بقلم: كيلاس روبرتس
عليك معرفة:
يتوقع الأشخاص الذين يعيشون في الدول الغربية اليوم عمرًا أطول بكثير عما كان في متوسط العمر،، وهو الوصول إلى مائة عام تقريبًا. لقد كانت توقعات العمر الحياتية المتوسطة القصيرة الملحوظة في الماضي مشوهة بمعدلات عالية من وفيات الأطفال تشويهًا مؤلمًا. ومع ذلك، فبالمقارنة مع منتصف القرن التاسع عشر؛ فإنه يمكن لطفل في عمر الخامسة اليوم أن يتوقع العيش حتى سن 82 عامًا بدلًا من 55 عامًا- وهذا يعني زيادة في العمر 27 عامًا (استنادًا إلى البيانات المستقاة من إنجلترا وويلز).
وعلى الرغم من أن هذا التطور يحظى بالترحيب -بكل تأكيد–، والسبب الرئيسي كان إلى حد كبير نتيجة للتحسُّن في مجال الرعاية الصحية، والقضاء على الأمراض المُعدِية، ولكنه سيف ذو حَدَّين، حيث يستطيع الجسم الاستمرار في العمل على مر عقود عديدة، لكن الدماغ قد لا يستمر؛ وإذا تُرِك الشخص بجسد سليم مع دماغ متضرر دائمًا، فسيجد نفسه في وضع لا يُحسد عليه. وهذه هي المخاوف التي ظهرت في استطلاع حديث أجرته Alzheimer’s Research UK أن قرابة نصف المشاركين يخشون من الخَرَف أكثر من أي مرض آخر، حيث تزيد نسبة الإصابة به إلى أكثر من 60 % بين الأشخاص الذين تجاوزوا سن 65.
لقد عملت في مجال صحة الدماغ لمدة تقرب من 20 عامًا في وظيفتي كطبيب نفسي، وكان أحد أهم مجالات اهتمامي هو مرض الخرف (فقدان تدريجي لوظائف الدماغ نتيجة لمرض ما مثل مرض الزهايمر)، وتوصلت إلى اعتقاد بأن الجميع عليهم التفكير في صحة دماغهم في وقت مبكرٍ جدًّا قبل سن 65؛ لوجود وسائل تقلل من مخاطر الإصابة بمرض الخرف وتأثُّر القدرات العقلية بصورة كبيرة، وكلما تعاملت مع الخيارات النمطية الإشكالية والظروف الصحية مبكرًا؛ زادت فرصتك للنجاة ازديادًا كبيرًا.
وتجنب مرض الخرف ما هو إلا اعتبار واحد، ومن ذات الأهمية الكبيرة تحسين وظيفة الدماغ على مدى حياتك – مما يسمح لهذا العضو الحيوي بالعمل بأفضل أدائه في العقود العديدة قبل أن يهجم مرض الخرف بنسبة كبيرة. إن فعل ذلك سيساعدك على الاستفادة من إنتاجية أعلى، وسيحقق مزيدًا من السعادة والرضا في الحياة.
الشيخوخة تؤثر على الدماغ، ولكن ليست كلها أخبارًا سيئة
عند النظر في الوسائل الممكنة لتحسين صحة الدماغ، فيجدر بنا أن نكون على دراية بالعوامل التي تعمل في الاتجاه المعاكس، وبشكل عامٍّ، يختل الدماغ لأسباب عدة:
- عدم تلقي الدماغ الاحتياج المناسب سواء في شكل الأكسجين أو العناصر الغذائية الأساسية للنمو الأمثل وللوقاية، مما يؤدي إلى نقص التدفق الدموي أو الاستهلاك الغذائي غير الكافي.
- من خلال تراكم “الفضلات”، حيث تتراكم في الدماغ مع مرور الوقت بوصفها ناتجًا جانبيًّاللعمليات الأيضية، ويتضاعف وجودها بالأشياء التي نفعلها ونتركها في حياتنا. يمكن أن تكون هذه الفوضى ذات طابع التهابي، أي أنها تنتج كاستجابة لتهديد يشعر به الدماغ -ويتسارع هذا الالتهاب مع التقدم في العمر- وهذه العملية تُعرف اصطلاحيًّا بـ “الالتهاب”. فالالتهاب هو الأساس الذي يقوم عليه العديد من الحالات الصحية المزمنة بما في ذلك مرض الخرف.
- من خلال تعرُّض الدماغ لأضرار نتيجة إصابة جسدية، حتى الأحداث النسبية البسيطة، مثل ضرب كرة القدم بالرأس، إذا تكررت بدرجة كافية؛ قد تسبب مشكلات عقلية طويلة الأمد (سنتناول هذا بالتفصيل في القسم التالي).
- قلة التدريب، فالعقل كالعضلة يمكن تدريبه، وللأسف، فكما تتراجع عضلات جسمنا إذا لم نوظفها، فإن نقص التدريب وضعف النشاط العقلي قد يؤدي إلى فقدان وظائف الإدراك وفشل الدماغ.
كلما زاد عمرك؛ زاد الوقت الذي يمكن لهذه القوى العاملة ضد صحة الدماغ أن تتراكم. فماذا يعني ذلك بالنسبة للدماغ الشيخوخي، حتى وإن تمكن من تجنب الإصابة أو المرض؟ بالطبع، توجد أنباء طيبة وأخرى سيئة.
أما السيئة، يجب أن تتوقع انخفاضًا في “قوة الدماغ” مع تقدمك في العمر، ربما بدءًا من الثلاثينات:
- فيمكن أن يحدث النسيان، ولكن أوضح مشكلة هي فقدان سرعة المعالجة. أنا في منتصف الأربعينات وبالتأكيد يمكنني أن أشهد بذلك، فعادة ما يمكنني الوصول إلى الإجابة الصحيحة في النهاية، ولكن الأمر يستغرق مني وقتًا أطول. إن اللعب بأسئلة مسابقة سريعة مع ابني المراهق هو أمر ضائع.
- كما يحدث تدهور في “المهارات التنفيذية” مع التقدم في العمر، بما فيها التي تديرها القشرة الجبهية (في الجزء الأمامي من الدماغ)، والتي يمكن أن تؤثر على قدرتك على التخطيط وتنظيم نفسك، وحل المشكلات المعقدة. مرة أخرى، هذا أسوأ عندما تكون تحت ضغط الوقت، وهذه التغييرات في الإدراك مرتبطة بالتغيرات في الدماغ -انكماش (مؤشر على فقدان الخلايا العصبية)- وتغيرات في إمدادات الدم.
أما الأنباء الطيبة: فإن بعض المهارات الإدراكية لا تنخفض إلى حد كبير مع التقدم في العمر: فقاموسك اللغوي وقدرتك على استخدام اللغة من المرجح أن يظلا سليمَيْن نسبيًّا (بصرف النظر عن “زلات اللسان” والتي ربما ترتبط ببطء معالجتنا). وبالمثل، من المحتمل أن تبقى مهاراتك المكانية والبصرية سليمة مع تقدم العمر. وهذه المهارات تمنحك معرفة مكانك بالنسبة لأشياء أخرى في بيئتك -سهلة الاستخدام عند القيادة! بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تعوض زيادة الحكمة والتجربة العديد من حالات العجز المرتبطة بالعمر – مما يتيح اتخاذ قرارات أفضل.
والأمر الأهم، لا تحتاج إلى قبول التغيرات المرتبطة بالشيخوخة سلبيًّا. حتى إلى وقت قريب نسبيًّا، كان يُعتقد أنه بمجرد أن يكتمل نضوج الدماغ -حوالي منتصف العشرينات من العمر- فإن ذلك هو الحد الأقصى، ومن بعدها تسير الأمور بنحو سلبي. ونعلم الآن أن هذا ليس صحيحًا. فهناك أبحاث جمة تشير إلى هياكل دماغية معينة، حيث يستمر البشر في إنتاج خلايا عصبية جديدة طوال حياتهم، وأحد هذه الهياكل هو الحصين “الهيبوكامبوس”، وهو حاسم لتشفير الذكريات الجديدة، وهو موقع مبكر للحدّ من مرض الزهايمر. إن القدرة على تعزيز هذا النمو والاستفادة من “التشكيل العصبي” للدماغ (أي قدرته المستدامة على التكيف مع المتطلبات المفروضة عليه)، تمثل فرصة مهمة ومتفائلة، مما يعني أن هناك تغييرات في نمط الحياة يمكنك اعتمادها -والتي سأوضحها قريبًا- ستساعدك في الحفاظ على لياقة دماغك العامة ووظيفته، حتى مع تقدمك في العمر.
أصول مرض الخرف عميقة
بالمقارنة مع الشيخوخة الطبيعية، يظهر مرض الخرف تدهورًا أشد خطورة في وظيفة الدماغ. يزداد سوءًا مع مرور الوقت، ومع انتشار المرض الذي يعززه في جميع أنحاء الدماغ، ستتأثر المزيد من المهارات الإدراكية، ويجدر الذكر هنا أن مرض الخرف ليس تشخيصًا ذاتيًّا؛ بل مجرد مصطلح نستخدمه لوصف مجموعة من الأعراض والعلامات التي تشير إلى مشكلة في الإدراك تزداد تدهورًا بالتدريج.
يعد مرض الزهايمر السبب الأشهر والمعروف للخرف، ولكن المرض الوعائي (الذي يؤثر على القلب والأوعية الدموية) قد يسبب أيضًا مرض الخرف؛ وتوجد متغيرات شائعة أخرى مثل مرض الخرف الجبهي الصدغي ومرض أجسام ليوي.
إن أحد التحديات في التعامل مع مرض الخرف أنه في الغالب حالة تظهر لدى كبار السن غالبًا، ومع ذلك فإن أصولها عميقة جدًّا. في الواقع، نعلم الآن أن أحد البروتينات الضارة المرتبطة بمرض الزهايمر تبدأ في الظهور في الدماغ قبل عقود من ظهور الأعراض. وبالمثل، تتطور مشكلات الأوعية الدموية مثل ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول على مر السنين قبل أن يصبح المرض ظاهرًا.
هذا يسلط الضوء على أهمية الفرصة -من ناحية إيجابية- للتعامل مع عوامل الخطر قبل أن تظهر أعراض مرض الخرف. ونسلط الضوء على نقطة مهمة مجهولة تمامًا: مرض الخرف يمكن منعه، أو على الأقل تأجيله. وقد أفاد تقرير نُشِر في عام 2020م أجرته مجلة الطب الرائدة “The Lancet” أن 40% من حالات مرض الخرف في جميع أنحاء العالم يمكن تجنبها نظريًّا من خلال التعامل مع عدد من عوامل الخطر التي يمكن تغييرها على مر الحياة.
إن هذا أمر قوله أسهل من فعله -فمَن من الأشخاص حاول الحفاظ على عادات صحية وتجنب العادات السيئة على المدى الطويل! فاستمرار الدافع والبقاء عليه يعد أمرًا صعبًا. وهذا ينطبق خاصة عندما تكون غالبًا مكافأة فورية للعادة السيئة (مثل الارتفاع السريع في مستوى السكر في الدم بعد تناول الأطعمة المحلى بها)، فنحن نميل نحو هذه المكافآت، فهي متأصلة في تاريخ أسلافنا عندما كان التهديد نادرًا. والتهديد الحالي في العالم الغربي الحديث ليس الندرة، وإنما الوفرة! فلم يسبق لنا التمكُّن وسهولة الوصول إلى أشياء تضر بدماغنا بنفس القدر، وعلى رأسها: السكر والدهون المشبعة والملح، فالجمع بين وجودها الواسع ورغبتنا في دماغنا لتناولها بحد ذاته مشكلة حقيقية.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فالحقيقة أن هناك أمورًا يمكنك تطبيقها لحماية دماغك من مرض الخرف، والأهم من ذلك، أن هذه الأنشطة تُعدّ مكافآت فورية بحد ذاتها -سواء من حيث تحسين الوظائف الإدراكية وزيادة الرفاهية العامة. في الواقع، من أجل حماية صحة دماغك في المستقبل وتحسين وظيفتك العقلية في الوقت الحالي، يجب أن تلبي الأمور نفسها. وفي هذا الدليل سأريك كيف تطبقها.
ما عليك فعله
أقترح خمسة أنواع رئيسية من الأنشطة يمكنك اتباعها لتحسين وظيفة دماغك، سواء في الفترة الحالية، أو للمساعدة في تقليل خطر تطور مرض الخرف في مرحلة لاحقة من حياتك.
أولًا: غذِّ عقلك
يمثل الدماغ فقط 2% من وزن جسمك ولكنه يستخدم 20% من احتياجه للطاقة؛ وعليه، فمن الطبيعي أنه إذا لم يتلقَّ الاحتياج الصحيح من العناصر الغذائية، فلن يعمل بكفاءة. ويتطلب الوصول لذلك كلًّا من تناول العناصر الغذائية الصحيحة وأيضًا نظامَ نقلٍ كافيًا لوصولها إلى الدماغ.
الأمر الثاني يعتمد على صحة الأوعية الدموية الجيدة، بما في ذلك عدم وجود تصلب الشرايين، وهو تراكم دهني على الجدران الداخلية للأوعية الدموية يُضيِّق مسارها، وهذا مرتبط بمستوى الكولسترول في دمك وأيضًا ضغط الدم. ويؤثر مباشرة ضغط الدم غير الطبيعي على إمداد الدم بالعناصر الغذائية إلى الدماغ: إذا كان مرتفعًا جدًّا، فإنك تعرض نفسك لخطر الجلطات؛ وإذا كان منخفضًا جدًّا، فإن التدفق قد يكون غير كافٍ لنقل العناصر الغذائية إلى الدماغ بكفاءة. والأمر الحاسم أن النظام الغذائي الصحي يساعد في ضمان أن مستوى ضغط الدم والكولسترول في دمك في حالة جيدة.
وأفضل نظام غذائي معتمد بالأدلة العلمية لحماية الدماغ هو نظام غذاء البحر الأبيض المتوسط أو نظام الغذاء MIND وهو بمثابة نسخة مشابهة له، إذ يشير MIND إلى: The Mediterranean-DASH intervention for Neurodegenerative Delay تدخل البحر الأبيض المتوسط - DASH لتأخير الأمراض العصبية، حيث تعني DASH نفسهاDietary Approaches to Stop Hypertension “النهج الغذائي للحد من ارتفاع ضغط الدم” (ارتفاع ضغط الدم هو المصطلح الطبي لضغط الدم المرتفع). يمكنك أن ترى لماذا طُورت هذه الاختصارات! فقد أظهرت دراسة تبحث في فوائد نظام الغذاء MIND أن المشاركين الذين اتبعوا هذا النظام بصرامة لديهم أدمغة تعادل أدمغة أصغر بسبع سنوات من الذين لم يتبعوه مطلقًا (بناءً على القدرات العقلية).
يقترح النظامان الغذائيان البحر الأبيض المتوسط وMIND الأطعمةَ التي يجب تناولها والأطعمة التي يجب استبعادها أو على الأقل تقليل استهلاكها كالتالي:
الأطعمة المفضل تناولها:
الخضراوات الورقية الخضراء ويفضل غير النشوية
التوابل والأعشاب
البقوليات والفاصوليا
الحبوب الكاملة
أسماك المياه الباردة مثل السلمون والتونة والسردين وما شابه
زيت الزيتون
الدواجن
المكسرات والبذور
التوت
الأطعمة المستبعدة:
الأطعمة المصنعة والغنية بالسكر
منتجات الألبان واللحوم الحمراء
الجوهر الأساسي من هذه الأطعمة هو الحصول على إمداد وفير من مضادات الأكسدة (مركبات تأثيرها واقٍ في الدماغ)، والألياف، والدهون غير المشبعة (بما فيها الأحماض الدهنية أوميغا-3)، وفيتاميناتB، وكمية مناسبة من الكربوهيدرات المعقدة.
سابقًا، أشرت إلى الالتهاب بوصفه سببًا لسوء صحة الدماغ. وإن مضادات الأكسدة في الأطعمة المذكورة أعلاه – وخاصة الخضروات والتوابل -تحد من الالتهاب بتجنبها الجذور الحرة، وهي جزيئات تُنتج من وظائف الجسم اليومية، كالتنفس والتغذية والنشاط البدني، وكذلك تنتج بوفرة نتيجة لأمور أخرى -مثل تلوث الهواء والتدخين واستهلاك الكحول وتناول الأطعمة المصنعة. فإذا وصل الالتهاب إلى الدماغ؛ فإن ذلك بداية لمشكلات في الوظائف العقلية، بما في ذلك الخرف.
وللألياف فوائد خاصة، تفتقد عمومًا في النظام الغذائي الغربي التقليدي نتيجة لمعالجتنا المفرطة للطعام. وكذلك من الأمور الأخرى التي تسببها الألياف، تغييرات في بكتيريا الجهاز الهضمي -الجراثيم الميكروبية- التي قد تكون مفيدة. عندما لا تكون الجراثيم الميكروبية في حالة صحية، يؤدي ذلك مرة أخرى إلى الالتهاب جزئيًّا؛ لأن الطبقة الواقية اللزجة التي تغطي جدار الأمعاء تتحلل، مما يعني أن المواد الالتهابية تتسرب إلى الأنسجة والدورة الدموية، ومحتمل أن تؤثر سلبًا على الدماغ.
يحتوي الدماغ على 60% من الدهون. ولهذا السبب، عادةً لا أنصح بنظام غذائي قليل الدهون، فنوع الدهون الصحيح ضروري لعزل خلايا الأعصاب ليسهل نقل الرسائل بكفاءة، لكن مشكلة الدهون هي توجهنا إلى تناول النوع الخاطئ -الدهون المشبعة، والتي توجد في منتجات الألبان الكاملة الدسم واللحوم الحمراء، وهذا النوع يمكن أن يزيد من الأمراض الوعائية –وهو غير مفيد للدماغ- والكميات الزائدة منه يمكن أن يؤدي إلى السمنة، وهو سبب آخر للالتهاب. ومن الأفضل تناول الدهون غير المشبعة – الموجودة مثلًا في زيت الزيتون والمكسرات.
ثانيًا: مَرِّن عقلك
يشير مصطلح “الاحتياط المعرفي” إلى قدرة الدماغ على العمل جيدًا رغم وجود أضرار جسدية ناجمة عن إصابة أو مرض، مثل مرض الزهايمر، فكلما زاد الاحتياط؛ كان الدماغ في وضع أفضل. هناك عوامل متنوعة، مثل مستويات التعليم الأعلى ووظائف تتطلب نشاطًا عقليًّا مكثفًا، ترتبط بوجود احتياط معرفيّ أكبر، وبوسعك اتخاذ خطوات نشطة لتدريب دماغك وزيادة احتياطك المعرفي.
لتدريب دماغك على أمثل وجه، توجد شروط معينة يجب توفرها؛ أولًا: يُعتقد عمومًا أنه ضروري وجود التنوع والتجديد -كقيامك بأشياء ليست عادية بالنسبة لدماغك. قد يكون مدمنو حل الألغاز المتقاطعة أفضل حالًا من حل الألغاز اليابانية، والعكس بالعكس. تعلُّم لغة جديدة أو نمط جديد للرقص أو آلة موسيقية هي أمثلة رائعة على ذلك؛ تأدية تمارين تكرارية مفيدة لزيادة مهارة عقلية محددة وهذا يساهم في تعزيز التنظيم العصبي الذي يدعم هذه المهارة، ثم هناك العامل المتعلق بالتعقيد. فالمهام العقلية الصعبة تمثل عبئًا أكبر على الدماغ ولها فوائد أكبر، وهذا يشبه رفع الأوزان في الصالة الرياضية –تتكون الزيادات الحقيقية من خلال تحدي نفسك. وهناك شرط آخر -استمرارية التعقيد- مرتبط بهذه الزيادة: ببساطة، زيادة مستوى صعوبة التعلم أو النشاط العقلي باستمرار حتى تكون متحديًا على نحو كافٍ.
أُسأل غالبًا عن تطبيقات تدريب الدماغ مثل Lumosity وBrainHQ وعلى الرغم من أن هذه التطبيقات قد تكون ممتعة وتسبب الإدمان (وهو جانب إيجابي يشجع على الاستمرار في التدريب)، فإنه يوجد نقص حتى الآن في الأدلة المتينة على أن المهارات التي طورتها هذه التطبيقات ستصبح عامة. يعني ذلك أنك ستتحسن في لعبتك التي تلعبها، ولكن ذلك قد لا يُترجَم إلى أنشطة عقلية أخرى أو مجالات في حياتك. وقد أشارت دراسة ACTIVE التي نُشرت في عام 2013م إلى وجود بعض القدرة على التعميم، ولكن ذلك كان ضد اتجاه النتائج الأخرى، ويحتاج مزيدًا من البحث. فاحتمالية الإدمان من هذه الألعاب والتطبيقات لها عيوب أيضًا: لقد رأيت عديدًا من المرضى الذين أصبحوا مهووسين بتحسين درجاتهم في الألعاب وقضوا ساعات كل يوم في التدريب على حساب أنشطة مهمة أخرى، مثل التواصل الاجتماعي (سأتحدث عن هذا الأمر في لحظة ما). وفي الغالبية، شعَرَ هؤلاء الأفراد بالتوتر عندما لم يحرزوا تقدمًا، وهذا بحد ذاته ليس جيدًا للدماغ. كما هو الحال مع كل شيء، هذا أمر متعلق بالتوازن.
أما بالنسبة لتحسين الذاكرة على وجه الخصوص، فيوجد عديد من الحِيَل والتقنيات التي قد تُستخدَم. فقد يكون مفيدًا تجزيء المعلومات الكبيرة إلى مجموعات صغيرة –نفعله بشكل طبيعي عندما نقسم أرقام الهواتف المحمولة، واستخدام القافية والأغاني يمكن أن تكون مفيدة، وأيضًا اختبار نفسك فيما تعلمته مفيدًا، و”تكرار الفترات” (إعادة دراسة المواد بعد فترة من الساعات أو الأيام أو الأسابيع أو أكثر) يُعَدّ أداة قوية للتذكر.
توجد تقنيات أكثر تطورًا كالتي يستخدمها “أبطال الذاكرة”، فهي أيضًا قوية فعلًا للذاكرة. وأشهر تقنيتَيْن هما طريقة الدبوس وقصر الذاكرة (أو طريقة الموقع). فكلتاهما تتضمن “ربط” ما تريد تعلمه بصورة مألوفة (الدبوس) في عقلك. إن ذاكرتنا البصرية قوية جدًّا، وهذه التقنيات تستفيد من هذه الحقيقة.
كلما كانت الصورة المتشابكة أكثر غرابة، كان تذكرها أكثر احتمالًا، فالإبداع هو العنصر الرئيسي. على سبيل المثال، باستخدام طريقة الدبوس، قد تكون الدبابيس الأربعة الأولى لديك مسدسًا وحذاءً وشجرة وبابًا (وهي تتناسب مع الأرقام واحد واثنين وثلاثة وأربعة، ما يساعدك في تذكرها، وبالترتيب). الآن لنفترض أنك تحاول تذكر أربعة عناصر لشرائها أثناء التسوق -سمك وخبز وزبادي وأرز. بعد ذلك، ستربط السمك بالمسدس (بإبداع، صورة لسمكة ضخمة مع مسدس أوزي تقول لك أن ترفع يديك: فكرة الفكاهة في الصورة تساعدك على تذكرها)؛ والخبز بالحذاء (تخيل رغيف خبز طرًّا مُقسَّمًا مرتبطًا بقدميك أثناء المشي -اجعلها تجربة متعددة الحواس)؛ وهكذا.
طريقة الموقع (Method of Loci) مماثلة، وتستخدم أيضًا الأماكن (الموقع) للمساعدة. هذه المواقع يجب أن تكون مألوفة بنسبة كبيرة -كمنزلك، على سبيل المثال. إذا كان لديك قائمة من 10 أشياء تريد تذكرها، يمكنك تخيل المشي في منزلك و”ربط” العناصر في القائمة بأماكن مختلفة فيه (وبهذه الطريقة، تكون المواقع مشابهة للدبابيس). ثم، عندما تعيد المشي عقليًّا في المنزل، ستستدعي الصور المتشابكة -وأي شيء تريد تذكره- بدقة ملحوظة.
وباستخدام تقنيات الذاكرة مثل هذه، ستربح مرتين -قد تحسِّن أي تأثيرات ضارة للشيخوخة على ذاكرتك، وكونك نشطًا عقليًّا ستحتفظ بقوة دماغك وتبني احتياطك المعرفي.
ثالثًا: اعتنِ بصحتك العقلية (وتواصل مع الآخرين)
إن استخدام مصطلحَي “صحة الدماغ” و “الصحة العقلية” يجعل الأمر وكأنهما منفصلتان عن بعضهما، ولكن في الواقع فهما مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا. هناك اضطرابان من أكثر اضطرابات الصحة العقلية شيوعًا -الاكتئاب والقلق- قد يكون لهما تأثيرات ضارة على الدماغ، إلى جانب تأثيراتهما الواضحة على المزاج والعواطف. إن تعرضت لهذه الحالات المعايشة، ستدرك تأثيراتهما القصيرة الأمد: من التباطؤ في التفكير وصعوبات الذاكرة والتركيز، والضبابية العقلية وما شابه ذلك. وفي الحالات الشديدة، فربما تكون كافية للإصابة بمرض الخرف.
والشيء بالشيء يذكر، فهناك نتيجة مشابهة على الدرجة نفسها من الخطورة على المدى الطويل تنشأ عندما تترك الاضطرابات الصحية العقلية المزمنة دون علاج، ومرجح أن الكثير من هذا القبيل سببه الالتهاب. وواضح وجود “تأثير الجرعة”، ومثال عليه: كلما كانت حالة الاكتئاب أطول وأخطر؛ كانت الآثار الضارة على صحة العقل الاجتماعي أسوأ. وأظهرت الدراسات أن هذه المشكلات في الصحة العقلية يمكن أن تغير هيكل الدماغ. فمثلًا، يتقلص الحصين “الهيبوكامبوس” -الهيكل الدماغي الذي ذكرته في وقت سابق- بأنه حاسم للذاكرة ويتضرر في مرض الزهايمر، نتيجة لحالات الاكتئاب المستمرة. وعلى الرغم من ذلك، فهناك أخبار سارة: إن علاج الاكتئاب بالأدوية قد أظهر تحسنًا في نمو الهيبوكامبوس وصحته.
إن العلاقة الوثيقة بين الصحة العقلية وصحة الدماغ/ الإدراك تعد سببًا آخر لأخذ الصحة العقلية بمحمل الجد، وعدّ التدخلات في نمط الحياة جزءًا أساسيًّا من الحفاظ على الصحة العقلية. لذا عليك إعطاء الأفضلية لنومك، وممارسة التمارين بانتظام، وتناول طعام صحي. فإذا واجهت صعوبات في مزاجك، أو علاقاتك، أو رؤيتك في أن تصبح مشكلة كبيرة ومستمرة، فلا تغلق عينيك عن الحقيقة. تحدث مع صديق موثوق به أو أحد أفراد عائلتك عن مشاعرك. وأرجوك، لا تضمر مخاوفك عند الكشف عنها لاختصاصي الرعاية الصحية -سواء كان طبيبك العام، أو مستشارًا، أو عالمًا نفسيًّا، أو طبيبًا نفسيًّا. توجد علاجات فعالة متاحة، سواء جلسات نفسية أو بالدواء. فالعلاجات لن تساعدك فقط في التعامل مع مشكلاتك الآنية، بل ستساعدك في حماية صحة دماغك على المدى الطويل.
إن أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على الصحة العقلية هي درجة تواصلنا الاجتماعي. وإذا كان هذا التواصل غير كافٍ وخصوصًا عندما يؤول إلى الشعور بالوحدة، فإن الدماغ يعاني ويزداد احتمالية الإصابة بمرض الزهايمر. ومرة أخرى، قد يكون ذلك جزئيًّا من خلال الالتهاب -فقد أثبتت الدراسات أن كلًّا من العزلة الاجتماعية والوحدة ربما يزيد من مستويات علامات الالتهاب في الدم. ويؤدي شعور الوحدة إلى مجموعة من المشكلات الأخرى -سواء مشكلات عقلية أو مشكلات صحية جسدية- ويمكن أن يكون لها أثر سلبي على الدماغ. لهذه الأسباب، قارن بعض الخبراء الوحدة بـ “المرض” الذي يؤثر على هيكل الدماغ ووظيفته.
بالمقابل، التواصل الاجتماعي يدرب الدماغ بفاعلية ويبني الاحتياط المعرفي، حيث تتطلب تفاعلات المحادثة ذهابًا وإيابًا جهدًا كبيرًا للدماغ -يجب عليك أن تنتبه إلى ما يقال، وتحتفظ به في ذهنك، وتصوغ استجابة، وتمارس الحكم الاجتماعي الجيد. كل هذه المهارات تستحق الاستمرار في تطويرها. خذ في حسبانك النتائج التي توصلت إليها دراسة بريطانية دامت عقودًا وشملت آلاف الموظفين في الحكومة والتي أظهرت أن الأشخاص الذين كانوا أنشط اجتماعيًّا مع الأصدقاء خلال أعمارهم في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات حققوا أداءً عقليًّا متفوقًا في نهاية الدراسة. وعلاوة على ذلك، فإن الأشخاص الذين كانوا أنشط اجتماعيًّا في ستيناتهم أقل عرضة لخطر الإصابة بمرض الزهايمر في وقت لاحق.
لذا مهم أن تبقى على تواصل: تواصل مع الأصدقاء والعائلة -عبر الإنترنت أو عبر الهاتف إذا لم تتمكن من اللقاء شخصيًّا، انظر إلى الجماعات المجتمعية التي يمكنك أن تبحث عنها، انضم إلى نادٍ للقراءة أو مجموعة لممارسة المشي، تُعَدّ مواقع الويب مثل Meetup مفيدة لمعرفة ما يجري حولك. حتى الذهاب للتجول في منطقتك -مع كلبك إذا كان عندك واحد- قد تكون فرصة جيدة لخلق التواصل الاجتماعي.
رابعًا: مرّن جسمك
كما أن الصحة العقلية وصحة الدماغ متشابكتان تشابكًا عميقًا، ينطبق أيضًا هذا التشابك على الصحة العامة للجسم وصحة الدماغ. ففي الواقع، توجد أدلة جيدة على أن تحسين اللياقة البدنية العامة يعزز من صحة الدماغ. وهناك سبب واضح -أن لياقة بدنية أفضل تعني صحة أفضل للأوعية الدموية، مما يحسن إمداد الدماغ بالأوكسجين والمواد الغذائية. ومع ذلك، تساعد التمارين الرياضية المادة الرمادية في عقلنا بطرق أخرى. فعلى المدى الطويل، ترتبط الرياضة بتقليل الالتهاب ويمكنها تعويض بعض الأضرار الناجمة عن تناول الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون وتساعد في إدارة الوزن وتحسين النوم والصحة العقلية، مما ينتج عنه فوائد لصحة الدماغ.
وهناك دور آخر للحماية تنتجه مادة تُسمى “عامل النمو العصبي المشتق من الدماغ BDNF” هذه الجزئية مفيدة للغاية في تعزيز نمو الدماغ وصحته، وتزيد مستوياتها عند ممارسة التمارين الرياضية. ويشار غالبًا إلى مصطلح BDNF بأنه “سماد العجائب” للدماغ.
يعمل الخبراء حاليًّا على وضع إرشادات للنشاط البدني مخصوصة للدماغ، ولكن في هذا الوقت نلتزم بالإرشادات العامة للصحة البدنية. تقترح هذه الإرشادات أن نتمرن ما لا يقل عن 150 دقيقة من التمارين الهوائية متوسطة الشدة في الأسبوع، أو 75 دقيقة من التمارين الرياضية القوية. متوسطة الشدة تعني: القدرة على التحدث أثناء التمرن ولكن ليس الغناء! الركوب على الدراجة، والجري، والمشي السريع، والسباحة هي أمثلة جيدة، كما يُقترح أن تضمن تمرينات المقاومة في نظامك -باستخدام أوزان خارجية أو وزن جسمك- على الأقل مرتين في الأسبوع.
ويدعم البحث فكرة التمارين ذات الشدة العالية بأنها قد تفيد -خاصة لقلبك- دماغك على الأغلب. يعد تدريب HIIT (التدريب على فترات بشدة عالية) الذي تمارسه بالقرب من حدود قدرتك القلبية والأوعية الدموية لفترة مستدامة -نموذجًا كلاسيكيًّا على ذلك. إضافة إلى دمج سباقات السرعة في الجري أو في تسلق التلال شديدة الانحدار في المشي.
كذلك تجب مناقشة مشكلة فرط السمنة ما دام الحديث عن تدريب الجسم، فتزيد السمنة من خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية، مما يسرع من فرص مرض الزهايمر، فهي حالة التهابية وليست لصالح الدماغ. ومع ذلك، فأنواع الدهون غير متساوية، فالدهون في منطقة البطن إذا زادت تؤدي إلى السمنة المركزية، وهي خبيثة في حد ذاتها، وتمثل بديلًا للدهون حول أعضائنا الداخلية. وعليه، إنها مشكلة خاصة. لذا، إدارة الوزن ومراقبة محيط الخصر (باتباع نصائح النظام الغذائي وممارسة التمارين التي ذكرتها في هذا الدليل) هي ضلع مهم من إدارة صحة الدماغ.
خامسًا: احمِ عقلك
ستساعدك التمارين المذكورة واختيارات النمط الحياتي في تعزيز صحة دماغك، لكن الخطوات ستكون عبثية إلى درجة معينة إن كنت تعاني من إصابة في الدماغ. ففي عملي، رأيت عديدًا من المرضى الذين أصيبوا في الرأس، إصابات ناجمة عن حوادث أو أحيانًا هجمات. وكانت العواقب العقلية لهذه الإصابات وخيمة. صحيح أنه غير ممكن أن نعيش في حماية دائمة، ولكن توجد خطوات عاقلة يمكنك اتخاذها لتقليل خطر الإصابة في الرأس في ممارساتك اليومية.
أتحدث هنا جزئيًّا عن الرياضات التي يكون فيها الاحتكاك مباشرًا بين اللاعبين، بما في ذلك كرة القدم (كرة القدم!)، وكرة القدم الأمريكية، والرجبي (ولا ننسى الملاكمة). فقد أظهرت الدراسات معدلات أعلى من اضطرابات الوظائف العقلية لدى الذين لعبوا هذه الرياضات باحترافية. وتوجد أدلة على وجود اعتلال الدماغ المزمن (CTE)، والذي يشير إلى ضرر جسدي في الدماغ بمعدلات تفوق المتوسط بين نجوم الرياضة المتقاعدين -سواء بين لاعبي الرجبي أو لاعبي كرة القدم.
ويبدو أن CTE هو نتيجة تراكم بروتين التاو “tau”، وهو أحد البروتينات المشاركة في مرض الزهايمر، وينطوي معه خطر أعلى عن الإصابة بمرض الخرف. أتذكر عملي الشخصي في عيادة الذاكرة في شمال ويلز ورؤية عدد مفرط من الرجال المسنين الذين يعانون من الخرف والذين لعبوا كرة القدم بانتظام طوال حياتهم السابقة، فقد كانوا يلعبون بكرة ثقيلة والتي غالبًا كانت مشبعة بالماء بسبب المناخ الويلزي، بلغ وزن هذه الكرة عدة كيلوغرامات، وكان هؤلاء الرجال يضربون رؤوسهم بالكرة آلاف المرات. وأنا أجد في هذه الممارسة ارتباطًا سببيًّا محتملًا للمرض. ومؤخرًا، أظهرت أبحاث من غلاسكو أن موقعك في ملعب كرة القدم يؤثر على خطر الإصابة بمرض الخرف، وربما يرتبط هذا بمقدار ضربات الرأس للكرة. فإذا كنت حارس مرمى فأنت في أمان، أما أن تكون مدافعًا؛ فالخطر هنا أكبر.
ورغم أني بالتأكيد لا أحبذ رؤية نهاية هذه الرياضات، فإنني أوصي -من منظور صحة الدماغ- بتجنب المشاركة في الرياضات التي تشتمل على مخاطر عالية لإصابات الرأس. وإذا أصررت على المشاركة، فلا بد أن يكون ارتداء الحماية للرأس أمرًا حاسمًا، ويجب أن تتوفر إرشادات محلية واضحة بشأن كيفية التعامل مع حالات الإصابة بالارتجاج التي تحدث أثناء اللعب. وعلى الرغم من أن كثيرًا سيختلف معي في هذا الأمر، فإني غير مقتنع بأن ضرب الكرة بالرأس في كرة القدم جزءًا أساسيًّا من اللعبة، وسأنصح بعدم القيام بهذه الضربة، خاصة الضربات شديدة الخطورة.
النوم عنصر آخر مهم في حماية الدماغ، وقد ذكرته بالفعل بوصفه جزءًا من نمط حياة صحي في سياق الصحة العقلية، ولكنه يستحق أن يعد عاملًا مهمًّا في حد ذاته. النوم يساعد على تنظيف الدماغ من المركبات التي من شأنها إلحاق الضرر بالدماغ، فهو عامل للحماية. إن الأرق المزمن مرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر، بالإضافة إلى تأثيره الحاد على القدرة العقلية. ورغم أني كنت دائمًا شخصًا سيئ النوم، فإني أشعر بالمواساة من حقيقة النوم السيئ المزمن لن يتسبب بالضرورة في الإصابة بمرض الزهايمر، ولكن هناك ارتباطًا بينهما.
تسير آلية التطهير الواقية للنوم عبر الجهاز اللمفاوي، وهو نظام اكتُشف حديثًا يعمل عبر سلسلة من الأوعية التي تمتد جنبًا إلى جنب مع الأوعية الدموية في دماغك. عند نومك -خاصةً في مراحل النوم العميقة- ينشط الجهاز اللمفاوي ويعمل “غسيل الدماغ”، إذ تتدفق سوائله عبر أنسجة الدماغ ويزيل البروتينات مثل الأميلويد والتاو. لذا، يعد تفضيل النوم أمرًا حاسمًا للحفاظ على صحة دماغك على المدى الطويل. وبالطبع، لن يساعدك إذا كنت قلقًا جدًّا بشأن الحصول على ما يكفي من النوم، ولكن البحوث تشير إلى أنه لا بد لنا التعامل مع النوم ليس كعائق يعيق حياتنا المزدحمة وإنما كجزء مهم من نمط حياة صحي. حاول إنشاء روتين نوم متوقعًا يساعدك على الاسترخاء والراحة. تجنب تناول الكافيين أو كميات كبيرة من الكحول سيساعدك على تحسين نومك. كل هذه من عناصر “نظافة النوم” الجيدة، وإذا كنت شخصًا قليل النوم، من المستحسن البحث عن هذا المصطلح بتفاصيله الكثيرة.
النقاط الرئيسية: كيف تحافظ على عقل صحي؟
1- الشيخوخة تؤثر على الدماغ، ولكن ليست كلها أخبارًا سيئة
كان يعتقد سابقًا أن كل شيء يسير نحو الأسوأ ما إن بلغت العشرينات، أما الآن يُعترف بأن الدماغ يستمر في النمو والتكيف حتى في عمر الشيخوخة.
2- أصول مرض الخرف عميقة
على الرغم من أن مرض الخرف يظهر عادة في كبار السن، فإن العوامل المساهِمة ذات الصلة والعمليات البيولوجية تبدأ في التأثير في وقت مبكر بكثير، ما يتيح فرصة متفائلة للتدخل فيه.
3- غَذِّ عقلك
قد يساعدك النظام الغذائي الصحي في ضمان ضغط الدم ومستويات الكولسترول في حالة جيدة، ما سيسمح للمواد الغذائية الحيوية بالوصول إلى دماغك. ويساعد أيضًا في تقليل الالتهاب، وهو عامل آخر يمكن أن يؤثر سلبًا على صحة الدماغ.
4- مرِّن عقلك
إكمال الأنشطة العقلية الصعبة سيعزز من “احتياطك المعرفي”، الذي سيتيح لك حماية من الخرف وانخفاض القدرات العقلية.
5- اعتنِ بصحتك العقلية (وتواصل مع الآخرين)
الصحة العقلية وصحة الدماغ مرتبطتان ارتباطًا عميقًا، وهما من أنجع الوسائل فاعلية لحمايتهما التواصل الاجتماعي.
6- درِّب جسمك
تعتمد صحة دماغك على لياقتك البدنية العامة، لذا حاول ممارسة الرياضة بانتظام.
7- احمِ دماغك
إن الصدمات الرأسية نتيجة الإصابة أو حتى الناتجة من ممارسة الرياضة تؤذي دماغك وتزيد من خطر تطوير الخرف، لذا اعتنِ بالمادة الرمادية والبيضاء في دماغك.
(المادة الرمادية والبيضاء: المواد المكونة للجهاز العصبي)
اقرأ المزيد
التعامل مع الجدل المتعلق بالتغذية والمكملات الغذائية
ربما سمعت عن نظام الكيتوجينيك أو “الكيتو”، الذي يؤيد أنصاره (بما فيهم العديد من المشاهير) عكس نصائحي السابقة، إذ يُعتقد أن الدهون المشبعة هو بالضبط ما علينا تناوله على حساب الكربوهيدرات. إذن، ماذا نفهم من ذلك؟ حسنًا، أهمية الدليل لا يزال حاليًّا، ويشير إلى أنه يجب عليك إتاحة الكربوهيدرات الصحية في نظامك الغذائي – مثل الحبوب الكاملة والبقول والخضروات – وهذا هو تعليقي العام لأولئك الذين يسألونني عن هذا النهج الغذائي، رغم أني أتابع الجدال الحاصل من كثب.
إحدى الشكاوى الرئيسية لمؤيدي نظام الكيتو اعتمادنا المفرط على الجلوكوز (السكر) كمصدر للطاقة، وأنا أتفق مع هذا الرأي إلى حد ما. فلا شك -قيد أنملة- أن تناول الكثير من السكر في حد ذاته مشكلة، ولنضع الأمور في سياقها: قبل 200 عام، كان معدل الاستهلاك للشخص الأمريكي حوالي رطلين من السكر في السنة وفقًا لبعض التقديرات. أما الآن، فنستهلك 3 أرطال في الأسبوع! ويعود هذا بنسبة كبيرة إلى الكميات الهائلة من “السكر المضاف” في نظام غذاء العديد من الأشخاص، مثل الموجودة في الكعك والحلوى والأطعمة المصنعة مثل حبوب الإفطار وتوابل المائدة. بعض الخبراء يسمون مرض الزهايمر باسم “السكري من النوع 3″، مسلطين الضوء على الارتباط المزعوم بين ارتفاع مستوى السكر في الدم إلى حد مزمن ومرض الخرف. كذلك توجد أدلة تشير إلى أن الدماغ لا يستخدم الجلوكوز جيدًا عندما تصاب بالخرف، وأنه من الأفضل الاعتماد على الكيتونات، وهي مصدر بديل للطاقة يُستخرج من الدهون. بصفة عامة، لا أشكُ بأن استهلاك العالم الزائد للسكر يضر بصحتنا ويقتلنا، ممهدًا طريقه لتدمير خلايا أدمغتنا.
قد ترغب في البداية بالعمل نحو هدف إلى قضاء يوم واحد في الأسبوع دون تناول السكر، وتكافئ نفسك عندما تحقق هذا الهدف (لتكن المكافأة صحية!). الاحتفال بالإنجاز -مهما كان حجمه- يعزز هذه العادة. بعدها، قد تضاعف الهدف إلى يومين بدون سكر بعد بضعة أسابيع، وهكذا دواليك.
المكملات الفيتامينية مصدر آخر للجدل في صناعة صحة الدماغ، وقد كانت صناعة الفيتامينات والمعادن والمكملات العالمية قيمتها 48 مليار دولار في عام 2019: هناك الكثير من الأشخاص الذين لديهم مصلحة مباشرة في أن تتناول حبوبًا لمساعدة دماغك وجسمك. ومع ذلك، فالأدلة التي تشير إلى أن هذه المكملات تساعد على صحة الدماغ لشخص آخر غير مريض ويتناول طعامًا جيدًا ولا يعاني من نقص سريري غير مقنع، ويوجد خطر من فعله أكثر من نفعه. عندما تتناول هذه الفيتامينات والمعادن في طعامك، فإنها غالبًا تعبأ مع مركبات متكاملة وتفاعلية لا تحصل عليها ببساطة من حبة دواء، حتى إنه يوجد قلق من بعض مضادات الأكسدة عندما تُعطى كمكمل قد تتعدى من كونها مضادة للالتهاب إلى محفزة للالتهاب، وهو أمر ضار للدماغ.
النصيحة الجوهرية دائمًا أُفضل الطعام على الأقراص، إن لم يوصك طبيبك تناولها. إذا كنت حقًّا مُصِرًّا على فكرة تناول نوع من المكملات، قد يكون الكركمين (نوع من الزنجبيل) واحدًا من أفضل الاختيارات لصحة دماغك، وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن استخدام الأعشاب، مثل نبتة البراهمي (باكوبا مونياري)، والجنكة بيلوبا ربما لها بعض الفوائد -لكن لا تعتمد عليها وكن دائمًا حذرًا من الآثار الجانبية المحتملة.
فهم المخاطر الوراثية
أرجو أني قد أقنعتك بالفعل بأنه لا يوجد حكم نهائي فيما يتعلق بصحة الدماغ، فإذا استطعت أن تتبع الاستراتيجيات المذكورة في هذا الدليل، يمكنك تقليل خطر تدهور وظيفة دماغك إلى حد كبير. ويستحسن تطبيق ما ذُكِر في وقت مبكر قدر الإمكان، وإن كنت في عمر كبير، فثمة بعض الفوائد المحتملة.
إلى الآن، لقد انصب تركيزي على عوامل الخطر القابلة للتعديل، ولكن توجد بعض عوامل الخطر للخرف التي لا تغير وأهمها جيناتك الوراثية. عندما أشخص مريضًا بأحد أنواع الخرف، فإنه من الشائع أن يسألني أطفالهم البالغون عن فرص إصابتهم.
أكبر خطر وراثي عندما يكون لديك واحد أو أكثر من أقارب الدرجة الأولى مصابون بالخرف في سن مبكر -وهذا يعني عندما يُشخص الخرف قبل سن الـ 65. فإن بعض هذه الحالات ترتبط بطفرات جينية محددة (جين presenilin1 وجين presenilin 2 وجينamyloid precursor protein ). إذا كان أحد والديك حاملًا لهذا التحور (والآخر لا يحمله)، فلديك فرصة بنسبة 50 % لتورث هذا الجين بنفسك، وإذا كان عندك، ستكون عرضة لمخاطر أعلى بكثير لتطوير الخرف. حتى إذا كنت سيئ الحظ ولديك هذه العرضة الوراثية، فإنه من المنطق التركيز على ما يمكنك التأثير فيه. وما زلت أنصح بجميع التدابير المذكورة أعلاه التي هدفها تقليل عوامل الخطر التي يمكن التعديل عليها.
ومن حسن الحظ، أن طفرات الجينات المسببة للخرف في سن مبكرة نادرة. أما للأشخاص الذين يعانون من الخرف في وقت متأخر من الحياة (أي بعد سن الـ 65، والذي يمثل 95 % من حالات الخرف)، فجيناتهم لها دور أقل بكثير -ربما لا يزيد دورها عن الخيارات النمطية الأخرى التي تتخذها في حياتك، فالجين الرئيسي المسؤول عن ذلك هو جين صميم البروتين الشحمي E “apolipoprotein” (APOE) وإذا كان لديك جين معين المعروف باسم (APOE4)، سيزيد خطر الإصابة بالخرف لديك.
يبقى أداء جين APOE غامضًا، ولكنه يشتبه أنه مشارك في عملية الأيض للجلوكوز والدهون، وهذا قد يكون ذا صلة فيه، ويؤثر هذا على استجابتنا الالتهابية، والتي قد تكون حماية على المدى القصير. وفيما بعد، قد تساهم في زيادة خطر الإصابة بالخرف في الحياة. عندما نعود إلى أيام أسلافنا مرة أخرى، فإننا نجد معظم البشر على الأرجح لديهم طفرة جين APOE4 “الأخطر” لأنه في الواقع كان يعد واقيًا. كان العالم غير صحي بكثير عندما تجول أسلافنا في السهول، وفرص الإصابة بالعدوى مرتفعة إلى حد كبير، وبالطبع لم توجد مضادات حيوية. لذلك، فإن الاستجابة الالتهابية القوية التي يوفرها الجين APOE4 قد تعني فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة. وفي الوقت نفسه، نظرًا لعمر أسلافنا القصير، فإن التكلفة على المدى البعيد، من حيث خطر الإصابة بالخرف، لم تكن مشكلة كبيرة كما هي اليوم.
الكتب والروابط
كتاب (2021م) “Mind your Brain: The Essential Australian Guide to Dementia”: كتابي الحديث والمتاح حول كيفية الحفاظ على عقل صحي وعن التعامل مع التحديات التي يسببها مرض الخرف. ستكون معظم المعلومات ذات صلة أينما كنت في العالم.
موقع “Your Brain In Mind”: موقع إلكتروني أنشأته لمساعدة الأفراد على العناية بصحة أدمغتهم، يشمل رابطًا لتطبيق iPhone الذي سأُصدره قريبًا لتحسين العقل.
بودكاست بيتر آتيا “The Peter Attia Drive Podcast”: سلسلة رائعة تركز على “تعزيز العمر الطويل”، يقدمها الطبيب الكندي بيتر آتيا والذي يناقش دائمًا مع خبرائه مسائل تتعلق بالخرف وصحة الدماغ.
“The Queensland Brain Institute in Australia”: يعرض عديدًا من الموارد المفيدة حول الدماغ، ويضم مجلة مخصصة وبودكاست، وكلاهما قد تناولا موضوعات تتعلق بالخرف.
“The Centre for Healthy Brain Ageing in Australia”: يقدم أيضًا موقعًا غنيًّا بالمعلومات، ويشمل مدونات وكورسات تعليمية، بالإضافة إلى معلومات حول التغذية وصحة الدماغ.
كتاب (Supercharge Your Brain” (2021″ للمؤلف جيمس جودوين، رئيس العلماء في Age UK: وهو كتاب مؤَلَّف جيدًا ومثير للاهتمام للأدلة التي تقف وراء صحة الدماغ وكيفية تحسينها.
كتاب (The Brain That Changes Itself” (2007″ للمؤلف نورمان دويدج: عمل بارز حول قابلية تغير الدماغ وكيف يمكن للدماغ التكيف والشفاء، رغم أضراره كبيرة.
كتاب (Tiny Habits” (2019″ للمؤلف بي. جي. فوج: دليل قيم وعملي لأقوى تدخل لدينا -العادات الحسنة.
