزة إضافية"" يمكن للحكومات أن تهتم بها عند توفر الميزانية؛ بل هي عنصر أساسي لسلامة مجتمعاتنا واقتصاداتنا وجميع أشكال الحياة على الأرض.
علينا أن نعيد التفكير في الطبيعة ونتخيلها كمكون جوهري للاستقرار الاقتصادي، فهي ليست نفقات اختيارية، بل ضرورة مالية.
وقد بدأت بعض الجهات بالفعل في اتخاذ خطوات رائدة، ففي مارس الماضي، شرع صندوق التقاعد الحكومي النرويجي العالمي في مسار غير مسبوق بدمج مخاطر رأس المال الطبيعي عبر محفظته الاستثمارية بالكامل، ليضمن أن العوامل البيئية مثل التنوع البيولوجي وصحة النظم البيئية تؤخذ بعين الاعتبار في التحليل المالي.
وقد صنّف المنتدى الاقتصادي العالمي فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية كثاني أكبر تهديد يواجه البشرية في السنوات العشر القادمة، ما يعزز ضرورة إدماج الحد من هذا الخطر والتكيف معه في جميع القرارات الحكومية والتجارية.
بدلًا من دعم الممارسات الزراعية والاستخراجية الضارة التي تعرض المجتمعات للخطر، يجب أن تبدأ الحكومات والشركات في الاستثمار في مرونة النظم البيئية. كما ينبغي للمؤسسات المالية أن تتعامل مع الطبيعة كفئة أصول مالية، لا كعنصر خارجي لا يدخل في الحسبان.
والأخبار الجيدة أن الطبيعة قادرة على التعافي إذا قمنا بحمايتها وتركيز الجهود عليها. فالمواطن البيئية يمكن أن تلتئم، والحلول موجودة. لكن إذا لم نبدأ بالاستثمار في الطبيعة الآن، فإن ""فاتورة الدمار"" لن تتوقف عن التضخم، وسيدفع الثمن الأكبر أولئك الذين يتحملون أقل قدر من المسؤولية.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي
