القائمة الرئيسية

الإمكانيات اللامتناهية في جسم صغير من الفضاء الخارجي

الإمكانيات اللامتناهية في جسم صغير من الفضاء الخارجي
ملخص المقال

يتناول المقال صورة مذهلة التقطها تلسكوب جيمس ويب لنظام كوكبي ناشئ داخل سديم الجبار، حيث تكرّر الطبيعة عملية تشكّل الكواكب كما حدث في بدايات نظامنا الشمسي. يُظهر المشهد قرصًا كوكبيًا أوليًا يدور حول نجم فتي عمره مليون عام، تحيط به هالة من الغبار والغاز، حيث تتماسك الجسيمات تدريجيًا لتكوين عوالم جديدة. يُجري العلماء، ومنهم مارك ماكوريان، أبحاثًا لمعرفة ما إذا كانت عملية تشكّل الكواكب قد بدأت بالفعل داخل هذا القرص. وعلى الرغم من أن هذه الصورة قد تبدو بسيطة أو غير واضحة للوهلة الأولى، فإنها تُجسّد لحظة كونية شبيهة بما شهدته الأرض يومًا ما، وتُذكّرنا بصورتنا الشهيرة ""النقطة الزرقاء الباهتة""، مما يمنحنا لمحة مؤثرة عن نشأة الحياة في الكون واحتمال تكرارها في أماكن أخرى.

بقلم مارينا كورين 

لو شاهد علماء الفلك الفضائيون نظامنا الشمسي من مسافة 4.5 مليارات سنة ضوئية مضت، للاحظوا نجمًا محاطًا بغاز وغبار بدائيين، تدور تلك المادة -المرتبة على شكل قرص ضيق لكن كثيف- مرارًا حول نجم في طور تكوينه، ومع مرور الوقت، تداخلت جزيئاتها وكوّنت مادة أكبر، وعملت الجاذبية على تنعيم الحواف الحادة لأكبر جزيئاتها لتشكل بذلك الكواكب والأقمار، وتركت بعض الأجزاء لتشكل الكويكبات والمذنّبات.


تتكرر العملية نفسها حول نجوم أخرى عبر الكون، حتى إننا نستطيع أخذ صورة لها بمساعدة التلسكوبات القوية، قد لا يبدو مثله إلى حد كبير، ولكن هذا الشيء الصغير الذي يشبه الصحن الطائر في الصورة في بداية هذه المقالة هو نظام كوكبي أثناء عملية تكوّنه، بينما يعرف الضوء الساطع الصغير المُشع في الظلام، والمحاط بحلقة خاصة به من الغبار والغاز، لدى علماء الفلك، بالقرص الكوكبي الأولي، هذا ما بدا عليه موطننا الكوني في بداية تشكله، قبل فترة طويلة من أن يصبح نجمه معروفًا، لمجموعة من أشكال الحياة على الكوكب الثالث من المركز، على أنه الشمس.


تقع عملية التكوّن هذه في سديم الجبار، وهو سحابة مضيئة من الغاز والغبار الواقعين ما بين النجوم على بُعد حوالي 1500 سنة ضوئية، ويبلغ نجمها من العمر حوالي مليون سنة –أي عمر طفل صغير حسب علم الفلك- يحجب الغبار المحيط بالنجم الضوء من السديم اللامع في الخلفية، والذي يظهر في الصورة أعلاه باللون الرمادي، وبالتالي يظهر القرص الكوكبي بشكل صورة ظليَّة، إن الجرم السماوي غير الواضح والضبابي الموجود بداخله ليس النجم نفسه، بل هو ضوء النجوم الذي يضيء هالة الغبار المحيطة به، وفقًا لمارك ماكوريان، عالم فلكي وكبير مستشاري العلوم والاستكشاف في وكالة الفضاء الأوروبية، تعد هذه البيئة واحدة من أكثر البيئات إثارةً للحيرة في الكون، إذ ستتحول الجسيمات الصغيرة في نهاية المطاف إلى عوالم كاملة.

الصورة التي وصلت في وقت سابق من هذا الخريف من تلسكوب جيمس ويب الفضائي الجديد، الذي يستخدمه ماكوريان لدراسة مجموعة داخل سديم الجبار، والتي هي موطن للعديد من النجوم الشابة مثل هذه، إذ قال لي “ما نحاول البحث عنه هو ما إذا كانت الجسيمات في ذلك القرص قد تطورت أكبر مما كنا نتوقع في الوسط ما بين النجوم –قطع متوسطة من الغبار وأشياء صغيرة تطفو حول الفضاء- هل تمكن هذا القرص فعلًا من جعل بعض الجسيمات تلتصق ببعضها بعضًا، وتبدأ العملية نحو بناء الكوكب بالفعل؟”. 


يمكن لتلسكوب ويب أن يرصد الحافة الخارجية لهذا القرص فقط، ولكن أي دليل على التكتل هناك قد يشير إلى أن العملية نفسها تحدث أبعد من ذلك، أقرب إلى النجم، حيث يكون القرص أكثر كثافة، هذا ما قاله ماكوريان، ووفقًا لنظريات تشكل الكوكب، فيفترض أن الكواكب الغازية مثل المشتري وزحل قد بدأوا بالتشكل هنا.

لا يعد النظام النجمي، المعروف بإحداثياته باسم كوكبة الجبار 606-294، اكتشافًا جديدًا، وقد رصد علماء الفلك مثل هذه الأهداف من قبل، في سديم الجبار وفي أماكن أخرى، وقد وجدوا علامات تلمح لتشكل الكواكب من خلال دراسة الأنماط في تدفق الغاز داخل قرص كوكبي أولي، وقد حدّد علماء الفلك العلامات المميّزة للعناصر الكيميائية التي تطفو داخل بعض هذه الأقراص، مما أتاح لهم التنبؤ بالمواد التي يمكن أن تتشكل منها الكواكب المستقبلية.


ولكن هناك شيء مؤثر حول الجسم الذي رصده ماكوريان، وهو يحوم في ظل سحابة كونية، يذكرني الجسم بـ”النقطة الزرقاء الباهتة”، وهي الصورة الشهيرة التي التقطتها مركبة ناسا الفضائية فوياجر في عام 1990م، بعد جولتها الكبيرة في النظام الشمسي، وهي الصورة التي ألهمت كارل ساغان لوصف الأرض بأنها “ذرة من الغبار متعلقة في شعاع الشمس”، عندما رأيت تلك الصورة لأول مرة، أصبت بالإحباط نوعًا ما، فهي معيبة: إن خطوط ضوء الشمس غير الواضحة هي عبارة عن أخطاء تقنية، لها علاقة بالطريقة التي تم بها توجيه كاميرا المسبار، وتبدو البقعة الصغيرة في الشعاع البرتقالي وكأنها شيء تحاول مسحه على شاشة الكمبيوتر المحمول، وكثيرًا ما تحتوي صور الفلك على هذه المشاكل –إذ لا يكون الشكل وأهميته واضحين دائمًا على الفور، فقط عندما تنظر إلى الصورة لبعض الوقت، وتفسح بعض المجال للتفكر، هل تكون مربعات البيكسل هذه شيئًا آخر، يمكن أن تمثل صورة خلابة لمحاولة الجنس البشري لفهم الكون، ولتبين لنا مكانتنا فيه.


يمكن أن ينظر إلى كوكبة الجبار 606-294 على أنه نسخة مصغرة من النقطة الزرقاء الباهتة واقعة ما بين النجوم، ليس فقط لأن الصورة قد تثير إحساسًا بالوحدة –على الرغم من أن ماكوريان قد قال إن العديد من النجوم الأخرى خارج إطار الصورة– ولكن بسبب الضخامة التي بداخلها، وضحت صورة النقطة الزرقاء الخافتة عالمًا كاملًا، بينما تحمل لقطة الويب شيئًا أكبر، يبلغ حجم هذا القرص الكوكبي الأولي حوالي خمس مرات أوسع من نظامنا الشمسي حتى نبتون، وعلى الأرجح لديه كل ما يحتاجه لإنشاء نظام كوكبي بالتنوع نفسه الذي لدينا، ليجلب إلى الوجود نسخته الخاصة من المشتري وزحل، وربما حتى الأرض، تلك النقطة الصغيرة من البيكسل؟ هو نوع من الأماكن التي يمكن أن تخلق نقاطًا زرقاء خافتة، وربما، كل الحياة التي تكمن في داخلها.

المصدر

مقالات ذات صلة