النقاط الرئيسة
- تعد البيانات أحيانًا نوعًا من التعويذات السحرية.
- إن إضافة الأرقام والإحصاءات إلى حجة ما، لا يجعلها بالضرورة حجة جيدة.
- يمكن أن تساعدك المبادئ الأساسية في تطوير المعرفة بالبيانات، مثل الوعي بالتحيز التأكيدي.
في مصر القديمة، كان يُعتقد على نطاق واسع أن الجعران، وهي تمائم مصممة على شكل خنفساء، لها خصائص خارقة للطبيعة، وتمنح مرتديها الحظ السعيد. وفي أوروبا في العصور الوسطى، كان يُعتقد أيضًا أن حدوة الحصان كانت تتمتع بقوى خاصة، وكان الناس يعلقونها فوق المداخل؛ لجذب الحظ السعيد وطرد الأرواح الشريرة، ويمكنني أن أستمر في ذكر مزيد من الأمثلة، ولكن أعتقد أنه يمكنك أن ترى النمط فعلًا: على مر التاريخ نسب الناس القوى السحرية إلى الأشياء العادية. عندما نتحدث عن هذه المعتقدات الآن، يضحك الناس أحيانًا، أو يسخرون من مدى سذاجة الناس الذين عاشوا في العصور القديمة، والمفارقة هي أن هذه النزعة لم تختفِ حقًّا، حتى لو جرى التعبير عنها بشكل مختلف، وهناك شكل واحد محدد سأركز عليه اليوم: البيانات.
في عالمنا الحالي، هناك نوع من التقديس للبيانات؛ إذ يُنظر إليها على أنها تمتلك مكانة لا تقبل الخطأ، وأبعادًا أكبر من الحياة، تمامًا كما كانت الأشياء المقدسة في العصور القديمة (المعنى الأصلي لكلمة “صنم (fetish)” كان هو الجسم المادي الذي يعدُّ محل تقديس بوصفه يتمتع بقوى غامضة). إذا أبديت ادعاء، وكان لديك بعض البيانات لدعمه، فإن هذا الادعاء لا بدّ أن يكون صحيحًا، ولكن كيف يتشابه هذا مع الأشياء التي تحمل قوى سحرية؟ أليست البيانات علمية وموضوعية؟ بالتأكيد يمكن أن تكون كذلك، ولكن ذلك كلّه يعتمد على كيفية اختيار البيانات، وجمعها، وعرضها، وتفسيرها، ومن النادر أن تُنفَذ هذه الأمور كلها بالعملية العلمية نفسها. لسوء الحظ، تمامًا كما كان الحال مع بائعي زيت الثعبان في العالم القديم، هناك من يسيء استخدام البيانات للتلاعب بالآخرين، ولحسن الحظ، يمكنك حماية نفسك بالطريقة نفسها، من خلال التفكير النقدي، أو بالأحرى شكل محدد للغاية من أشكال التفكير النقدي الذي يمكن أن نطلق عليه مفهوم المعرفة بالبيانات.
البيانات يمكن أن تكون موضوعية، ولكن غالبية الناس ليسوا كذلك
لنكن واضحين بشأن أمر ما، بصفتي أكاديميًّا، فإنني أقدّر البيانات بشكل كبير، وهذه ليست -بأي حال من الأحوال- واحدة من تلك الجمل التي تروج لفكرة “العلم مزيف” التي تراها أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكي أكون واضحًا، ليس الأمر أن العلم مزيف أو غير موضوعي تمامًا، بل إن البيانات، التي هي نتاج العلم، يمكن أن تُستخدم سلاحًا، ويُساء استخدامها للتلاعب بك للتفكير أو التصرف بطريقة معينة.
علاوة على كوني أكاديميًّا، فأنا أيضًا محامٍ سابق في القانون، ولدينا معادل قانوني للبيانات؛ يُطلق عليه “الدليل”، ولكن إليكم الأمر المتعلق بالأدلة: على الرغم من أن الطرفين المتعارضين يعملان بموجب القوانين والإجراءات نفسها، فإنَّ الطريقة التي يقدم بها كلّ طرف أدلته المختارة تؤدي دائمًا إلى استنتاجات متناقضة، ويمكن أن تعمل البيانات (أو “الأدلة”) خارج قاعة المحكمة بالطريقة نفسها؛ إذ يمكن تفسيرها (بشكل خاطئ) لدعم استنتاجات مختلفة بناءً على كيفية اختيارها وعرضها، ومن الأمثلة الشائعة على ذلك هو تصغير الرسم البياني أو تكبيره لجعل الزيادة أو النقصان يبدوان أكثر أهمية مما هو عليه في الواقع.
لذا، النقطة التي أود التأكيد عليها هي أن البيانات مهمة للغاية، وهي مهمة جدًّا إلى درجة أنك تحتاج إلى مهارة المعرفة بالبيانات لتجنب أن يجري التلاعب بك من خلالها.
مبادئ المعرفة بالبيانات
إذًا، كيف يمكنك تنمية المعرفة بالبيانات؟ كما هو الحال مع معظم المواضيع في هذه المدونة، لا توجد صيغة عالمية سهلة، ولكن إليك بعض المبادئ التي قد ترغب في اعتمادها:
1. تطوير أساس عام للتفكير النقدي
إن المعرفة بالبيانات جزء من التفكير النقدي، ومن ثمَّ فإن الخطوة الأولى هي أن تصبح مفكرًا نقديًّا أفضل عامّة. (لحسن الحظ، لدي ما لا يقل عن ثلاثة منشورات على هذه المدونة تغطي أبعادًا مختلفة للتفكير النقدي، بما في ذلك لماذا يعزز قدرتك على التأثير، والأخطاء الشائعة للمفكرين النقديين، واستخدام التفكير النقدي لفهم الأحداث التي تحرك الناس).
2. اسأل نفسك من المستفيد، وكيف؟
من السهل فعل هذا الأمر إلى حد ما، ومن الأمثلة الشائعة عندما يحاول شخص ما بيعك شيئًا ما، ويوجه إليك مجموعة كبيرة من البيانات لدعم حالته، فمن الواضح أنه يستفيد من شرائك أيًّا كان ما يحاول بيعه. الآن، هذا لا يعني بالضرورة أنهم يتعمدون تحريف البيانات بهدف التلاعب بك، ولكن لديهم مصلحة واضحة في إقناعك؛ لذا يجدر بك غالبًا أن تكون حذرًا.
3. إذا كانت المعرفة متخصصة، فمن يمكنك أن تسأله عنها؟
هناك حالات يمكن أن يقدم فيها شخص ما حجة مع بيانات يزعم أنها تدعمها، ولكنك لست خبيرًا أو مطّلعًا على الموضوع بشكل كبير؛ لذا لست متأكدًا مما يجب أن تفعله (أو على الأقل هذا ما يجب أن تشعر به إذا لم تكن مطلعًا على شيء ما)، ويمكنك دائمًا أن تسأل شخصًا مطلعًا على الموضوع عن رأيه، لا تنسَ فقط أن تحافظ على منظور تفكيرك النقدي، فأنت لست ملزمًا بقبول آراء شخص قد يكون على دراية بموضوع معين أكثر منك، وهذا هو أحد الأسباب، على سبيل المثال، التي تجعل الناس غالبًا ما يصطحبون معهم مشتري سيارات من ذوي الخبرة عندما يذهبون إلى وكالة سيارات.
4. اسأل نفسك ما هو المفقود من البيانات؟
أحيانًا يقدم الأشخاص البيانات أو الأدلة بطريقة لا يكذبون فيها بشكل واضح، بل يكذبون عن طريق الإغفال، ويحدث هذا في عملية الاختيار عندما يغفلون معلومة أو أكثر من المعلومات المهمة التي قد تحدث فرقًا كبيرًا.
على سبيل المثال، لنفترض أن بائع الإطارات يحاول بيعك ضمانًا ممتدًّا، ويعطيك هذه الحقائق والأرقام كلّها بشأن مقدار المال الذي ستوفره من خلال شراء ضمان ممتد، إلى جانب إبهارك بالمبلغ الذي وفره العملاء الآخرون بضماناتهم الممتدة، قد يبدو الأمر ظاهريًّا خيارًا واضحًا، ولكن ما هي البيانات التي يجري إغفالها؟ قد تكون كثيرًا من الأشياء. على سبيل المثال، ربما تكون النسبة المئوية لعملائهم الذين اضطروا فعلًا إلى استخدام ضماناتهم الممتدة هي 1 في المئة فقط، وفي هذه الحالة تكون فرص احتياجك الفعلي لهذا الضمان منخفضة للغاية؛ لذا اسأل نفسك دائمًا، ما الذي يُستبعد؟
5. إذا بدا شيء ما جيدًا جدًّا إلى درجة لا تصدق، فهناك احتمال كبير أن يكون كذلك
تنطبق هذه المقولة البدهية العريقة أيضًا على البيانات، وغالبًا ما يرتبط ذلك بالمبدأ رقم 3، أحيانًا يكدّس الناس كثيرًا من البيانات في محاولة لبناء ما يبدو وكأنه حالة لا يمكن دحضها لشيء ما. لنستخدم مرة أخرى مثالنا عن مندوب المبيعات والضمان الممتد، فكلما كانت البيانات جميعها تجعل شيئًا ما يبدو وكأنه الخيار الوحيد المعقول، كان هناك ما يبرر قليلًا من الشك الصحي، فلن تبيع الشركة الضمانات الممتدة ما لم يكن ذلك في النهاية في صالحها (المبدأ رقم 2)، وذلك لأن غالبية الأشخاص الذين يشترون الضمانات الممتدة ينتهي بهم الأمر في النهاية بعدم الحاجة إليها فعليًّا.
6. كن حذرًا من تحيزك التأكيدي
ليست فقط تحيزات الآخرين التي يجب أن تكون حذرًا بشأنها، فعليك أن تكون حذرًا بشأن تحيزاتك الخاصة أيضًا، فلدينا ميل طبيعي لقبول البيانات من دون نقد، وتفسير معين لتلك البيانات، إذا كانت تعزز موقفًا نتخذه فعلًا، وهذا ما يسمى بالتحيز التأكيدي، وأفضل طريقة للبدء في حماية نفسك من التحيز التأكيدي هي أن تلحظ متى يحدث ذلك، وصدقني، يحدث ذلك كثيرًا. عندما تلحظ أنك تريد أن تكون محقًّا في شيء ما، حاول أن تفكر عمدًا في كيفية أن يكون هذا الشيء خاطئًا، فقد تكون في الواقع على حق، ولكن بهذه الطريقة ستقلل من فرص وقوعك في الخطأ.
لا تغطي هذه المبادئ كل شيء عن المعرفة بالبيانات، ولكنها بداية جيدة، ولا يعني هذا أن الأشخاص في هذه المواقف يتلاعبون دائمًا بالبيانات أو يحاولون خداعك عمدًا، فحتى لو كان لديهم ما يكسبونه من إقناعك، فربما تكون حجتهم صحيحة، وحتى لو كانوا يحرفون البيانات، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم يفعلون ذلك عن قصد، فربما أساؤوا تفسير البيانات، أو وقعوا في تحيزهم التأكيدي؛ لذا ليس المقصود هو رفض حجج الأشخاص تلقائيًّا في هذه المواقف. وعلى العكس من ذلك، لا تضمن هذه المبادئ عدم التلاعب بك، فالتفكير النقدي المرتبط بالمعرفة وبالبيانات يقلل بسهولة من فرص تضليلك، وفي عالم اليوم المشبع بالبيانات والمعلومات هذا هدف يستحق السعي إلى تحقيقه.
