رغم أنني أفضّل استخدام مصطلح ""أصالة الذكاء الاصطناعي"" (AI native) لوصف نهج تطوير المنتجات الذي يركّز على الذكاء الاصطناعي ، وهو النهج الذي نسعى إلى تشجيعه في شركة أوريلي (O’Reilly) فقد استخدمت أحيانًا مصطلح ""الذكاء الاصطناعي أولًا"" (AI first) في تواصلي مع فريق العمل داخل الشركة. ولهذا شعرت بالانزعاج والقلق عندما علمت أن وسائل الإعلام باتت تفسّر هذا المصطلح على أنه ""استخدام الذكاء الاصطناعي لاستبدال البشر"". بل إن كثيرًا من المستثمرين ورواد الأعمال في وادي السيليكون يبدو أنهم يرون في الاستغناء عن الموظفين فرصة استثمارية ضخمة.
تلك الفكرة تُعد بالنسبة لي مرفوضة تمامًا، بل ومستهجنة. وهي خاطئة أيضًا، من الناحيتين الأخلاقية والعملية. فجوهر كتابي الصادر عام 2017 بعنوان WTF؟ ما هو المستقبل ولماذا يعتمد علينا؟ كان يقوم على أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تُستخدم لاستبدال العاملين، بل لتعزيز قدراتهم وتمكينهم من إنجاز ما كان يُعد مستحيلًا في السابق. فالعالم لا يزال مليئًا بالمشكلات التي لم نجد لها حلولًا بعد، والفرص الهائلة لابتكار منتجات وتجارب جديدة، وسبل لا حصر لها لتحسين الحياة لا لإفسادها.
كل شركة اليوم تواجه هذا الخيار. الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لخفض التكاليف واستبدال الموظفين، ستجد نفسها متأخرة أمام تلك التي توظف هذه التقنية لتوسيع قدراتها وتعزيز إمكاناتها. فعلى سبيل المثال، كنا في شركة ""O’Reilly"" نوفر محتوياتنا بشكل رئيسي باللغة الإنجليزية، مع ترجمة العناوين الأكثر شعبية فقط إلى اللغات ذات الجدوى التجارية الأكبر. أما اليوم، وبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكاننا ترجمة كامل محتوياتنا، ليس إلى جميع اللغات ولكن إلى عشرات اللغات، مما يجعل معرفتنا ومنتجاتنا متاحة وميسورة التكلفة في مناطق من العالم لم نكن قادرين على خدمتها من قبل. صحيح أن هذه الترجمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لا ترقى بعد إلى جودة الترجمة التي يراجعها ويحررها البشر، لكنها تظل أفضل بكثير من عدم وجود ترجمة على الإطلاق. وقد أعرب عملاؤنا من غير الناطقين بالإنجليزية عن سعادتهم الكبيرة بإمكانية الوصول إلى محتوى تقني بلغتهم الأم.
ومن الأمثلة الأخرى على توظيفنا للذكاء الاصطناعي، أننا طورنا اختبارات، وملخصات، ومحتوى صوتيًا، وأنواعًا أخرى من المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أدوات بحث ذكية وخاصية تقديم الإجابات. وقد أنشأنا كل ذلك من خلال سير عمل جديد يدمج محررينا، ومصممي المحتوى التعليمي، والمؤلفين، والمدرّبين في عملية توجيه إنتاج هذه المواد وتقييمها.
والأهم من ذلك أننا نحرص على دفع حقوق مالية للمؤلفين عن هذه المنتجات المشتقة، تقديرًا لمساهماتهم الأصلية واحترامًا لحقوقهم الإبداعية.
لكن كل هذه الجهود لا ترقى بعد إلى ما أُسميه ""أصالة الذكاء الاصطناعي"" (AI native). فما الذي أعنيه بذلك؟
لقد شهدتُ عن قرب عدة تحوّلات كبيرة في واجهات الاستخدام: من الشاشات التقليدية (CRT) إلى الواجهات الرسومية (GUI)، ومن الواجهات الرسومية إلى الويب، ثم من الويب على الحواسيب إلى الأجهزة المحمولة. ولا ننسى جميعًا النقاشات الإستراتيجية التي دارت حول مفهوم ""الجوال أولًا"" (Mobile First).
كثير من الشركات تأخرت في إدراك أن توقعات المستخدمين قد تغيّرت، وأن عدم امتلاك تطبيق أو موقع يعمل بكفاءة على الهواتف الذكية يعني خسارة سريعة للجمهور. تلك الشركات فقدت مكانتها لصالح منافسين تبنّوا مبكرًا هذا التحوّل في طريقة التفاعل مع التقنية.
كان مفهوم ""الجوال أولًا"" يعني تصميم تجربة المستخدم بالدرجة الأولى لتناسب الأجهزة الصغيرة، ثم التوسّع لاحقًا إلى الشاشات الأكبر. في البداية، حاولت الشركات ببساطة تقليص أنظمتها الحالية (هل تتذكّر Windows Mobile؟) أو تكييف واجهات سطح المكتب لتعمل على شاشات اللمس الصغيرة، لكن تلك المحاولات لم تُفلح. أما الشركات التي تفوقت، مثل شركة أبل، فقد صمّمت أنظمة وواجهات استخدام تعامل الهاتف المحمول كوسيلة رئيسية للتفاعل، لا كنسخة مصغّرة من تجربة سطح المكتب.
وهذا تمامًا ما نحتاج إلى فعله اليوم مع الذكاء الاصطناعي. إذا اكتفينا باستخدامه لتسريع ما كنا نقوم به مسبقًا أو لخفض التكاليف، فقد نحقق بعض المكاسب التشغيلية، لكننا سنفشل فشلًا ذريعًا في إبهار عملائنا وإسعادهم. المطلوب هو أن نعيد تخيّل ما نقوم به من الأساس، وأن نسأل أنفسنا: لو كنا نبدأ الآن، ومعنا أدوات الذكاء الاصطناعي منذ البداية، كيف كنا سنصمّم هذا المنتج أو هذه الخدمة؟
لقد أعادت روبوتات المحادثة مثل ChatGPT وClaude تشكيل توقعات المستخدمين بشكل كامل. فالتطور الطبيعي لواجهات التفاعل مع الحاسوب كان دائمًا يهدف إلى تقليص المسافة بين طريقة تواصل الإنسان مع الآلة، وطريقة تواصل البشر مع بعضهم البعض.
ففي البداية، كان على المستخدم أن ""يتحدث بلغة الحاسوب"" ، بلغة ثنائية في بعض أوائل الحواسيب، أما اليوم، فقد أصبح الحاسوب قادرًا على فهم اللغة البشرية بشكل متزايد.
كنا قد بدأنا هذا الاتجاه تدريجيًا من خلال البحث بالكلمات المفتاحية، حيث نكتب كلمات عادية ويقوم النظام بإرجاع مستندات يعتقد أنها مرتبطة بما نريده. لكن هذا التفاعل كان لا يزال محدودًا، يشبه إلى حد ما ""لغة مكسّرة"" بين الإنسان والآلة، وليس تواصلًا طبيعيًا كما نعيشه الآن مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
أما الآن، فيمكننا التحدث إلى محرك البحث أو روبوت المحادثة بطريقة أكثر شمولاً وعمقًا، ليس فقط باستخدام اللغة الطبيعية، بل مع الحفاظ الصحيح على السياق، من خلال محادثات متعددة الخطوات أو طرح مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز حدود البحث التقليدي.
فعلى سبيل المثال، عند البحث في محتوى منصة O’Reilly من كتب وفيديوهات ودورات مباشرة عبر الإنترنت، يمكننا طرح سؤال مثل: ""ما الفرق بين كتاب كاميل فورنييه The Manager’s Path وكتاب آدي أوسماني Leading Effective Engineering Teams؟"" أو ""ما هي أكثر الكتب والدورات والتدريبات المباشرة شعبية على منصة O’Reilly حول المهارات الناعمة في هندسة البرمجيات؟"" ثم نضيف توضيحًا مثل: ""ما أريده حقًا هو شيء يساعدني على التحضير لمقابلة عملي القادمة.""
لنأخذ مثالًا على ""المهارات القابلة للتحقق"" ، وهي واحدة من المتطلبات الأساسية التي تفرضها مكاتب التدريب والتطوير في الشركات على منصات مثل منصتنا.
في السابق، كانت الشهادات والاختبارات تعتمد بشكل كبير على أسئلة الاختيار من متعدد، والتي نعلم جميعًا أنها طريقة غير فعّالة لتقييم المهارات الحقيقية، بالإضافة إلى أن المستخدمين عادةً لا يفضلون هذا النوع من التقييم.
الآن، بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نطلب من النظام تقييم مهارات المبرمج واقتراح فرص لتحسينها بناءً على مستودع الأكواد الخاص به أو أدلة عمل أخرى. كما يمكن للذكاء الاصطناعي متابعة تقدم المستخدم خلال تنفيذ مهمة برمجية في دورة تدريبية، ليس فقط لمعرفة الأخطاء التي وقع فيها، بل أيضًا لتحديد الأجزاء التي أنهىها بسرعة وتلك التي استغرقت وقتًا أطول لأنه احتاج للبحث أو طرح أسئلة على مرشده الذكي.
منهجية التقييم المبنية على الذكاء الاصطناعي الأصلي (AI native) لا تكتفي فقط بعمل المزيد، بل تقدم ذلك بشكل سلس ومتكامل كجزء من تجربة مستخدم متفوقة بكثير.
لم نطرح بعد كل هذه الميزات الجديدة، لكنها تمثل نوعية الحلول الحقيقية المبنية على الذكاء الاصطناعي التي نسعى لتحقيقها، وهي أمور كانت مستحيلة قبل أن تتوفر لدينا مجموعة أدوات جديدة وقوية تتطور يوميًا. كما ترى، هدفنا الأساسي هو استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل تفاعل عملائنا مع المحتوى أكثر ثراءً وطبيعية، وباختصار، أكثر إنسانية.
واحد من الأخطاء التي نحاول تجنبها هو ما يمكن تسميته بـ""وضع خمر جديد في زجاجات قديمة""، أي أن نبدأ تصميم واجهاتنا بنفس الطرق التقليدية التي اعتدنا عليها في الويب أو الهواتف المحمولة، مع مجرد إضافة نافذة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي.
أرى أن مصطلح ""AI first"" أو ""الذكاء الاصطناعي أولاً"" هو التعبير الصحيح هنا، لأننا يجب أن نبدأ أولًا بتصميم تجربة التفاعل مع الذكاء الاصطناعي نفسها، قبل أن نفكر في شكل واجهة الويب أو التطبيق التي ستحتوي هذا التفاعل. عندما نجرب التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، قد تظهر لنا أفكار مختلفة تمامًا حول أفضل تصميم للواجهة التي تناسب هذا النوع من التفاعل.
ثمة خطأ آخر يجب الحذر منه، وهو الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر على صنع المعجزات من تلقاء نفسه، دون التفكير العميق في الجوانب الصعبة الأخرى مثل التقييم، وبناء ضوابط الاستخدام، وتصميم واجهات التفاعل، والنشر السحابي، والأمان، وغير ذلك.
أن تكون التجربة ""أصيلة في الذكاء الاصطناعي"" لا يعني أنها تعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده. فكل تطبيق يستخدم الذكاء الاصطناعي هو تطبيق هجين.
وقد لفت انتباهي مقال فيليب كارتر بعنوان LLMs Are Weird Computers، يشير فيه إلى أننا أصبحنا الآن نبرمج باستخدام نوعين مختلفين جذريًا من الحواسيب: الأول قادر على كتابة الشعر لكنه يخطئ في أبسط العمليات الحسابية، والثاني يحسب بدقة متناهية لكنه لا يستطيع التفاعل مع البشر بلغتنا الطبيعية.
وفن التطوير الحديث يتمثل في تنسيق هذين النوعين من الأنظمة بحيث يكمل كل منهما الآخر.
كان هذا أحد المحاور الأساسية في مؤتمرنا الأخير AI Codecon: Coding with AI، حيث عرض عدد من الخبراء والممارسين المتميزين كيف يدمجون الذكاء الاصطناعي في سير عملهم بطرق مبتكرة تعزز إنتاجيتهم وإبداعهم، لا لتحل محلهم، بل لدعمهم وتسريع أدائهم.
وقد حرص كل متحدث على تذكيرنا بأن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً كاملاً، وأن هناك دائمًا قيمة لا غنى عنها يأتي بها الإنسان إلى الطاولة، سواء في الفهم العميق أو الحكم الإبداعي أو المسؤولية الأخلاقية.
