في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات لإعادة النظر في تركيبة مجالس إدارة المنظمات غير الربحية، لا من باب التجميل المؤسسي، بل باعتبار التنوع ركيزة استراتيجية لبناء الحوكمة الفاعلة، وتعزيز فهم احتياجات المجتمعات المستهدفة. فغياب التنوع لا يقتصر على القيادات التنفيذية، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى قمة الهرم التنظيمي: مجلس الإدارة.
تشير نتائج مؤشر BoardSource الوطني لعام 2017 إلى أن تمثيل النساء في المجالس بات قريبًا من التوازن الكامل، لكن فجوة التنوع العرقي والعمري ما تزال قائمة: 84% من أعضاء المجالس من البيض، و83% فوق سن الأربعين. والأسوأ من ذلك أن تركيبة المجالس لم تشهد تغيّرًا يُذكر منذ عقدين.
في ظل هذه المعطيات، تزداد الحاجة إلى بناء مجالس شاملة تعكس واقع المجتمع وتفتح آفاقًا جديدة للفهم والخدمة، وتُسهم في تحقيق الأثر الاجتماعي والمالي المنشود.
لماذا يُعد تنوع المجالس ضرورة استراتيجية؟
لأن مجلس الإدارة مسؤول عن توجيه دفة المنظمة، فإن افتقاده للتنوع قد يُفضي إلى ""قصر نظر استراتيجي"" يفوّت عليه فهم القضايا العميقة التي تمس المجتمعات التي يخدمها. وكما قالت آن والستيد، الرئيس التنفيذي لـ BoardSource: ""غياب التنوع العرقي والثقافي في مجلس الإدارة يمثل فجوة خطرة في الفهم"".
فعندما لا تعكس تركيبة المجلس التنوّع الحقيقي في المجتمع، فإن صوت الفئات المستهدفة قد لا يجد طريقه إلى طاولة القرار. والأسوأ أن قرارات المنظمة قد تُبنى على تصوّرات معزولة، بعيدة عن الواقع المعاش.
إضافة إلى ذلك، فإن التنوع في مجلس الإدارة يُسهم في فتح المسار أمام قيادات جديدة بأفكار مختلفة وتجارب مثرية، ما يدعم استدامة المنظمة ونموها في بيئة متغيرة.
كيف يمكن تنويع مجالس الإدارة بفعالية؟
1. إعداد مبررات استراتيجية واضحة
لا يمكن تحقيق التنوع دون إقناع المجلس القائم بأهمية ذلك. الخطوة الأولى تبدأ بجمع بيانات ديموغرافية ونفسية عن الفئة المستفيدة من المنظمة، ثم مقارنتها بتركيبة المجلس الحالي. بعد ذلك، تُقدّم توصيات عملية تتضمن تغييرات في أساليب الاستقطاب، وتحديد أهداف تنوع قابلة للقياس، مع توضيح العائد المتوقع على الأداء والأثر.
2. بناء ثقافة شمولية تستوعب الجميع
لا يكفي دعوة أفراد من خلفيات متنوعة؛ بل يجب أن يشعروا بأنهم جزء أصيل من المنظومة. ويتطلب ذلك تحوّلًا ثقافيًا داخليًا، وجهدًا واعيًا من الأعضاء الحاليين لاستيعاب القادمين الجدد، لا سيما إذا كانوا من فئات عمرية أو اجتماعية غير مألوفة في السياق التقليدي للمجلس.
3. إشراك فئة الشباب بطرق ذكية
غالبًا ما يشعر الشباب أن عضوية مجلس إدارة منظمة غير ربحية أمر بعيد المنال. وقد يُثنيهم عن التقديم شعور بعدم التقدير أو نقص الخبرة. الحل يمكن أن يكون في استحداث مقاعد مخصصة للقيادات الناشئة أو إنشاء ""مجلس شبابي رديف""، يسمح لهم بالتدرّج نحو عضوية كاملة مع مرور الوقت.
4. كسر الحلقة الضيقة في التعيينات
تعتمد كثير من المنظمات على العلاقات الشخصية في استقطاب الأعضاء، ما يُقيّد التنوع. من الضروري الخروج من هذه الدائرة، عبر منصات متخصصة مثل LinkedIn for Nonprofits أو Bridgespan، واستخدام أدوات تواصل تستقطب الشرائح غير التقليدية، خصوصًا من المهنيين الشباب وأصحاب الخلفيات غير النمطية.
5. إعادة النظر في متطلبات التبرع السنوي
تفرض بعض المنظمات سياسات ""التبرع أو التحصيل"" (Give or Get)، ما يُشكل عائقًا أمام انضمام ذوي الدخل المحدود أو الشباب. يمكن معالجة ذلك بإعفاء نسبة من مقاعد المجلس من المتطلبات المالية، خاصة تلك المخصصة للأصوات المجتمعية الأصيلة التي تُضيف بعدًا نوعيًا في الرؤية والقرار.
6. وضع أهداف كمية للتنوع
لكي لا يتحول الحديث عن التنوع إلى شعارات، لا بد من تحديد أهداف رقمية تستند إلى التوزيع السكاني في المجتمع المحلي. على سبيل المثال: إذا كانت بيانات الإحصاء السكاني تشير إلى أن 30% من المجتمع من فئة عمرية معينة أو خلفية عرقية معينة، فإن تمثيلها في المجلس يجب أن يُراعي ذلك، مع مراجعة دورية لتلك النسب.
لكن التنويع لا يعني التعيينات الرمزية (Tokenism)، بل يجب أن يُمنح كل عضو جديد دورًا حقيقيًا في صنع القرار.
ختامًا: التنوع ليس خيارًا تجميليًا
في مناخ اجتماعي متغيّر، وبنية سكانية متعددة، لا يمكن للمنظمات غير الربحية أن تظل محكومة بنمط إداري واحد. إن تسريع تنوع المجالس لا يُعد ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الأثر والاستدامة. ومن هنا، فإن بناء مجلس إدارة متنوع هو الخطوة الأولى نحو منظمة أكثر شمولًا، وأكثر فهمًا، وأكثر تأثيرًا.
