في الوقت الذي تزداد فيه تطلعات القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية لمواكبة مستهدفات رؤية 2030، يظل الاستقرار المالي للمنظمات غير الربحية أحد التحديات الجوهرية التي تهدد الاستدامة وتعيق الأثر. ولعل ما كشفه تقرير حديث صادر عن مؤسسة Oliver Wyman الأمريكية، حول الوضع المالي للمنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة، يستحق الوقوف عنده رغم اختلاف السياق، لأنه يطرح قضايا شبيهة بما نشهده محليًا.
يشير التقرير إلى أن:
7 إلى 8% من المنظمات مفلسة تقنيًا، حيث تتجاوز التزاماتها أصولها.
50% تعمل بسيولة نقدية تغطي أقل من شهر واحد.
30% سجّلت خسائر مالية على مدى ثلاث سنوات متتالية.
وتتطلب العودة إلى التوازن المالي ضخًا قدره 40 إلى 50 مليار دولار.
ليست هذه مجرد أرقام، بل ""جرس إنذار"" يجب أن يوقظ القيادات التنفيذية وأعضاء المجالس والممولين في العالم غير الربحي. وفيما يلي خمس خطوات عملية وملموسة يمكن أن تحدث فارقًا جوهريًا في تعزيز الصحة المالية لأي منظمة غير ربحية:
1. وضع خطة استراتيجية... واستخدامها فعليًا
لا يكفي أن تمتلك المنظمة وثيقة جميلة للخطة الاستراتيجية؛ الأهم أن تكون حية، تُستخدم فعليًا لتوجيه القرار وضبط الأولويات وتقليل الانحرافات. كثير من الجمعيات السعودية تملك خططًا صورية لا تخرج من الأدراج، مما يُفقدها القدرة على التصرف الرشيد وقت الأزمات أو الفرص.
الخطة الاستراتيجية ليست ترفًا إداريًا، بل أداة بقاء مالي.
2. اختيار أعضاء مجلس إدارة ذوي أثر حقيقي
ليست الخبرة العامة كافية. ما تحتاجه المنظمة هو أعضاء مجلس إدارة لديهم سجل مثبت في معالجة أزمات مالية في منظمات غير ربحية مشابهة في الحجم أو النموذج، ويعرفون كيف يُعاد ضبط الميزانية أو تنويع مصادر الدخل.
وفي السياق المحلي، يظل كثير من المجالس أسيرًا للوجاهة الاجتماعية أو الخبرة التقليدية، ما يحدّ من قدرته على قيادة التحوّل المالي الحقيقي.
3. غرس ثقافة العطاء داخل المنظمة
حتى المنظمات التي تعتمد على المنح الحكومية أو عقود الشراكة، بحاجة إلى تبني ثقافة داخلية للعطاء والعمل الخيري. فالموظف الذي لا يرى أن مهمته مرتبطة بجمع التبرعات، سيظل منفصلًا عن واقع التمويل والضغط المالي.
بناء ثقافة العطاء لا يعني فقط إقامة حملة موسمية، بل أن يؤمن الجميع بأن البقاء المالي مسؤولية جماعية.
4. تكوين احتياطي مالي يُمكّن المنظمة من اقتناص الفرص
منظمات كثيرة تخسر فرصًا استراتيجية لمجرد افتقارها لاحتياطي نقدي كافٍ. وجود احتياطي يغطي من 9 إلى 12 شهرًا من النفقات لا يحمي فقط من العجز، بل يفتح المجال للاستثمار في فرص غير متوقعة يمكن أن تنقل المنظمة إلى مستوى جديد من الأثر.
في السوق الخيري السعودي، هناك مبادرات تظهر فجأة ويصعب اغتنامها دون مرونة مالية مسبقة.
5. الحذر من الانجراف وراء ""المشاريع المثيرة""
ما يُعرف بـ""Mission Creep"" — أي التوسع في مشاريع لا تنسجم مع رسالة المنظمة الأصلية — يعد من أكثر مسببات الانهيار المالي غير الملحوظ. إذ تنساق بعض المنظمات وراء متطلبات الممولين في مشاريع براقة لكنها تستهلك مواردها، وتشتت تركيزها، وتُضعف أثرها.
الممول المسؤول لا يطلب مشروعًا جديدًا، بل يقيس مدى التزام المنظمة برسالتها الأساسية وقدرتها على تحقيقها بفعالية.
إعادة ضبط البوصلة
هذه الخطوات الخمس لا تقدَّم كحلول نظرية، بل كإجراءات ثبتت فاعليتها في مختلف السياقات. ولعل التحدي الأكبر ليس في معرفة ما يجب فعله، بل في امتلاك الشجاعة القيادية لفعل ما يجب، لا ما هو سهل أو مألوف.
هل لدى منظمتك خطة استراتيجية تُستخدم فعلًا؟
هل أعضاء مجلس إدارتها يعالجون المشاكل أم يراقبونها؟
هل لديكم احتياطي مالي حقيقي؟ أم تعيشون شهرًا بشهر؟
وهل مشاريعكم تنبع من رسالتكم... أم من طلبات الداعمين؟
في لحظة إعادة تعريف دور المنظمات غير الربحية في السعودية، أصبحت الصحة المالية معيارًا للشرعية والاحتراف. ولم يعد كافيًا أن تكون نيتك صالحة... بل لا بد أن تكون إدارتك كذلك.
