القائمة الرئيسية

لماذا يحتاج الابتكار إلى حوكمة أكثر ذكاءً، وليس مجرد تقنيات أسرع

لماذا يحتاج الابتكار إلى حوكمة أكثر ذكاءً، وليس مجرد تقنيات أسرع
ملخص المقال

مع تسارع الابتكار التكنولوجي وتجاوز التقنيات الحديثة لقدرة السياسات التقليدية على المواكبة، برزت الحوكمة الرشيقة كنهج مرن يدعم الابتكار المسؤول من خلال التعاون المبكر، والتجريب، وتكييف السياسات مع الواقع. تعتمد الحوكمة الرشيقة على مبادئ مثل التدرج، وتبادل المعرفة، وإشراك المجتمع في صنع السياسات. وقد أثبتت فعاليتها في تجارب واقعية مثل المركبات الذاتية في هولندا ومنصات LEGO الآمنة للأطفال. وتوصي منظمة OECD بتطبيق هذا النهج تدريجيًا، بما يساعد صناع السياسات على مواكبة التغيير وتوجيهه بدلًا من الاكتفاء بردّ الفعل.

زرع شريحة في الدماغ تترجم الأفكار مباشرة إلى كلام. محتالون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتقليد صوتك. شركات تسعى لإعادة الحيوانات المنقرضة إلى الحياة. قد تبدو هذه الأخبار وكأنها من أفلام الخيال العلمي، لكنها حقيقية وتظهر بشكل متزايد في وسائل الإعلام. فالتقنيات الجديدة – مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأنظمة الذاتية – تتطور بسرعة تفوق قدرة القوانين والسياسات على مواكبتها.

ومع طمس هذه التقنيات للحدود بين ما كان مستحيلًا وأصبح ممكنًا، أصبحت سرعة التغير بحد ذاتها تحديًا كبيرًا، يعوق قدرتنا على توجيه هذا التطور بشكل مسؤول. ولهذا يواجه صناع السياسات سؤالًا مهمًا: كيف يمكن تطوير أنظمة الحوكمة بالتوازي مع التقدم التكنولوجي، بحيث تتيح الابتكار وتقلل في الوقت نفسه من المخاطر التي قد تهدد المجتمع؟

ما هي الحوكمة الرشيقة؟

المسألة ليست بسيطة، فضعف الحوكمة قد يعيق الابتكار، ويقوّض ثقة الجمهور، ويعرّض المجتمعات لعواقب غير مقصودة. ولمواجهة هذا التحدي، بدأت بعض الحكومات في استكشاف مفهوم الحوكمة الرشيقة  وهي مقاربة تركز على المرونة والتعاون والتعلّم من خلال الممارسة.

تهدف الحوكمة الرشيقة إلى تعزيز الابتكار المسؤول من خلال تقليل الغموض التنظيمي، وإتاحة مساحة للتجريب، وتشجيع التعاون بين صنّاع السياسات والمبتكرين.

وعلى عكس نماذج الحوكمة التقليدية، تدمج الحوكمة الرشيقة بين تصاميم مختلفة للحوكمة، مثل بيئات التجريب (كالصناديق التنظيمية التجريبية)، واستشراف المستقبل، والسياسات المبنية على النتائج. ومن خلال التركيز على التوقّع والمشاركة في التصميم المشترك، تسعى هذه الحوكمة إلى دعم الابتكار وتوجيهه بدلًا من الاكتفاء بردّ الفعل تجاهه.

لذلك، تُعد الحوكمة الرشيقة عملية تكرارية واستجابية أكثر من كونها مجموعة قواعد أو قوانين ثابتة.

أمثلة على الحوكمة الرشيقة قيد التطبيق

تنجح الحوكمة الرشيقة عندما يتعاون صناع السياسات والمبتكرون بشكل مباشر طوال دورة السياسات وعملية الابتكار، بل ومن المراحل المبكرة قبل ظهور التحديات أو النزاعات. وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح هذا النهج:

  • منصات اختبار لحلول التنقل الذكي في هولندا:
    أتاحت هذه المنصات للسلطات العامة التعاون مع شركات خاصة وباحثين لاختبار المركبات المتصلة والذاتية القيادة في ظروف واقعية. وقد تم تعديل السياسات والمعايير التقنية بناءً على الدروس المستفادة من هذه التجارب، ما ساهم في تصميم سياسات أكثر ذكاءً تستند إلى بيانات حقيقية من الواقع.

  • تطبيق مبادئ السلامة في التصميم لدى LEGO:
    طبقت شركة LEGO مفهوم ""السلامة من خلال التصميم"" في منتجاتها، مثل إطلاقها لمنصة ""LEGO Life"" عام 2017، وهي شبكة تواصل اجتماعي مخصصة للأطفال دون سن 13، مزوّدة بخصائص أمان مدمجة. يسمح هذا النهج للمطورين ومقدمي الخدمات بالتعامل مع المخاطر الرقمية مسبقًا، من خلال التنبؤ بالمشكلات واكتشافها والتقليل منها طوال دورة حياة المنتج.
    ويقوم صناع سياسات، مثل مفوض السلامة الرقمية في أستراليا، بدعم هذه المبادرات من خلال توفير تقييمات وتوصيات وأدوات عملية لمساعدة الشركات على تعزيز السلامة الرقمية من خلال التصميم.

هذه الأمثلة تظهر كيف يمكن للحوكمة الرشيقة أن تعزز الابتكار المسؤول من خلال التعاون المبكر، والتجريب الواقعي، وتصميم الحلول بالتوازي مع تطوير السياسات.

مبادئ الحوكمة الرشيقة

لكي تنجح الحوكمة الرشيقة، يحتاج صناع السياسات إلى تبني طريقة تفكير أقرب إلى تلك التي يعتمدها المبتكرون؛ أي أن يكونوا استباقيين، سريعي الاستجابة، ومنفتحين على التكرار والتجريب. وفي المقابل، ينبغي على المبتكرين أن يتحملوا مسؤولية مشتركة تجاه المصلحة العامة.
وقد حدّدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ستة مبادئ أساسية للحوكمة الرشيقة تُمكّن من تحقيق الابتكار المسؤول:

  1. تطوير الحوكمة بالتوازي مع تطور التكنولوجيا:
    لا ينبغي السعي إلى وضع قوانين مثالية منذ البداية، لأن ذلك يبطئ الابتكار والتنظيم معًا. الأفضل هو التدرّج والتكيف مع كل مرحلة من مراحل تطور التكنولوجيا.

  2. توليد المعرفة من خلال الذكاء الاستراتيجي والتجريب:
    يتيح ذلك استباق التحديات المستقبلية في الحوكمة واكتساب رؤى قابلة للتطبيق في الواقع.

  3. التعلّم من خلال دوائر تغذية راجعة وتبادل المعرفة:
    يتطلب ذلك إنشاء قنوات تواصل مستمرة بين صناع السياسات والمبتكرين والمجتمع المدني.

  4. دمج اعتبارات الحوكمة في مسار الابتكار من بدايته:
    يمكن البدء بأساليب مرنة مثل ""الحوكمة من خلال التصميم"" في المراحل المبكرة، ثم الانتقال إلى آليات أكثر رسمية مثل ""الصناديق التنظيمية التجريبية"" في المراحل اللاحقة.

  5. تمكين المجتمعات من صياغة نماذج الحوكمة الخاصة بها:
    على سبيل المثال، تطوير مواثيق سلوك أو معايير صناعية للتكنولوجيا، ودعم تبادل المعلومات وأفضل الممارسات في التصميم والتنفيذ.

  6. المشاركة الواسعة في صنع السياسات والمعايير:
    إشراك أصحاب المصلحة المتعددين في صياغة السياسات يضمن أن تكون السياسات شاملة وتعكس القيم المجتمعية.

من خلال تطبيق هذه المبادئ، يمكن لصنّاع السياسات والمبتكرين معًا بناء منظومة حوكمة أكثر مرونة وشمولًا واستعدادًا للمستقبل منظومة تدعم الابتكار دون أن تنفصل عن القيم المجتمعية وثقة الناس.

نظرة إلى المستقبل: كيف يمكن لصناع السياسات البدء؟

توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بإدخال ممارسات الحوكمة الرشيقة تدريجيًا في عملية صنع السياسات. ويشمل ذلك ثلاث خطوات رئيسية:

  1. فهم الأساس والغاية من الآليات الرشيقة:
    على صناع السياسات أن يبدؤوا بفهم أهداف هذه الآليات، وفوائدها، وتحدياتها، ومتى وأين يكون استخدامها مناسبًا، وذلك لتحديد الأنسب منها للتقنيات قيد الدراسة.

  2. التعلّم من التجارب السابقة:
    الاستفادة من خبرات الآخرين الذين نجحوا في دمج هذه الآليات في أنظمتهم، يساعد في تجنب الأخطاء وتسريع عملية التبنّي.

  3. التواصل مع المنظومة المحلية من المبتكرين وصناع السياسات:
    من الضروري بناء علاقات تعاون وتفاهم مع الأطراف الفاعلة محليًا، لتكييف تطبيق الآليات الرشيقة بما يتناسب مع السياق المحلي.

ويقدّم تقرير جديد لمنظمة OECD بعنوان ""الآليات الرشيقة لتطوير التكنولوجيا المسؤولة"" رؤى أعمق في هذا المجال.

ورغم أن الابتكار التكنولوجي كان دائمًا جزءًا من تاريخ البشرية، إلا أن الطبيعة العالمية والمترابطة للمجتمعات والاقتصادات اليوم تُضخّم من سرعة التغيير وتأثيره. وبناءً عليه، فإن قدرتنا على دعم هذا الابتكار وإدارته يجب أن تتطور هي الأخرى.

تُعد الحوكمة الرشيقة أداة تمكّن صناع السياسات من مواكبة التغيير السريع وتشكيل مستقبل التكنولوجيا، بدلًا من الاكتفاء بردّ الفعل تجاهه.

المصدر: OECD

مقالات ذات صلة