النقاط الرئيسة
- نادرًا ما تكون رؤية القائد ثابتة؛ إذ تتغير مع الخبرة.
- رؤيتك ليست شخصية بقدر ما هي نتاج تعاملك مع الآخرين.
- يعتمد مدى تحقيقك لرؤيتك على التفاعل ما بين عوامل نفسية وعملية.
- يمكننا أن نتعلم من القادة الآخرين في مواقف مماثلة ما إذا كانت رؤيتنا قابلة للتطبيق العملي.
يطمح الجميع إلى النجاح، ويأتي هذا الدافع بشكل شبه فطري لدى القادة. هل لاحظت كيف تميل الكلمات التي تصفهم إلى تأطير مستقبلهم بمصطلحات بصرية بعيدة المدى، ليبدو مستقبلهم وكأنه امتداد طبيعي لشخصياتهم؟ نحب أن نعتقد أن لقادتنا نظرة مستقبلية، ولكن ماذا يعني بالضبط أن تكون لديك “رؤية”؟
من السهل إزالة الغموض عن هذا المفهوم، خاصة فيما يتعلق بالقادة العاديين الذين يعملون في أماكن متواضعة خالية من الأجراس والصفارات المعتادة التي تميزهم بوصفهم قادة، فمن هذا المنظور، تمثّل الرؤية الهدف الذي يعمل القادة على تحقيقه في نهاية المطاف.
وعبارة “في نهاية المطاف” بالغة الأهمية؛ لأنك قد لا تكون ملتزمًا في بداية رحلتك برؤية معينة، وقد لا تعلم حتى أنها موجودة، ولكنها تتبلور مع مرور الوقت، فلا تتبلور الرؤية دون الوقت والخبرة. كيف تكتشف رؤيتك؟ وكيف تحشد الإرادة لتحقيقها؟ كيف تفرز الرؤى المتنافسة؟ تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة النضج الشخصي -إذا جاز لتعبير- وهو ما يمكن أن يحدث في أي عمر، وبعبارة أخرى، ستتنامى فيك رؤية معينة (ومثل أي نوع من النمو، لن تصل إليها دفعة واحدة).
ولكن القصة لا تنتهي هنا، فبينما تلعب العوامل النفسية دورًا كبيرًا في تحقيق رؤيتك، توجد اعتبارات عملية أيضًا، فتُعد معرفة تَمَتُّعك برؤية، بل ومعرفة أنك ستفعل ما يلزم لتحقيقها، شيئًا واحدًا، ولكن فهم “ما يتطلبه الأمر” وتحويله لخطوات فعلية وعملية تمكّن القادة من المضي قدمًا في رحلة القيادة يُمثل شيئًا آخرَ تمامًا. تتماشى الخطوات العملية مع العوامل النفسية، فلا يمكنك إهمال إحداهما من أجل الأخرى، وبالتالي، فبالإضافة إلى معرفة كيفية فهم الرؤية، من الضروري أن يدرك القادة ما يفعلونه لتحقيقها، وفي الواقع، تُعد العوامل النفسية والعملية وجهين لعملة واحدة، فلا يمكنك أن تقلب العملة وتتوقع نتيجة مختلفة (ناهيك من نتيجة أفضل).
عندما تطبق هذا النهج ثنائي المسار على الحياة الواقعية، تظهر عدة نقاط. على سبيل المثال، يمكن أن يتغير شكل الرؤية، ويمكن للقادة أن يتغيروا في سعيهم لتحقيقها، ولكن توجد نقطة واحدة تستحق التأكيد عليها منذ البداية، وهي ضرورة التَّخلّي عن المفاهيم الخاصة المتعلقة برؤيتنا “الشخصية”.
كما تعلمت من خلال العمل مع القادة، تتأثر الرؤية دائمًا بأفكار الآخرين، وحتى من خلال رؤى الآخرين، فدون خبرة الآخرين ودعمهم، قد لا نتمكن من صياغة رؤية قابلة للتحقيق، ودون العمل الجماعي والتواصل، قد تظل الرؤية ظاهرة ذاتية صغيرة لا تتعدى حدود عقل المرء، ودون الاستعداد للتخلي عن جوانبَ من رؤيتنا الشخصية، قد نُرفَض بوصفنا قادة لأننا مغرورون، لذلك، يجب أن ندرك أن رؤيتنا لا يمكن أن تكون مثالية مهما كانت رائعة، فهي دائمًا ما تُعد قابلة للمراجعة (أي لإعادة الرؤية أو إعادة التصور) أو في الواقع للتفاوض، فهي تتشكل في عملية من التخلي أو -على نحو أكثر ملاءمة- من الأخذ والعطاء.
وبالتالي، لا يوجد قائد منعزل، يجب عليه أو عليها أن يأخذ في الحسبان أصحاب المصلحة في الرؤية، بما في ذلك الأشخاص الذين يُقادون، وإن كنت تعتقد أن ذلك يجعل الرؤية ضعيفة نوعًا ما، فإن ذلك يعدّ ميزة أيضًا، فمن خلال تقبلك لمدخلات الآخرين، تتسع خبرتك ومعرفتك.
لا يكف أكثر القادة نجاحًا عن التعلم، فهم منفتحون على النقد ويتقبلونه بروحٍ رياضية عندما يكون الهدف منه تحسين النتيجة الإجمالية للجهد المشترك. سيكون هناك الكثير من الوقت للتفاخر في المستقبل، لكن بينما تتبلور رؤيتك، لا تدع غرورك يعيق تبنيك لفكرة جيدة، وفي الواقع، إذا كنت تريد أن يبقى الناس من حولك جزءًا من رحلتك القيادية، فقد يصبح من الضروري أن تبقي رؤيتك مرنة، والهدف هو جعل أصحاب المصلحة يشعرون بالتقدير والتَّفهُّم.
وأخيرًا، من الجدير بالملاحظة أن القادة العاديين ليسوا مجرد قادة كبار في مناصب صغيرة، فبينما يتقلص نطاق عملهم، تختلف طريقة عملهم من حيث النوعية، فهم لا يمتلكون شبكات جاهزة من المستشارين والوكلاء والباحثين الاستقصائيين لمساعدتهم في تشكيل أو تحقيق رؤيتهم.
في المجال السياسي، على سبيل المثال، أو بين العمالقة المشهورين، كثيرًا ما نسمع عن “مستشارين” مجهولين، ولكنهم ذوو نفوذ ويتقاضون أجورًا عالية. في الواقع، لمعظم المشهورين شبكات تدعمهم دون أن يُطلب منهم ذلك، لمجرد أنهم يريدون البقاء على رأس عملهم، وبناءً على ذلك، فإن هؤلاء لا يعانون كثيرًا فيما يتعلق برؤيتهم (التي فُحِصَت وصِيغت مسبقًا من قِبَلِ المتخصصين الذين يواصلون صقلها مع تغيُّر الظروف) فهم يخطون خطواتهم وهم واثقون من أنفسهم، ولكن بالنسبة للقادة العاديين، يتطلب تبلور الرؤية جهودًا مضنية على نطاق واسع، سواء في مرحلة التحديد أو التحقيق، ويتطلب ذلك درجة من المرونة والعفوية وسرعة البديهة التي نادرًا ما تكون من المتطلبات في حالة القادة الكبار. يجب أن يواصلوا تدقيق النظر في محيطهم طوال الوقت.
العملية ليست سهلة، ولكنها ممكنة.
فامتلاك رؤية قابلة للتطبيق هي الخطوة الأولى والأساسية لكي تصبح قائدًا. من خلال الخبرة، يمكنك تعلم كيفية إدارة رؤيتك لتمضي في طريقك واثقًا.
لذا، بينما تفكر في رحلتك نحو القيادة أو تعزيز موقعك القيادي، انتبه إلى عملية إيجاد رؤيتك والاعتراف بها ثم تعديلها للحفاظ عليها، تُعد هذه خطوات أساسية. لا يولد الناس برؤية ثابتة، فالرؤية ديناميكية مثل كل شيء آخر في الحياة، وكلما تغيرت واتسعت الرؤية، نكبر معها. لاحظ كيف يهتم القادة من حولك برؤيتهم، فهم لا يسمحون لها بأن تتجاوز قدراتهم، أيْ لا يضحون بجوانب حياتهم جميعها في سبيلها. يجب أن تكون الرؤية بالحجم الصحيح، أي أن تندمج في حياتك إذ تظل قابلة للتطبيق، بل ومرضية. لا يمكن السماح لها بالسيطرة على حياتك. إن الاهتمام برؤيتك هو في حد ذاته مهارة.
يمكنك البدء بالتحدث إلى أشخاص في مناصب مشابهة يمشون في مسارٍ تصاعدي. ما الذي تعلموه؟ وكيف يمكنك الاستفادة من خبراتهم؟ بحكم التعريف، لا يتسم القادة بالخجل، إذا اقتربت من هؤلاء الأشخاص فسوف يفهمون من أين أتيت، والأهم من ذلك، إلى أين تريد أن تذهب.
