يكاد العالم يحرز، كل أسبوع تقريبًا، تقدمًا جديدًا نحو الذكاء الاصطناعي العام. فالنماذج الأقوى من الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على أداء مجموعة مذهلة من المهام، بدءًا من كتابة تقارير مفصّلة وصولًا إلى إنشاء مقاطع فيديو عند الطلب. كما أن ظاهرة ""الهلوسات"" أصبحت أقل إشكالية مما كانت عليه.
لذا، ليس من المستغرب أن يشعر كثير من الناس بالقلق من أن يصبحوا عما قريب فائضين عن الحاجة. ففي وقت سابق من هذا العام، وصلت عمليات البحث العالمية على غوغل عن عبارة ""البطالة بسبب الذكاء الاصطناعي"" إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وفي مدن مثل لندن وسان فرانسيسكو، أصبح السؤال: ""كم من الوقت تعتقد أنه تبقّى لك في وظيفتك؟"" موضوعًا شائعًا في الأحاديث اليومية.
لكن، هل يؤدي ""شات جي بي تي"" فعليًا إلى فقدان الناس لوظائفهم؟
لا يزال بعض المراقبين يدقّقون في البيانات الاقتصادية الكلية بحثًا عن مؤشرات تنذر بكارثة وشيكة في سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي. ومن بين المقاييس الشائعة: نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد مقارنةً بمتوسط معدل البطالة في أمريكا. وتشير الأرقام إلى أن الخريجين الشباب باتوا الآن أكثر عرضة للبطالة من متوسط العاملين (انظر الرسم البياني 1).
ويُعزى ذلك إلى أن هذه الفئة عادةً ما تبدأ مسيرتها المهنية في وظائف تمهيدية ضمن قطاعات تعتمد على المعرفة، مثل العمل كمساعد قانوني أو إعداد الشرائح التقديمية في شركات الاستشارات الإدارية. وهذه بالضبط هي المهام التي يُتقن الذكاء الاصطناعي أداءها. فهل تكون هذه التكنولوجيا قد أزاحت هذه الوظائف فعلًا؟
في الواقع، لا. البيانات ببساطة لا تتماشى مع أي تفسير منطقي ممكن. فقد بدأ ما يُعرف بـ""البطالة النسبية"" بين الخريجين الشباب في الارتفاع منذ عام 2009، أي قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي بسنوات طويلة. كما أن معدل البطالة الفعلي لديهم، البالغ نحو 6%، لا يزال منخفضًا نسبيًا.
وبالعودة إلى مقياس استخدمناه في عام 2023، نحلّل بيانات التوظيف في الولايات المتحدة بحسب المهنة، مع التركيز على العاملين الذين يُعتقد أنهم أكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الفئة الموظفين ذوي الياقات البيضاء، بمن فيهم العاملون في خدمات الدعم الخلفي، والعمليات المالية، والمبيعات، وغيرها. وهنا أيضًا تظهر نمطية مشابهة: لا نجد أي دليل على أن الذكاء الاصطناعي قد وجّه ضربة لتلك الفئة (انظر الرسم البياني 2). بل على العكس تمامًا: خلال العام الماضي، ارتفعت نسبة التوظيف في وظائف الياقات البيضاء بشكل طفيف.
على صعيد واسع، لا تزال نسبة البطالة في الولايات المتحدة منخفضة عند 4.2%. ويظل نمو الأجور قويًا بشكل ملحوظ، وهو أمر يصعب التوفيق بينه وبين الفرضية التي تقول إن الذكاء الاصطناعي يقلّص الطلب على القوى العاملة. وتتجه المؤشرات خارج أمريكا نحو نفس الاتجاه؛ حيث يشهد نمو الأجور في معظم الدول المتقدمة، مثل بريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، مستويات مرتفعة.
وفي عام 2024، سجّل معدل التوظيف في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ، والذي يعكس نسبة السكان في سن العمل المشغولين فعليًا، أعلى مستوى له على الإطلاق.
يوجد تفسيران لتفسير هذه الاتجاهات. الأول يشير إلى أنه رغم الكم الهائل من الإعلانات التي تتحدث عن تبني الشركات للذكاء الاصطناعي في عملياتها، فإن قلة قليلة فقط تستخدم هذه التقنية لأداء أعمال جوهرية. وتشير بيانات رسمية إلى أن أقل من 10% من الشركات الأمريكية توظف الذكاء الاصطناعي فعليًا في إنتاج السلع والخدمات.
أما التفسير الثاني فيفترض أنه حتى عندما تعتمد الشركات هذه التكنولوجيا، فإنها لا تستغني عن موظفيها. فقد يساعد الذكاء الاصطناعي الموظفين على أداء مهامهم بكفاءة وسرعة أكبر، دون أن يؤدي إلى إلغاء وظائفهم.
وبغض النظر عن أي من التفسيرين هو الأصح، فلا يوجد سبب للقلق أو الذعر في الوقت الراهن.
المصدر: إيكونوميست
