التزاوج بين العناكب لا يخلق الحياة فحسب، بل ينهيها. يجد الذكور من العديد من الأنواع -بما في ذلك العنكبوت الغازل المداري، وعناكب الأرملة، والعناكب الذئبية- أن حظوظهم تتضاءل، إذ تبدأ الإناث اللواتي غَوَوْهن في التهامهم أحياءً، في بعض الأحيان حتى قبل اكتمال عملية التلقيح. يبذل معظم العزاب ذوي الأرجل الثمانية جهودًا كبيرة لتجنب أكلهم من قِبَلِ أنثى العنكبوت: يحاول البعض تدليكها حتى تتخدر، أو ربط ساقيها بالحرير، ويتظاهر البعض الآخر بالموت، أو يبترون أرجلهم لإلهائها بوجبة خفيفة قبل التزاوج. هذا كله لأجل البقاء، وليعيش الذكر حتى يتزاوج غدًا.
ومع ذلك، لدى بعض الذكور من عناكب الأرملة وجهة نظر مختلفة تمامًا عن هذه اللقاءات المروعة. ففي غضون ثوانٍ من بدء التزاوج، يتشقلبون تضحيةً بالنفس، إذ يقلبون ظهرهم للأمام نحو فم الأنثى حتى لا يكون أمامها أي خيار سوى الالتهام. تخترق أنيابها جسد الذكر وتغمره بالإنزيمات الهاضمة التي تذيب أحشاءه قبل أن تشربها، ولا تترك وراءها سوى الهيكل الخارجي.
لن تحدث هذه الطقوس المروعة إذا لم يقدّم الذكر نفسه للتزاوج. عندما لا يتشقلب الذكور، فإن إناث العنكبوت لا تأكلهم -وهو أمر منطقي من الناحية الغذائية، مع الأخذ في الاعتبار أن الذكور في النوعين اللذين تحدث فيهما هذه العملية، العنكبوت أحمر الظهر والأرامل البنية، يزنون 1% إلى 2% من وزن الإناث. تقول لينكا سينتينسكا، عالمة الأحياء بجامعة تورونتو: “ستكون العنكبوت أفضل حالًا مع الذبابة”. ومع ذلك فإن الذكور يقدمون أنفسهم بكامل رضاهم، بل حتى بإصرار. حتى عندما تتاح لهم الفرصة للتزاوج مع إناث أقل عرضة لأكلهم، يختار الذكور العناكب التي تأكلهم. قالت لي سينتينسكا: “إنهم في الأساس يجبرون الإناث على قتلهم”. في جريمة القتل هذه، يكون الذكر ضحية وشريكًا في الوقت نفسه، ويشوب الغموض العلاقة المتشابكة.
قد لا تكون العمليات الانتحارية الغريبة هذه متناقضة كما تبدو. في تسعينيات القرن الماضي، وجدت ماديان أندرادي، مرشدة سينتينسكا في جامعة تورنتو، أن ذكور العنكبوت أحمر الظهر الذين يدفعون أقرانهم إلى أكل لحومهم يتزاوجون فترة أطول من أولئك الذين لا يفعلون ذلك، وبفضل إحدى خصائصهم البيولوجية، يمكنهم الاستمرار في نقل الحيوانات المنوية إلى داخل رحم الإناث بينما يُؤكلون في الوقت نفسه. يضع الذكر سائله المنوي في الأعضاء الجنسية للأنثى باستخدام ملحقين طويلين يشبهان الذراع بالقرب من رأسه، يُطلق عليهما اسم اللوامس القدمية (pedipalps). يمكنهما الوصول إلى الجانب السفلي من جسدها سواء كانا وجهًا لوجه أو كان هو مقلوبًا وهي تستنزف الحياة من ظهره. كلما طالت مدة قيام الذكر بمهام متعددة، كلما زاد عدد البويضات التي يخصبها. قد تنقطع أيضًا أطراف أقدامه، مما يؤدي إلى سد مدخل الجيب الذي تخزن فيه الأنثى الحيوانات المنوية، مما قد يمنع إيداع أي ذكر آخر لسائله المنوي داخلها.
تزاوج العناكب ذات الظهر الأحمر، إذ تلتهم الأنثى الأكبر حجمًا الذكر (الصورة من قِبَلِ شون ماكان)
تقول لورا سوليفان بيكرز، عالمة الأحياء العنكبوتية في جامعة ولاية موراي: إن الأمل الأكبر للذكر هو أن يصبح الشريك الأول والوحيد للأنثى، مما يضمن بشكل أساسي أبوته لأطفالها المستقبليين. يمكن أن يؤدي تشجيع الذكور للإناث لكي تلتهمهم إلى ترسيخ هذا المصير بطريقة أخرى أيضًا: فقد وجدت أندرادي أن الإناث ذات الظهر الأحمر التي تأكل شريكها في أثناء التزاوج تكون أيضًا أكثر ميلًا إلى إبعاد الذكور اللاحقين، مما يقلل من احتمالية فشل عملية التلقيح من الشريك الأول، واحتمالية أن لأبنائها آباءً مختلفين.
لا يزال يبدو الموت ثمنًا باهظًا مقابل البويضات، لكن بالنسبة إلى الذكور من عناكب الأرملة، قد لا يكون الأمر كذلك. قالت لي سوليفان بيكرز: “تنتشر إناث عناكب الأرملة في البيئة، لذا يتعين على الذكور الاجتهاد للعثور على شريكة”. يموت معظم الذكور دون أن يتزاوجوا، ولا يتمكنوا أبدًا من الحصول على أنثى، ويجب على القلة التي تنجح في ذلك أن تتغلب على سلسلة من العقبات التي تحول دون الشروع في التزاوج. يهز الذكر شبكة الأنثى، لكسب استحسانها، ويهزها ويدوّرها مدة تصل إلى 10 ساعات، ثم يحاول التزاوج معها قبل أن تخطئ في عدِّه فريسة. ومن المضحك أن جهودهم السابقة كلها لعملية التزاوج تهدف إلى تجنب التهامهم، الأولوية رقم 1 هي إيصال هذه الرسالة: “أنا ذكر، ولست وجبة”، كما قالت كاثرين سكوت، عالمة الأحياء بجامعة تورنتو التي تعمل مع أندرادي وسينتينسكا.
شقلبة ذكر العنكبوت أحمر الظهر (مقطع الفيديو من قِبَلِ شون ماكان)
إن إزالة تلك العقبات كلها أمر مثير للإعجاب، ومن غير المحتمل أن يتكرر. قالت لي سكوت: “إن فرص العثور على أنثى أخرى تكاد تكون معدومة”، خاصة وأن الذكور يعيشون عدة شهور فقط، مما يعني أن معظمهم لن يكسبوا الكثير من خلال البقاء على قيد الحياة: فطول العمر لا يهم إذا لم توجد المزيد من فرص التزاوج. تقول مرسيدس بيرنز، عالمة الأحياء بجامعة ميريلاند في مقاطعة بالتيمور: “في هذا الصدد، يعد التكاثر أكثر أهمية من البقاء على قيد الحياة”. من الأفضل أن تستثمر ما لديك كله في فرصتك المحتملة الحالية بدلًا من ألا تخاطر، ثم تضطر إلى المحاولة مرة أخرى.
في الواقع، يعيش بعض الذكور من عناكب الأرامل فترة كافية للتزاوج مرتين (مرتين!) مع شريكة واحدة إذا اتخذوا خطواتهم بشكل صحيح. تحتوي كل أنثى على عضوين لتخزين الحيوانات المنوية، ويجب ملؤهما واحدًا تلو الآخر. ومع ذلك، لكي يضع الذكر حيواناته المنوية في كليهما، يجب عليه أن ينجو من المحاولة الأولى- وهو إنجاز يمكن أن يحققه العنكبوت ذو الظهر الأحمر عن طريق ربط جزء من بطنه، “كما لو كان بحزام”، كما وصفت أندرادي، مما قد يؤدي إلى إبعاد أعضائه عن لدغة شريكته المميتة. لا تزال أنيابها تخترقه، وتبدأ عملية الهضم، وبحلول الوقت الذي ينتهي فيه موعدهما الثاني، تكون الأنثى قد أنهت المهمة.
قد لا يؤكل الذكور الآخرون من قِبَلِ عشيقتهم على الإطلاق. اكتشفت أندرادي وزملاؤها قبل بضع سنوات أن الذكور من عناكب الأرامل يمكن أن يقللوا من خطر تعرضهم للالتهام عن طريق التزاوج مع الإناث في مرحلة متأخرة. يتطلب هذا الفعل بعضًا من الخداع، ففي الأيام التي تسبق انسلاخها لتصبح بالغة، تظل الأعضاء التناسلية للإناث، على الرغم من اكتمال نموها، مغطاة تحت غمد من الهيكل الخارجي الذي يجب على الذكر أن يقطعه بأنيابه. يبدو الأمر بوحشية تناول شريكك، لكن على المدى الطويل، لا تصاب الإناث بالأذى، كما تقول لوسيانا باروفالدي، عالمة الأحياء بجامعة تورنتو، وعضوة في فريق أندرادي. وفي الوقت نفسه، يحصل الذكور على فائدة واضحة: تندر عمليات الشقلبة، ودائمًا ما ينهون التزاوج سالمين.
تزاوج ذكر عنكبوت الأرملة البنية مع أنثى أكبر منه بكثير (الصورة من قِبَلِ شون ماكان)
من الصعب أن نتخيل، للوهلة الأولى، لماذا يتنازل أي ذكر من عنكبوت الأرملة للتزاوج مع أنثى بالغة. ولكن من الغريب أن فريق أندرادي وجد أنه على الأقل في المختبر، يفضل الذكور الإناث الأكبر سنًّا، حتى لو يوجد بديل أصغر سنًّا في مكان قريب. أخبرتني سكوت أن الأمر يبدو كما لو أن الذكور يريدون التوجه نحو موت يمكن تجنبه تمامًا.
يمكن أن يكون جزء من هذا التحيز مجرد لعنة كيميائية، فالإناث البالغة تفرز المزيد من الفيرومونات، مما يجعل العثور عليها أسهل. لكن حساب التفاضل والتكامل الإنجابي أكثر تعقيدًا مما يبدو أيضًا. على الرغم من أن الأنثى البالغة قادرة على تخزين الحيوانات المنوية، إلا أنها لا تستطيع استخدامها لإخراج كيس البويضة إلا بعد نضوجها، وهو ما قد يستغرق أسبوعًا على الأقل، وربما أسبوعين. خلال الفترة الفاصلة هذه، يجب عليها أيضًا أن تتقشر، وهي عملية تجعل من العنكبوت فريسة سهلة، إذ تصبح إسفنجيةً وضعيفةً وبطيئةً. وقالت سكوت: إن التزاوج مع عنكبوت بالغة “ليس في الواقع أمرًا مؤكدًا”، فإذا ماتت الأنثى الحاملة للحيوانات المنوية قبل أن تضع حملها، فإن جهود الذكر ستذهب كلها سدى.
وقالت أندرادي: إن اختيار البالغات يعرض الذكور لخطر الموت المروع حقًّا، وهي نتيجة تبدو “مروعة” لمعظم البشر وتجعلنا نفكر: “يا له من عنكبوت مسكين”، إلا أن العناكب قد ترى الأشياء بشكل مختلف. يزيد التزاوج الانتحاري من فرصهم في أن يصبحوا آباءً بالفعل، وهو الأمر الأكثر أهمية. إنها لعبة مليئة بالتضحية، ولكنها مجزية أيضًا، فمن خلال الموت عمدًا، قد تمنح هذه العناكب نسلها فرصة للحياة.
