القائمة الرئيسية

السُّبات: نمط الحياة المتطرف الذي يمكن أن يوقف الشيخوخة

السُّبات: نمط الحياة المتطرف الذي يمكن أن يوقف الشيخوخة
ملخص المقال

يكشف المقال عن سر طول عمر بعض أنواع الخفافيش رغم صغر حجمها، وهو ما يخالف القواعد التطورية المعتادة. إذ تبين أن هذه الكائنات تطيل أعمارها عبر الدخول في سبات شتوي يُبطئ أو يوقف مؤقتًا عملية الشيخوخة البيولوجية، فتتقدم في العمر فقط خلال فترات اليقظة والنشاط. يشير البحث إلى أن السبات لا يحافظ على الطاقة فحسب، بل يُعدّ أيضًا وسيلة لتأخير تدهور الخلايا. ومع أن هذا الاكتشاف قد يغري البشر بمحاكاة السبات لغايات طبية أو فضائية، فإن له تبعات خطيرة، منها ضمور العضلات وضعف المناعة، فضلًا عن فقدان لحظات الحياة. السبات إذًا هو توازن معقد بين النجاة والتجدد، لكنه ليس ضمانة لطول العمر بمعناه الكامل.

بقلم كاثرين جيه وو

لا يُفترض أن تكون الخفافيش الأكبر سنًّا اليوم على قيد الحياة، فهي ثدييات صغيرة الحجم، ووفقًا للقواعد التطورية التي تسري على مختلف الأنواع، يجب أن تكون الخفافيش قصيرة العمر، مثلها مثل غيرها من الكائنات صغيرة الحجم.

مع ذلك، فإن العديد من الثدييات المجنحة على الأرض تخالف هذا الاتجاه، وأحيانًا ما تتخطى وقت زوالها المتوقع بعقود من الزمن. فقد سُجِّلَ عيش أحد الأنواع وهو خفاش براندت، الذي يزن ما بين أربعة إلى تسعة جرامات فقط كخفاش بالغ، أي ما يعادل وزن ربع دولار، حتى سن 41 عامًا في البراري، تقريبًا بطول عمر فيل آسيوي قياسي يزن أربعة أطنان، وحوالي 10 أضعاف الطول الذي قد تشير وتتنبأ به أبعاد جسمه بطريقة أخرى. يقول عالم الأحياء جيري ويلكنسون الذي يعمل في جامعة ميريلاند: “تعيش الخفافيش فترة طويلة بشكل مثير للدهشة بالنسبة لحجمها، فهو عمر أطول من أي حيوان ثديي آخر”.

لا يوجد عامل واحد يمكنه تفسير طول العمر المذهل للخفافيش، فهي حيوانات تتسم بالذكاء والتعاون، وتساعدها أجهزتها المناعية القوية على تحمل الفيروسات التي تصيب الحيوانات الأخرى بأمراض كارثية– وهي صفات تساعدها بلا شك على البقاء على قيد الحياة لأطول مدة ممكنة. ولكن إحدى حيلها المضادة لعملية الشيخوخة، وهي من بين أكثر الحيل مراوغة من الناحية البيولوجية في العالم، هي ببساطة تأجيل تقدمها في السن أشهرًا من كل عام.

تتجمع هذه الثدييات الصغيرة مع انتقال فصل الخريف إلى فصل الشتاء في الكهوف والأشجار والمناجم، وتطوي أجنحتها وتعلق أقدامها فوق رأسها، فتنخفض درجة حرارة أجسامها، وتقترب أحيانًا من التجمد، ويتباطأ معدل ضربات قلبها إلى بضع نبضات في الدقيقة؛ وبالكاد تتنفس على الإطلاق. تقول العالمة ألين إنجلسون فيلبولا، عالمة الأحياء في جامعة كارلتون: “توقف الخفافيش العمليات الحيوية جميعها في أجسامها بشكل أساسي، وتقلل بشكل كبير من استخدام الوظائف جميعها التي نربطها عادةً بالحياة”. ولطالما فُهمت فترات السبات الطويلة مثل هذه على أنها حياة معلقة تستخدم للحفاظ على موارد الجسم في أوقات حاجته الماسة إليها. أما بالنسبة للخفافيش، فقد وجد ويلكنسون وزملاؤه أن السبات قد يطيل فترة بقائها على الأرض بشكل كبير.

ليس الوقت في حد ذاته هو ما يقتلنا؛ ولكن الطريقة التي نقضي بها أوقاتنا هي التي تفعل ذلك. إن تقويم الأيام والشهور بالنسبة لمعظم المخلوقات يسير بالتوازي مع عملية الشيخوخة الداخلية، بيد أن الخفافيش، وعلى الأرجح غيرها من الكائنات التي تعيش في حالة السبات أيضًا، قادرة بشكل فعال على فصل تلك الساعات، إذ إنها تتقدم في العمر البيولوجي فقط عندما تكون نشطة ومستيقظة– حتى عندما تدق ساعتها الزمنية. تقول حنان حاج موسى، عالمة الأحياء في معهد بابراهام: “فكروا في الكائنات التي تعيش في حالة السبات أنها متوقفة عن العمل. فهي لا تتضرر مثل الكائنات الحية التي يتعين عليها التعامل مع الحياة فقط”.

يرى العديد من العلماء الشيخوخة أنها ما يحدث عندما تتراكم أعباء الحياة في الجسم، وتتمثل في تكاليف عملية الأيض وحرق الطعام لمتطلبات الطاقة اليومية، بالإضافة إلى الفضلات الخلوية المتراكمة، في حين يؤدي السبات إلى توقف تلك العمليات المرهقة تقريبًا. تقول جيني تونغ، عالمة الأحياء في معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري: إن الحيوانات التي تتمكن من التحكم في السبات “فإنها بالكاد تفعل أي شيء من الناحية الأيضية، وأجسادها باردة جدًّا”. تشكل هذه العملية تقييدًا لاستهلاك السعرات الحرارية والحفظ بالتبريد في آن واحد، وهو تباطؤ يحافظ على العمر الافتراضي الفسيولوجي، مثل وضع جهاز الآيفون على وضع الطاقة المنخفضة للمحافظة على عمر البطارية.

توصل العلماء لأول مرة إلى فكرة أن السبات قد يكون وسيلة لتأخير الموت بشكل مؤقت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وذلك عندما وجد فريق من الباحثين الطبيين في جامعة هارفارد أن الهامستر التركي الذي قضى وقتًا طويلًا بشكل خاص في سبات موسمي زائف قد فارق الحياة متأخرًا عن أقرانه. سرعان ما حدد الباحثون في السنوات اللاحقة العديد من المخلوقات الأخرى التي تنتمي إلى نادي “استيقظ قليلًا، عش طويلًا”، ومن بينها السناجب الأرضية، والخفافيش، والمرموط، والليمور، وجميعها تعيش مدة أطول من الأنواع المماثلة التي لا تدخل في سبات شتوي، في إشارة واضحة إلى أن الكائنات التي تدخل في سبات شتوي كانت “تغش في اللعبة” بطريقة ما، كما تقول غابرييلا بينهو، عالمة الأحياء في معهد البحوث البيئية في مدينة ساو باولو البرازيلية.

ولكن من الصعب الجزم أن البيات الشتوي هو حيلة مضادة لعملية الشيخوخة. فإذا كانت الحيوانات تتحصن في أوكارها وجحورها عدة أشهر في السنة، فهي مختبئة بشكل أفضل من الحيوانات المفترسة، ومحمية أكثر من العوامل الجوية. ولتأكيد أن هذه الفترات من السبات كانت في الواقع، على المستوى الجزيئي، تضغط على زر “الإيقاف المؤقت” في مسيرة الحيوانات الحتمية نحو الموت، كما أخبرتني تونغ، يحتاج العلماء إلى طريقة “للبدء في التساؤل عما يحدث داخل الخلايا نفسها”.

نشرت مجموعتان بحثيتان بقيادة بينهو وويلكنسون على التوالي هذا العام بعضًا من أكثر البيانات إقناعًا في هذا المجال حتى الآن على حيوان المرموط أصفر البطن والخفافيش الكبيرة بنية اللون؛ إذ بحثت كلتا الدراستين في جينومات الثدييات الصغيرة، بحثًا عن تعديلات تخلقية، وهي بمثابة علامات ترقيم جزيئية تعلّم امتدادات الحمض النووي، مما يجعلها سهلة القراءة إلى حد ما. تتغير هذه العلامات وتصبح أكثر تناثرًا كلما تقدمنا في العمر، وقد درسها الباحثون عن كثب بما يكفي لقراءة أنماطها، مثل حلقات الأشجار تقريبًا، وتحديد مدى تقدم أنسجتنا على طول الطريق إلى الشيخوخة. وحين يقارن الباحثون ذلك بالعدد الفعلي للسنوات التي عاشها الحيوان، فإنهم يتمكنون من معرفة ما إذا كان المخلوق نشيطًا بشكل خاص بالنسبة لعمره الزمني من الناحية الجزيئية، كما تقول دانييل آدامز، عالمة الأحياء في جامعة توسون والتي عملت مع ويلكنسون في دراسة الخفافيش الكبيرة بنية اللون.

تمكن كلٌّ من بينهو وويلكنسون وآدمز وزملائهم من خلال فحص جينوم المرموط والخفاش في أوقات مختلفة من السنة، من إثبات توقف عملية الشيخوخة البيولوجية للحيوانات بشكل فعال في فصل الشتاء حتى مع تراكم أشهر من التسلسل الزمني، ثم عادت إلى الظهور بسرعة في الربيع مع استيقاظها. تقول إيزابيل سوليفان، التي كانت ضمن فريق ويلكنسون وآدمز: إن الاختلافات في تعديلات الحمض النووي كانت صارخة بما فيه الكفاية بين الفصول لدرجة أنها كانت واضحة “في غضون ستة أشهر للمخلوق نفسه”.

للتوضيح، لم يتواجد السبات لمجرد ملء الطبيعة بحيوانات المرموط والخفاش كبيرة السن، فالغرض الأساسي منه هو إنقاذ الحيوانات من الموت شبه المؤكد خلال أوقات السنة التي تفتقر إلى الموارد والأوقات التي غالبًا ما تكون باردة ولا تحتمل. تقول ليليانا دافالوس، عالمة الأحياء في جامعة ستوني بروك: “إنها وسيلة للنجاة، فقط من أجل الوصول إلى المرحلة التالية من حياتهم”. وربما كان من قبيل الصدفة السعيدة تضاعف فائدة هذا السبات أيضًا كينبوع للشباب والحياة.

للبشر طرق مختلفة للتغلب على فصول الشتاء القاسية، فنحن لم نَحْتَج أبدًا إلى أن ندخل في سبات شتوي للبقاء على قيد الحياة، إلا أن احتمالية محاكاة هذا الفعل لا تزال تشغل أذهاننا. فقد يتيح هذا الوقت إجراء العمليات الجراحية الطارئة، كما يمكن أن يتيح السفر إلى الفضاء بعيد المدى، مما يبقي رواد الفضاء على قيد الحياة حتى يصلوا إلى وجهاتهم، مع الاستغناء إلى حد كبير عن الحاجة إلى حزم أطنان من الطعام. ولو كان طول العمر ميزة أيضًا، فمن المحتمل أن يصطف بعض الأشخاص في صف طويل لاكتسابها.

ومع ذلك، قال ويلكنسون: “سأكون حذرًا عند التحدث عن أننا إذا دخلنا في سبات شتوي، يمكننا أن نضاعف عمرنا الافتراضي”. توجد الكثير من الكائنات التي تدخل في السبات ولا تزال تموت في العمر الذي يفترضه حجم جسمها، وبغض النظر عن أن السبات قد يبدو مريحًا، إلا أنه يهدد بأن يكلفنا ثمنًا باهظًا. فبينما تكون الحيوانات غير نشطة، تتلاشى وظائف المخ، وتنخفض أوزانها، ويتضاءل جهازها الهضمي، ومع توقفها عن الحركة تقريبًا، تتباطأ ردود أفعالها، مما يجعلها فريسة سهلة ولقمة سائغة للحيوانات المفترسة التي تصادفها، ويزيد من خطر ضمور عضلاتها وتآكل عظامها. كما تتراجع فاعلية جهازها المناعي أيضًا، مما يجعل الأجسام أكثر عرضة للإصابة بالعدوى. (هذا هو أحد الأسباب الكبيرة التي أدت إلى إصابة أعداد كبيرة من الخفافيش في السنوات الأخيرة بمتلازمة الأنف الأبيض، وهو مرض فطري قاتل يصيب الخفافيش بشدة). كما ابتكرت المخلوقات التي تطورت بفعل السبات الشتوي العديد من الإستراتيجيات لمواجهة تكاليفه، مما يسمح لها بالنهوض مرة أخرى في كل ربيع، إلا أن البشر لم يفعلوا ذلك، مما يعني أننا سنتكبد خسائر أكبر بكثير.

تتطلب الاستعدادات للبيات الشتوي مجهودًا شاقًّا، إذ يتعين على السناجب والدببة في فصل الخريف قبل السبات أن تغذي نفسها حتى تدخل في غيبوبة سكر لتخزن الدهون التي تكفيها عدة أشهر. أخبرتني بينهو أن حيوان المرموط أصفر البطن، الذي يمكن أن يدخل في سبات مدة تصل إلى ثمانية أشهر من السنة، لديه “أربعة إلى خمسة أشهر متبقية من السنة فقط لمضاعفة وزنه والتكاثر بشكل أساسي”، إذ يركز على أهم مهامه في الفترات القصيرة التي يكون فيها مستيقظًا. (يجب على صغارها أيضًا أن تتغذى بشراهة بعد فترة وجيزة من ولادتها، وإلا فإنها ستواجه خطر الموت في أول شتاء لها تحت الأرض).

ولا يضمن السبات نومًا مريحًا أيضًا، فيجب على معظم الثدييات إيقاظ نفسها عادةً مرة كل أسبوعين أو نحو ذلك، للتخلص من الفضلات وربما ارتشاف القليل من الماء، وبشكل مثير للسخرية، لتنام. كما أخبرتني العالمة إنجلسون فيلبولا من جامعة كارلتون إن عمليات الاستيقاظ هذه مكلفة للغاية: “كل عملية استيقاظ واحدة يقوم بها السنجاب تستهلك حوالي 5% من الطاقة التي يستخدمها طوال موسم السبات بأكمله”. وللسبات أيضًا آدابٌ مختلفة، فبعض ذكور الخفافيش تستيقظ في منتصف فصل الشتاء القارس للتزاوج مع الإناث التي لا تزال في سبات عميق، والتي قد تستيقظ بعد أسابيع لتجد نفسها تحمل نطف حيوانات غريبة.

ولا ننسى، يوجد الخوف من فوات الشيء. أخبرني ويلكنسون أن السبات “سيكون وسيلة لرؤية العالم في المستقبل، وهذا أمر جذاب نوعًا ما للتفكير فيه. ولكن عندها ستفقد فرصة رؤية الأشياء على ما هي عليه الآن”. وأيضًا، لا تريد تونغ أن تفوت أي فرصة: “لمشاهدة والدَيْ أو أطفالي وهم يكبرون”. قد يُنظر إلى السبات على أنه الاقتراب من الموت قدر الإمكان دون الاستسلام له بشكل كامل. فإذا كان هذا بالفعل هو الثمن الذي يجب أن تدفعه الخفافيش وحيوان المرموط مرارًا وتكرارًا لإطالة أعمارها، فربما لا تعيش حقًّا فترة أطول على الإطلاق.

المصدر

مقالات ذات صلة