القائمة الرئيسية

تلسكوب ويب الفضائي هو آلة للسفر عبر الزمن

تلسكوب ويب الفضائي هو آلة للسفر عبر الزمن
ملخص المقال

يتناول المقال اكتشاف مجرة جديدة مرشحة لأن تكون الأبعد على الإطلاق، رُصِدت بواسطة تلسكوب جيمس ويب الفضائي، ويُقدّر أن ضوءها انبعث بعد 300 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، أي منذ أكثر من 13.5 مليار سنة. أُطلق على المجرة اسم Glassy، وقد رصدها فريقان من علماء الفلك بشكل مستقل، ما يجعل هذا الاكتشاف ذا أهمية استثنائية لعلم الكون. رغم أن النتائج لا تزال بحاجة إلى تأكيد عبر تقنيات إضافية، فإن الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم بدايات الكون وتكوّن المجرات والنجوم المبكرة. المجرة تبدو أكثر سطوعًا وأضخم مما كان يُتوقع لمرحلة مبكرة كهذه من عمر الكون، ما يشير إلى أن عملية تشكّل النجوم قد تكون بدأت أسرع بكثير مما افترضه العلماء. ومع استمرار عمليات الرصد، يتوقع الباحثون العثور على المزيد من المجرات المشابهة، مما يجعل تلسكوب ويب أشبه بآلة للسفر عبر الزمن، تكشف تدريجيًا أسرار فجر الكون.

بقلم مارينا كورين

تبدو المجرة المكتشفة حديثًا كالطماطم المهروسة، أو ربما كحلوى دائرية بنكهة الكرز. مجرد نقطة حمراء، ضبابية للغاية وبلا حواف لدرجة أنني عندما نظرت إليها أول مرة، كان عليّ التأكد من أنني وضعت عدساتي اللاصقة. أقول هذه الأشياء لأنه دون تشبيهه بأشياء موجودة على كوكب الأرض، لست متأكدةً من كيفية فهم ماهية هذا الجسم الكوني، فهو ليس مجرد مجرة، بل قد يكون أبعد مجرة رأيناها على الإطلاق.

رُصِدَت المجرة بواسطة تلسكوب جيمس ويب الفضائي، أحدث وأقوى مرصد في العالم، والذي بدأ عملياته الأسبوع الماضي. لقد ترك ضوء النجوم الذي رصده ويب من هذه المجرة حدوده اللامعة منذ فترة طويلة، قبل كل شيء تقريبًا. فوفقًا لفريقين منفصلين من علماء الفلك، فإن تلك الطماطم الضبابية التي نراها هي الشكل الذي بدت عليه هذه المجرة بعد 300 مليون سنة فقط من ظهور الكون. لقد حدث الكثير منذ ذلك الحين، فقد ومضت شمسنا، وتشكلت الكواكب، ونشأت الحياة على الأرض، واختُرِعَت الحلويات الحمراء. لقد أعاد ويب لف شريط الكون؛ إذ إن وهج المجرات البعيدة، وهو النوع الذي صُمِّمَ المرصد لرصده، يستغرق دهورًا للوصول إلينا. عندما يلتقط ويب هذا الضوء القديم المنتقل بطريقة جيدة، يصبح التلسكوب آلة للسفر عبر الزمن. ومن خلال النظر إلى هذه النقطة الحمراء، فإننا ننظر إلى الوراء لأكثر من 13.5 مليار سنة في الذاكرة الكونية.

يقول العديد من علماء الفلك الذين تحدثت معهم أن الاكتشاف الأولي، إذا ثبتت صحته، يمكن أن تكون له آثار غير عادية على الحقبة القادمة من علم الفلك. لم يتوقع أي من الفريقين اللذَيْن رصدا المجرة الحمراء العثور على مجرة كهذه بهذه السرعة في أول استكشاف لهما من هذا النوع. لم يوظف علماء الفلك حتى إمكانيات تلسكوب ويب إلى أقصى حد ممكن، لقد أعطوه دفعة بسيطة فقط وأصبحت المجرات البعيدة مثل هذه المجرات “وكأنها تسقط من الشجرة”، كما أخبرتني جين ريجبي، عالمة الفيزياء الفلكية في وكالة ناسا وعالمة مشروع عمليات ويب. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت المجرة في مجال رؤية صغير، أصغر من حفرة على سطح القمر في سماء الليل. من يدري ماذا سيجد ويب أيضًا في الكون الشاسع؟ مع كل عملية رصد، وكل إعادة في الشريط، سيقربنا التلسكوب من الانفجار العظيم، ويكشف عن مجرة تلو الأخرى. نحن على وشك السفر عبر الزمن.

ولا تزال المجرة الجديدة مرشحة للحصول على لقب أبعد مجرة اكتُشِفَت على الإطلاق. فمن ناحية، لم تخضع النتائج بعد لمراجعة النظراء، ومن ناحية أخرى، فإن علماء الفلك الذين رصدوا المجرة في بيانات ويب -فريقان منفصلان يعملان بشكل مستقل، أحدهما يطلق على اكتشافه GLASS-z13 والآخر GHZ2- سيحتاجون إلى إجراء عمليات رصد جديدة لتأكيد بعدها عنا (سأطلق على المجرة اسم Glassy للتسهيل، فمجموعة البيانات التي أدت إلى هذا الاكتشاف تُعرف باسم GLASS). وإذا أُكِّدَ ذلك، ستحطم مجرة Glassy الرقم القياسي الحالي، الذي سجلته مجرة رُصِدَت من خلال تلسكوب هابل الفضائي عام 2015م، لأقدم ضوء رُصِدَ على الإطلاق منذ حوالي 100 مليون سنة.

قامت الفرق التي عثرت على مجرة Glassy بتأريخها من خلال دراسة خصائص ضوئها. لقد ظل الكون يتوسع منذ الانفجار العظيم، وهي عملية تمد الضوء إلى أطوال موجية أطول وأكثر احمرارًا. يترك ضوء النجوم القادم من المجرات البعيدة مصدره كضوء مرئي، ولكن بحلول الوقت الذي يصل فيه إلينا، ينزاح نحو الأحمر أسفل الطيف الكهرومغناطيسي إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء- وهو غير مرئي لأعيننا، ولكنه مثالي لمستشعرات ويب. ويعرف علماء الفلك أن الضوء يصبح أكثر احمرارًا كلما كانت المجرة التي أنتجته أبعد. قال لي روهان نايدو، عالم فلك في جامعة هارفارد والذي قاد إحدى الفرق التي رصدت المجرة: “رُئِيَت مجرة Glassy بشكل جيد جدًّا في الأطوال الموجية الأكثر احمرارًا، ولكن عندما تذهب إلى الأطوال الموجية الأكثر زرقة، فإنها تختفي تمامًا بشكل ملحوظ للغاية، وتُعد هذه الميزة سمة مميزة للمجرات البعيدة جدًّا، ومن الصعب جدًّا أن تتمتع بها أي أجسام أخرى بمثل هذا المستوى من الدرامية”.

ولتأكيد بُعد مجرة Glassy عن الكرة الأرضية، سيحتاج علماء الفلك إلى قياس ضوء المجرة باستخدام طريقة مختلفة من شأنها أن تكشف معلومات حول تركيبها الكيميائي. تُعد هذه التقنية هي المعيار الذهبي لقياس المسافات المجرية، والعلماء على يقين أن ويب قادر على تطبيقها. أصدر فريق ويب في الأسبوع الماضي بيانات أظهرت مدى قدرة المرصد على التقاط خصائص مجرة أقرب بكثير من Glassy، ولكنها لا تزال تعد بعيدة جدًّا. استغرق الضوء الصادر من تلك المجرة 13.1 مليار سنة ليصل إلى الأرض، ومع ذلك تمكن ويب من التقاط البصمات المميزة للأكسجين والهيدروجين والنيون بدقة مذهلة. أخبرني توماسو تريو، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وعضو الفريق الآخر الذي حدد المجرة بشكل مستقل، أن معرفة تكوين المجرات الأكثر بعدًا “ستكشف لنا شيئًا أساسيًّا حول كيفية تشكل هذه المجرات ونموها”. (قاد تريو أيضًا برنامج مراقبة ويب الذي أنتج البيانات التي عُثِرَ على Glassy فيها).

في الوقت الحالي، يستمتع علماء الفلك باحتمالية وجود مجرة Glassy، والتي بالإضافة إلى احتمالية تحطيمها للأرقام القياسية، هي أيضًا أغرب بكثير مما كانوا يتخيلون. لقد اعتقد علماء الفلك دائمًا أن المجرات لا يمكن أن تصبح كبيرة جدًّا في وقت مبكر جدًّا من تاريخ الكون، وستبدأ في تكوين النجوم بعد حوالي 500 مليون سنة من الانفجار العظيم. لكن مجرة Glassy شديدة السطوع، مما يشير إلى وجود كمية كبيرة من النجوم فيها، والتي يبلغ حجمها مجتمعة مليار مرة مقارنةً بكتلة شمسنا. قال لي كريس لينتوت، عالم فلك من جامعة أكسفورد يدرس تكوين المجرات ولم يشارك في البحث الجديد: “هذا يعني أن عملية تكوين النجوم تسير بسرعة”. ربما يكون إنتاج النجوم الضخمة أسهل بكثير مما توقعه العلماء، أو ربما تشكلت المجرات الأولى بواسطة قوى الجاذبية التي لا نفهمها. ومهما كان التفسير، فإن وجود مجرات مثل Glassy يشير إلى أن “نهاية العصور المظلمة للكون” -عندما اشتعلت النجوم الأولى- كانت “مذهلة”، على حد قول لينتوت.

هذه مجرد بداية الاقتراب من البداية. توقع رؤية طوفان من البحوث العلمية بعنوان: “قد تكون هذه أبعد مجرة رصدناها على الإطلاق!”، أخبرني العديد من علماء الفلك أنهم لن يتفاجؤوا إذا أُعلِنَ عن المرشح التالي لحامل اللقب في الأسبوع المقبل. وقالوا إنه بعد عام من الآن، قد تُحَدَّد العشرات وربما المئات من المجرات على مسافات مماثلة. وقالت ريجبي: “سنكتشف أي منها حقيقي، ثم سندرسها”. ثم ستبدأ المتعة الحقيقية، وهي اكتشاف المادة التي تتكون منها تلك المجرات، وكمية الغبار التي تحتوي عليها، وقصة النجوم اللامعة داخلها. لقد بدأنا للتو في التعرف على أقدم ضوء في الكون، على الرغم من أنه كان موجودًا طوال الوقت. وقال لينتوت: “لقد غمرنا، طوال تاريخ البشرية، الضوء الذي يصل إلينا من هذه المجرات البعيدة، والذي وُلد عندما كان عمر الكون بضع مئات الملايين من السنين فقط، وبنينا اليوم شيئًا قادرًا على التقاطه”. 

المصدر

 

مقالات ذات صلة