الطقس حار في الخارج، الطقس حار في كل مكان تقريبًا هذا الصيف، وعلى مرّ خمس قارات: في الصين، التي لم تكمل إلا نصف الفترة المتوقعة للحرارة الشديدة التي ستستمر مدة أربعين يومًا، وفي المملكة المتحدة، التي سجلت مؤخرًا رقمها القياسي الجديد في درجة الحرارة المرتفعة، وفي إشبيلية، حيث أُطلِقَ اسم على موجة حر للمرة الأولى في التاريخ (سررنا بمعرفتكِ، موجة الحر “زوي”)، وفي الولايات المتحدة منذ فترة وجيزة جدًّا في شمال كاليفورنيا؛ حيث أسهم الجفاف التاريخي مع الحرارة المرتفعة في خلق ظروف مثالية مسببة لحرائق الغابات، وفي ولاية أوريغون، حيث ألقت السلطات باللوم مبدئيًّا على ارتفاع الحرارة في وفاة ١٤ شخصًا على الأقل، والآن في ولاية كنتاكي، حيث ستتفاقم الفيضانات الشديدة المميتة التي تسببت في ترك مجتمعات بأكملها بلا كهرباء لتشغيل المكيفات أو الثلاجات، أو أي جهاز آخر لتخفيف الحرارة، وقريبًا في شمال شرق البلاد.
تتجاوز العديد من المدن الأمريكية (أو قد تجاوزت مرارًا وتكرارًا) حد درجات الحرارة المكون من ثلاثة أرقام؛ فقد سجلت مدينة سولت ليك رقمًا قياسيًّا لمعظم أيام متتالية بدرجة حرارة ١٠٠ فهرنهايت، وتجاوزت كلٌّ من مدينتَيْ بوسطن ودنفر مؤخرًا المئة درجة وتسجل أرقامًا قياسية يومًا بعد يوم للحرارة المرتفعة، وكذلك مدينة نيوارك في ولاية نيو جيرسي؛ فهي في يومها الخامس على التوالي بدرجة حرارة مكونة من أرقام ثلاثية.
من الجدير بالذكر أنه كما أخبرني أليكس روان عالم المناخ في ناسا، تُحَطَّم الأرقام القياسية لدرجات الحرارة اليومية على مدار العام، وعلى الرغم من الأخبار كلها التي تتعلق بذلك، فإن التوقف على حد المئة درجة لهو أمر تعسفي تمامًا، (فقط اسأل أي شخص لا يعيش في الولايات المتحدة، أو جزر الباهاما، أو جزر كايمان، أو ليبيريا، أو بالاو، أو ولايات ميكرونيزيا المتحدة، أو جزر مارشال، هم سيضعون الأمور في نصابها الصحيح)؛ فلا شيء سحري حول الرقم ١٠٠: إنه فقط عدد صحيح كبير يشغل عقولنا، وهو نزوة في علم النفس بدلًا من أن يكون حقيقة فسيولوجية، ومع ذلك، سواء أكان هذا هراءً أم لا، يبدو رقم ١٠٠ درجة متناسبًا إلى حد ما مع التجربة التي ينقلها، وكما قال لي دانييل هورتون، عالم المناخ في جامعة نورث وسترن: “أعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يكون فيه المقياس الفهرنهايتي أفضل من المقياس المئوي، فقط من ناحية صحة التجربة المرتبطة به، عندما تصل درجة الحرارة إلى ثلاثة أرقام، فأنت تعلم أنها ستكون شديدة”، ويبدو أن الناس يتفقون مع هذا المنطق؛ إذ نشرت الكاتبة إيرين تشاك على تويتر خلال عطلة نهاية الأسبوع قائلة: “أمريكا مخطئة في كل شيء باستثناء استخدام مقياس الفهرنهايت، مقياس الفهرنهايت هو الطريقة الصحيحة لقياس درجة الحرارة، فهو يعبر عن القول إن “الجو حار جدًّا، يبدو أنه بحوالي…١٠٠ درجة”، حصلت التغريدة على أكثر من ٢٩٨٠٠٠ إعجاب.
ومع ذلك، يتطلب تقييم الخطر الفعلي لارتفاع درجات الحرارة حسابات أكثر تعقيدًا، وللقيام بذلك، يتحدث العلماء الذين يدرسون تأثيرات الحرارة على جسم الإنسان، ومن بينهم البروفيسور زاكاري شليدر في جامعة إنديانا، عن حدود “قابلية التنظيم الحراري”، والتي تعني ببساطة النقطة التي يصبح فيها الجسم غير قادر على تعويض الحرارة المحيطة وغير قادر على تبريد نفسه، فيبدأ في رفع حرارته داخليًّا، وهنا تحدث الأمور السيئة حقًّا، مثل التشنجات الحرارية، والإرهاق الحراري، وضربة الشمس، ويعتمد حدوث ذلك على عدد من العوامل. إن الحرارة الشديدة مهمة، ولكن أيضًا مستوى الرطوبة والنشاط البدني والقدرة الشخصية على التحمل مهم، قال لي شليدر: “إن تبخر العرق يمثل مكيف الهواء لأجسامنا، إنه أقوى وسيلة لدينا للتخلص من الحرارة، ولكنه يعمل فقط إذا تبخر هذا العرق”، فكلما زادت الرطوبة في الخارج -أي كلما زاد بخار الماء في الهواء- زادت صعوبة تبخر العرق وتبريد الجسم؛ وهذا هو السبب في أن يبدو يومٌ بدرجة حرارة مكونة من ثلاثة أرقام في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، أخف حرارة من يوم بدرجة حرارة مكونة من رقمين في مدينة باتون روج بولاية لويزيانا، (إن مؤشر الحرارة يأخذ كلًّا من درجة الحرارة والرطوبة في الاعتبار).
يُضعِفُ النشاط البدني أيضًا قدرتنا على تنظيم درجة حرارة أجسامنا؛ لأنه كلما بذلنا مزيدًا من الجهد، زادت الحرارة التي ننتجها ويجب التخلص منها عن طريق التعرق، وأخبرني هورتون أنه كلما استمرت الحرارة فترة أطول، زادت خطورة الأمر، يعتمد الجسم على الليل من أجل تبريده، ورغم أن درجات الحرارة بعد غروب الشمس لا تصل إلى ١٠٠، إلا أنها لا تنخفض بالقدر نفسه الذي كانت عليه في الماضي.
وحسب ما قال شليدر، يمكن للحرارة الشديدة أن تسبب أضرارًا خطيرة حتى عندما تكون درجة الحرارة أقل بكثير من حد التحمل هذا، فكون تبريد الجسم إنتاجًا فسيولوجيًّا رئيسًا، يجب على القلب والكليتَيْن، على وجه الخصوص، أن ينشطا بشكل مفرط، وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية، يمكن أن يتحول هذا المجهود الإضافي إلى مجهود مميت قبل وقت طويل من وصول الجسم إلى الحدود النظرية لإمكانية التنظيم الحراري، وإذا نظرت إلى بيانات العلاج في المستشفيات، فسترى أن الغالبية العظمى من الحالات لا تأتي في مشاكل التعرض للحرارة نفسها، ولكن في مشاكل القلب ومشاكل الكلى والجفاف، ونتيجة لذلك، فإننا على الأرجح نستخف بحجم الأضرار الحقيقية الناجمة عن موجات الحرارة.
نعرف كيفية التخفيف من هذه التهديدات على المستوى الفردي والمجتمعي؛ إذ تعد إتاحة مكيفات الهواء أمرًا أساسيًّا، ولكن بشكل عام، أخبرني شليدر أن الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر بالحرارة هم أيضًا الأشخاص الذين ليست لديهم مكيفات، وقال: إن المراوح الكهربائية بديل جيد، ولكن إذا تجاوزت درجة حرارة معينة -منخفضة تصل إلى 95 درجة، حسب بعض التقديرات- في هذه الحالة تضر المراوح أكثر مما تنفع، وقد يساعد أيضًا نقع قميصك أو تبليل جسمك باستخدام إسفنجة، وكذلك شرب الماء البارد، وعلى المستوى المجتمعي، أخبرني هورتون: يمكن للحكومات إنشاء مراكز تبريد في الأحياء، وركن حافلات مكيفة على زوايا الشوارع، وتقديم خصومات على الخدمات العامة، حتى لا يخشى الأشخاص الذين لديهم مكيفات هواء من استخدامها.
عندما سألتُ هورتون عما يميز موجة الحر الأمريكية الحالية عن تلك التي تشهدها أوروبا والتي تحدثت عنها معه قبل أسبوعين (أو في هذا الشأن، تلك التي حدثت في الصيف الماضي أو الصيف الذي سبقه)، كانت إجابته بسيطة: لا شيء؛ إذ قال لي: “إنها موجة حر أخرى، موجة حر شديدة أخرى، ولكنها مملة نوعًا ما”، وأضاف: “تكون هذه الأشياء غير مثيرة للاهتمام إذا أصبحت شائعة جدًّا”، لم يقصد هورتون بذلك التقليل من معاناة أي شخص، ولكن عندما يحدث الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا، تنفد الأشياء الجديدة التي يمكن قولها وتفقد الاهتمام.
وهذه المعضلة باختصار، لقد أصبحت الحرارة المرتفعة منتظمة جدًّا لدرجة أنها لم تعد تثير اهتمامنا، رغم أن حقيقة انتظامها هي بالضبط السبب وراء ضرورة أن تثير اهتمامنا.
