القائمة الرئيسية

الطائرات لا ترقى إلى مستوى الطيور

الطائرات لا ترقى إلى مستوى الطيور
ملخص المقال

يكشف المقال عن تطورات بارزة في فهم قدرة الطيور على الطيران والمناورة، من خلال أبحاث رائدة أجراها علماء مثل كريستينا هارفي وغراهام تيلور. وجد الباحثون أن الطيور لا تسلك المسار الأسرع أو الأكثر كفاءة عند الطيران، بل تختار ما يضمن لها هبوطًا آمنًا وتحكمًا أكبر، وتتميز بقدرتها الفريدة على تغيير شكل أجنحتها أثناء الطيران، ما يسمح لها بالتحول بين الطيران المتوازن وغير المتوازن. هذا التكيف الدقيق لا تستطيع الطائرات الحديثة محاكاته بعد، لأنه يتطلب تحكمًا ديناميكيًّا وخصائص قصور ذاتي معقدة، إضافة إلى مستوى معين من ""الإدراك"". وتفتح هذه الاكتشافات آفاقًا جديدة لتطوير طائرات دون طيار قادرة على المناورة بمرونة الطيور، مستوحاة من فهم أعمق للميكانيكا الحيوية للطيران، مما قد يعيد صياغة هندسة الطيران المستقبلية بدمج الذكاء الاصطناعي والسلوك الحيواني في التصميم.

بقلم ياسمين سابلاكوغلو

في غرفة مستطيلة مغطاة بشبكة مموهة، تناوبَ أربعة من صقور هاريس في الطيران ذهابًا وإيابًا بين الأعمدة المغطاة بالعشب بينما سجل العلماء كل رفرفة ميكانيكية حيوية لها. كان الباحثون يشاركون في السعي العريق لمراقبة الطيور وهي تطير– على الرغم من أن اهتمامهم الحقيقي في هذه التجربة كان مشاهدتها وهي تهبط.

وفي أكثر من 1500 جولة من الطيران بين الأعمدة، سلكت الصقور الأربعة دائمًا المسار نفسه تقريبًا– ليس المسار الأسرع أو الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، بل المسار الذي سمح لها بالجثم بأكبر قدر من الأمان وبأكبر قدر من التحكم. وفقًا لوصف غراهام تيلور، أستاذ علم الأحياء الرياضي بجامعة أكسفورد، وزملائه مؤخرًا في مجلة Nature: طارت الصقور في قوس على شكل حرف U، ورفرفت بأجنحتها بسرعة لتسريع الهبوط، ثم انسابت بشكل حاد للأعلى، ومدت أجنحتها لإبطاء تقدمها قبل التشبث بالأعمدة.

وتقول عالمة بيانات الأبحاث في معهد آلان تورنغ، ليديا فرانس، التي صممت التجارب وساعدت في إجرائها: “إن مشاهدتها أمر غريب ومذهل”. وليس بإمكان الطائرات مضاهاة قدرة الصقور على الهبوط عن طريق التوقف تقريبًا في الهواء.

ويقول الأستاذ المساعد في مختبر ميكانيكا الموائع التجريبية بجامعة سنترال فلوريدا، ساميك باتاتشاريا: “لقد صنع التطور جهاز طيران أكثر تعقيدًا بكثير مما تمكنا من تصميمه في أي وقت مضى”. إن الأسباب التي تجعل طائرات اليوم لا تستطيع مجاراة قدرة الطيور على المناورة ليست مجرد مسألة هندسية. وعلى الرغم من أنه رُوقِبَت الطيور بدقة عبر التاريخ وكانت مصدر استلهام لتصميمات آلة الطيران التي ابتكرها ليوناردو دافنشي، فإن الميكانيكا الحيوية التي تجعل قدرة الطيور على المناورة ممكنة كانت غامضة إلى حد كبير.

ومع ذلك، بدأت دراسة تاريخية نُشِرَت في شهر مارس الماضي في مجلة Nature في تغيير ذلك. في أثناء إجراء بحث الدكتوراه في جامعة ميشيغان، وجدت كريستينا هارفي وزملاؤها أن معظم الطيور يمكن أن تغير شكل أجنحتها في منتصف الطيران لتنتقل ذهابًا وإيابًا بين الطيران بسلاسة مثل طائرة الركاب، والطيران البهلواني مثل الطائرة المقاتلة. ويوضح عملهم أن الطيور يمكنها تغيير كل من الخصائص الديناميكية الهوائية التي تحكم كيفية تحرك الهواء على أجنحتها، وخصائص القصور الذاتي لأجسامها التي تحدد كيفية تحركها في الهواء لإكمال المناورات السريعة.

حددت هذه الاكتشافات عوامل كبيرة لم تكن معروفة سابقًا تسهم في براعة الطيور البهلوانية، وكشفت عن بعض الضغوط التطورية التي جعلت الطيور بارعة جدًّا في الطيران. كما أنها تساعد في إعادة صياغة المخططات التي قد يتبعها مهندسو المستقبل عندما يحاولون تصميم طائرات تتمتع بقدرة على المناورة والتكيف مثل الطيور، فهي تطير برشاقة تبدو سهلة ولكنها تعتمد على موارد بدنية وعقلية سريعة جدًّا بدأنا للتو في تقديرها.

تصف هارفي، التي درست الهندسة الميكانيكية عندما كانت طالبة جامعية، دراستها عن طيران الطيور أنها “تقيس شيئًا يبدو لي كالسحر”. وفي وقت مبكر من حياتها المهنية، قبل أن تنتقل من الهندسة إلى علم الأحياء، لم تعتقد أبدًا أنها ستكون الشخص الذي يحاول اكتشاف أسرار الطيور.

وتقول هارفي: “لم أكن حتى أحب الطيور”. ومع ذلك، في أحد أيام عام 2016م، جلسَت على حافة صخرية في حديقة بالقرب من جامعة كولومبيا البريطانية لتستريح بعد نزهة قصيرة وفكرت في المشروع الذي ستختاره كطالبة ماجستير عُيِّنَت حديثًا في مختبر علم الأحياء. فكرت وهي محاطة بالنوارس: إنها تطير بشكل رائع حقًّا، وسيلاحظ المرء ذلك إن كان بالإمكان تجاهل مدى إزعاجها.

أصبح النورس ما تسميه طائر “الشرارة”، وسرعان ما تخلت عن تجنبه لتحاول فهم المزيد عن قدرته على الطيران. ولكن عندما تعمقت هارفي في الدراسات، أدركت وجود فجوات كبيرة في معرفتنا لكيفية طيران الطيور.

وقد ألهمتها دراسة أجريت عام 2001م والتي شارك تيلور في تأليفها بينما كان يسعى للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة أكسفورد. وضعت ورقة تيلور البحثية الأساس النظري لكيفية تحقيق الطيور والحيوانات الطائرة الأخرى للتوازن، وهي السمة التي تحميها من أن تُدفَعَ في الاتجاهات الخاطئة.

وأوضح تيلور أن التوازن يأتي من مزيج من التوازن المتأصل –أو المقاومة الغريزية للاضطرابات– والتحكم، وهي القدرة النشطة على تغيير الاستجابات للاضطرابات. التوازن المتأصل هو ما تتمتع به الطائرة الورقية الجيدة، والتحكم هو موطن قوة طائرة مقاتلة من الجيل الخامس. أظهر بحث عام 2001م أن التوازن المتأصل يلعب دورًا أكبر في طيران الطيور مما كان يُعتقد عمومًا.

وبعد وقت قصير من قراءة بحث تيلور، ركزت هارفي في بحث الدكتوراه على تطوير المعادلات الديناميكية الأولى للتوازن في طيران الطيور. وتقول: “لدينا هذه المعادلات كلها الخاصة بالطائرات. ولكنني أردت معادلات خاصة بطيران الطيور”.

من أجل فهم حالات توازن وعدم توازن طيران الطيور والتحديات التي تواجهها الطيور في السيطرة عليها، أدركت هارفي أنها وفريقها سيحتاجون إلى رسم خريطة لخصائص القصور الذاتي جميعها للطيور– وهو الأمر الذي وجدت أن الدراسات السابقة عدَّته غير مهم أو تجاهلته إلى حد كبير. تتعلق خصائص القصور الذاتي بكتلة الطائر وكيفية توزيعها، على عكس الخصائص الديناميكية الهوائية، التي تؤثر على الطائر المتحرك.

وجمعت هارفي وفريقها 36 جثة لطيور متجمدة –تمثل 22 نوعًا مختلفًا تمامًا– من متحف بيتي للتنوع البيولوجي في جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر بكندا. وشرَّحوا الجثث وصولًا إلى كل ريشة على حدة؛ وقياس الطول والوزن وطول الأجنحة الكاملة، وبسطوا الأجنحة وقبضوها يدويًّا لمعرفة نطاق حركة مرفقَيْ ومعصمَيْ الطيور.

وقد أنشأوا برنامجًا نموذجيًّا جديدًا يمثل أنواعًا مختلفة من الأجنحة، والعظام، والعضلات، والجلد، والريش، كتركيبات من مئات الأشكال الهندسية. سمح لهم البرنامج بحساب الخصائص ذات الصلة، مثل مركز الجاذبية و”نقطة الحياد” التي تمثل المركز الديناميكي الهوائي للطائر في أثناء الطيران. ثم حددوا تلك الخصائص لكل طائر وكوَّنوا أجنحته في مجموعة متنوعة من الأشكال.

ولقياس مدى ثبات كل طائر وقدرته على المناورة، حسبوا عاملًا ديناميكيًّا هوائيًّا يسمى “هامش الثبات” -المسافة بين مركز ثقله ونقطة الحياد بالنسبة لأبعاد الجناح. إذا كانت نقطة الحياد للطائر خلف مركز جاذبيته، فقد عدُّوا الطائر متوازنًا بطبيعته، مما يعني أنه في أثناء الطيران، سيعود الطائر بشكل طبيعي إلى مسار طيرانه الأصلي إذا دُفِعَ من موضع توازنه. إذا كانت النقطة المحايدة أمام مركز الجاذبية، فإن الطائر يكون غير متوازن وسيُدفَع بعيدًا عن الموضع الذي كان فيه- وهذا بالضبط ما يجب أن يحدث للطائر للقيام بمناورة مذهلة.

عندما يصمم مهندسو الطيران الطائرات، فإنهم يحددون هوامش الثبات لتحقيق الأداء المطلوب. لكن الطيور –على عكس الطائرات– يمكنها تحريك أجنحتها وتغيير وضعيات جسمها، وبالتالي تغيير هوامش الثبات. ولذلك قيَّمت هارفي وفريقها أيضًا كيفية تغير التوازن المتأصل لكل طائر في تكوينات الأجنحة المختلفة.

تقول الأستاذة المساعدة في الهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران في جامعة برينستون، إيما ويسا، والتي كتبت تعليقًا على عملهم في مجلة Nature، أن هارفي وزملاءها اتخذوا إطار عمل “يشبه إلى حد كبير ذلك الذي نتخذه للطائرات” وعدَّلوه ليناسب الطيور.

عندما أطلقت الديناصورات من رتيبة وحشيات الأرجل الريشية نفسها في الهواء قبل حوالي 150 مليون سنة، كانت تطير بشكل محدود، ترفرف على مسافات قصيرة فقط أو في دفعات صغيرة. ولكن، مع استثناءات قليلة فقط، تطور أكثر من 10000 نوع من الطيور المنحدرة من تلك الديناصورات إلى آلات طيران مميزة، قادرة على الطيران الشراعي الرشيق والمناورات البهلوانية. ويتطلب هذا النوع من القدرة على المناورة استغلال حالة عدم التوازن من خلال التحكم بها– ثم الخروج منها.

ونظرًا لأن الطيور الحديثة تتمتع بقدرة كبيرة على المناورة، فقد افترض علماء الأحياء أنها تطورت لتصبح غير متوازنة أكثر فأكثر. تقول هارفي: “كان يُعتقد أن الطيور –مثل الطائرات المقاتلة– تميل نوعًا ما إلى حالات عدم التوازن هذه لإجراء هذه المناورات السريعة حقًّا. ولهذا السبب تطير الطيور بهذه الطريقة التي لا يمكننا محاكاتها بعد”.

ولكن الباحثين وجدوا أن واحدًا فقط من الأنواع التي نظروا إليها كان تمامًا غير متوازن. كانت توجد أربعة أنواع متوازنة تمامًا، ويمكن لـ 17 نوعًا –بما في ذلك طيور الحمام والخُطَّف– التبديل بين الطيران المتوازن وغير المتوازن عن طريق تغيير شكل أجنحتها. تقول هارفي: “في الواقع، ما نراه هو أن هذه الطيور قادرة على التحول بين ذاك النوع من الطائرات المقاتلة وطائرات الركاب النفاثة”.

وأشارت النمذجة الرياضية الإضافية التي أجراها فريقها إلى أنه بدلًا من تعزيز عدم توازن الطيور، كان التطور يحافظ على قدرتها على التوازن وعدمه على حد سواء. ووجد فريق هارفي دليلًا على أن ضغوط الاختيار كانت تحافظ على هوامش الثبات التي مكنت التوازن وعدمه على حد سواء. ونتيجة لذلك، تتمتع الطيور بالقدرة على التحول من وضع التوازن إلى وضع عدم التوازن والعكس؛ إذ تغير خصائص طيرانها حسب الحاجة.

ولا تستطيع الطائرات الحديثة القيام بذلك، ليس فقط لأن خصائصها الديناميكية الهوائية والقصور الذاتي أكثر ثباتًا، ولكن لأنها ستحتاج إلى خوارزميتَيْ تحكم مختلفتين تمامًا. فالطيران غير المتوازن يعني إجراء التصحيحات باستمرار لتجنب الاصطدام. يجب أن تفعل الطيور شيئًا مشابهًا، و”يجب أن يوجد مستوى معين من الإدراك في ذلك”، وذلك وفقًا لريد بومان، عالم بيئة سلوكية وباحث في برنامج بيئة الطيور في محطة Archbold البيولوجية في فلوريدا.

يقول القيّم على قسم الديناصورات في قسم علم الأحياء القديمة بمؤسسة سميثسونيان (Smithsonian Institution)، ماثيو كارانو: “لقد ظل الناس يحاولون فهم أصل الطيور طالما ظل الناس يدرسون التطور– وكانت العقبة الرئيسية تتمثل في تعقيد الطيران وعدم قدرتنا على فك شيفرته”.

إن أكثر ما يفاجئه ليس أن الطيور تمتلك هذه القدرات على التحول بين أنماط الطيران المتوازن وغير المتوازن– وإنما أن بعض الأنواع لا تمتلك هذه القدرة. وهو يتساءل عما إذا كانت هذه الأنواع لم تطور هذه القدرة مطلقًا أم أنها فقدت القدرة في مرحلة ما، تمامًا كما انحدرت الطيور الحديثة غير القادرة على الطيران من تلك التي كان يمكنها الطيران.

إن العديد من مناورات الشقلبة والدوران والهبوط التي أتقنتها الطيور ليست من النوع الذي يرغب أي شخص في تجربته في طائرة ركاب. لكن المركبات الجوية غير المأهولة، والمعروفة أيضًا باسم UAV أو الطائرات دون طيار، تتمتع بقدر أكبر من الحرية في القيام بمناورات شديدة الاضطراب، كما أن شعبيتها المتزايدة للأغراض العسكرية والعلمية والترفيهية وغيرها من الأغراض تخلق المزيد من الفرص لها للقيام بذلك.

يقول باتاتشاريا، الذي أرسل دراسة هارفي إلى مجموعة الهندسة على الفور بعد أن قرأها: “إنها خطوة عظيمة نحو إنتاج طائرات دون طيار أكثر قدرة على المناورة”. العديد من الطائرات دون طيار اليوم هي طائرات ثابتة الجناحَيْن، وهي رائعة لمهام المراقبة والأغراض الزراعية؛ لأنها تستطيع الطيران بكفاءة لساعات وتقطع آلاف الكيلومترات. ومع ذلك، فإنها تفتقر إلى القدرة على المناورة التي تتمتع بها الطائرات دون طيار ذات المروحيات الرباعية الهزيلة والتي تحظى بشعبية كبيرة بين الهواة. ويحلم الباحثون في مجموعة إيرباص ووكالة ناسا بتصميمات جديدة للطائرات المجنحة التي يمكن أن تحاكي بعض مواهب الطيور المذهلة في المناورة.

ويأمل تيلور وفريقه تحليل كيفية اكتساب الطيور القدرة على أداء المهام المعقدة في أثناء تعلم الطيران. إذا تمكن الباحثون من فهم هذه المناورات حقًّا، فقد يدرج المهندسون يومًا ما الذكاء الاصطناعي في تصميم المركبات الجوية الجديدة، مما يمكنهم من محاكاة الطيور ليس فقط في المظهر، بل حتى في قدرتها على تعلم سلوكيات الطيران.

وبينما تعدُّ هارفي مختبرها الجديد في جامعة كاليفورنيا في دافيس، فهي لا تزال تخطط لموضوع أبحاثها المستقبلية في نطاق الأبحاث الأساسية حول طيران الطيور لتصميم وتصنيع الطائرات دون طيار والطائرات. لكنها تعمل أولًا على بناء فريق من طلاب الهندسة والأحياء الذين لديهم الشغف نفسه الذي تتمتع به للعمل في مجالَيْن مختلفَيْن تمامًا.

تقول هارفي: “لا أعتقد أنني كنت مبدعة بشكل كافٍ في نطاق مجال الهندسة”. بمجرد أن بدأت العمل في مجال علم الأحياء، شعرت أنه بإمكانها أن تكون أكثر إبداعًا. وهي الآن تقضي ساعات طويلة في العمل على تحسين مجسمات الطيور، مما يثير استياء العديد من زملائها المهندسين. تقول: “أقضي نصف وقتي في الرسم. لقد غيّر ذلك منظوري بشكل كبير”.

المصدر

مقالات ذات صلة