القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي الأقل طموحًا في العالم

الذكاء الاصطناعي الأقل طموحًا في العالم
ملخص المقال

يسلط المقال الضوء على روبوت الشطرنج ""مارتن"" على موقع Chess.com، الذي يتميز عن غيره من برمجيات الذكاء الاصطناعي ليس بقوته، بل بضعفه المتعمد. ففي زمن تسعى فيه برامج الذكاء الاصطناعي إلى الكمال وتثير المخاوف بشأن قدرتها على التفوق على البشر، يأتي مارتن كتجربة مريحة ومرحة، يمثل روبوتًا متواضعًا يعرف حدوده ويقبل الهزيمة بأريحية. ورغم ضعف مستواه، فقد أصبح مارتن محبوبًا لدى ملايين المستخدمين، مما يبرز قيمة التحكم والوضوح والتواضع في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. يشير المقال إلى أن مارتن، بضعفه الظاهر، يقدّم نموذجًا بديلًا لما يمكن أن يكون عليه الذكاء الاصطناعي: مساعدًا لا يطمح للهيمنة، بل وسيلة للتعلم والمرح والتفاعل الإنساني الهادئ.

بقلم جاكوب سويت

عندما هزم حاسوب ديب بلو التابع لشركة آي بي إم غاري كاسباروف لأول مرة في عام 1997م، اتهم بطل العالم في الشطرنج الشركة بالغش. كان يعتقد أنه من المستحيل أن يتمكن الكمبيوتر من التغلب عليه دون مساعدة مباشرة من لاعب بشري ماهر. ولكن الآن انقلب الوضع تمامًا، فعندما يجد كبار الأساتذة هذه الأيام أنفسهم في الطرف المتلقي لعدد من الحركات المذهلة، فإنهم يتهمون خصمهم باستخدام الكمبيوتر. وتتشكل المنافسة الوحيدة الجديرة بالاهتمام بين أفضل محركات الشطرنج بين بعضها بعضًا، فقد أصبحت البرامج قوية للغاية، وخسرت البشرية. 

لكن بينما تسعى الآلات نحو الكمال في لعبة الشطرنج، يقف روبوت واحد بثبات في طريقها، ويرفض قبول موقع مهيمن في التسلسل الهرمي للروبوت والإنسان. هذا الروبوت هو مارتن، وهو أسوأ خصم آلي على موقع Chess.com، موقع الشطرنج الأكثر شعبية في العالم. في حين أن برامج مثل ChatGPT تبهر المستخدمين، وتحيرهم، وتخيفهم بفضل البراعة الحسابية المتزايدة، فإن مارتن مبرمج ليكون سيئًا في لعبة الشطرنج. يعد مارتن الروبوت المتواضع النادر الذي يفهم ويعتنق حدوده العميقة، محاطًا بمنتجات الذكاء الاصطناعي التوليدية الطموحة التي غالبًا ما تقدم استجابات غير صحيحة أو غير مفهومة بثقة جريئة. وقد خسِر مارتن عندما أُعطي 31 ملكة ضد جيش من البيادق الصغيرة، وهو ما يشبه إلى حد ما كسر ذراعك في ثلاثة أماكن في أثناء محاولتك لربط حذائك.

يستطيع مارتن بالتأكيد التغلب على الوافدين الجدد على الموقع، ولكن إذا كنت تعرف حتى أساسيات استراتيجيات الشطرنج، فلن يشكل مارتن لك أي تهديد. فهو آلة بلا طموحات كبيرة، حتى مع تصميم الآلات المعاصرة له في مجال الذكاء الاصطناعي بهدف تحقيق “ذكاء عام اصطناعي” يحاكي ذكاء البشر. إذا كان هذا هو عصر الذكاء الاصطناعي، فإن مارتن بمنزلة تذكير بأن البرامج الذكية لا تزال قادرة على تحقيق المفاجأة، والبهجة، وحتى التدريس ضمن إطار واضح يتحكم فيه المستخدم – خاصة إذا كانت غبية نوعًا ما.

إن مارتن جزء من سلالة تمتد لعقود من الزمن من خصوم الشطرنج الحاسوبيين، مع نقاط قوة قابلة للتخصيص وشخصيات متميزة. وضعت لعبة Chessmaster 2000، وهي لعبة كمبيوتر أُصدرت في عام 1986، المستخدمين في مواجهة رجل ذي لحية رمادية كان مظهره المميز المشابه إلى غاندالف يزين غلاف اللعبة. في عام 2019م، أصدر موقع Chess.com روبوتات تحتوي على أسماء مميزة وصور رمزية وجنسيات وعبارات فريدة. يجري تمثيل مارتن على أنه رجل بلغاري يرتدي الياقة المدورة وله حواجب كثيفة ولحية كثيفة ورأس شبه أصلع. تبدأ كل مباراة معه بإعلان: “لقد تغلب عليّ ابني البالغ من العمر 4 سنوات للتو!”

يتجاهل مارتن التهديدات الواضحة ويحتفل عندما يأخذ خصمه قطعة: “إنه شعور جيد أن تلتقطها، أليس كذلك؟” بعد الخسارة، يقول مارتن دائمًا: “لعبة رائعة! هل تريد أن تدرب أبنائي؟” – فهو يدرك عيوبه وقوة خصمه الساحقة. وأما الوضعية الوحيدة الذي أتقنها مارتن في لعبة الشطرنج هي كش ملك في وضعية واحدة (mate in one) – التي تُلعب عندما يمكن لحركة واحدة أن تؤدي لفوزك باللعبة. عند تلك النقطة، يرتعش المحرك القوي الموجود أسفل الياقة المدورة، غير راغب في تفويت الفرصة. لكن مارتن متواضع عندما ينتصر، وحريص على المحافظة على مشاعر خصمه. تقول الرسالة: “كنت أقوم بتعليم الأطفال، لذا فأنا أمتلك بعضًا من الخبرة. هل تريد المحاولة مرة أخرى؟”

كانت الإجابة عن هذا السؤال هي نعم قاطعة. أخبرني إريك أليبست، الرئيس التنفيذي لموقع Chess.com، أن مارتن يلعب حوالي 10 ملايين لعبة أسبوعيًا، وهو أكبر عدد من الألعاب التي يلعبها أي روبوت على الموقع. قال: “يحب الناس التهريج على مارتن ونشر تجاربهم على مواقع التواصل، تجعلهم إهانته يشعرون بالارتياح.”

في الأشهر القليلة الماضية، أدت القفزات في قوة معالجة الذكاء الاصطناعي – وتدفق رأس المال إلى المؤسسين – إلى وضع العالم في حالة من التوتر. يقدم مارتن تباينًا رائعًا مع برامج مثل ChatGPT، التي تلهم المقالات الافتتاحية المنتظمة حول الانهيار الوشيك للبشرية. يخشى الناس أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشرية، إلا أن مارتن يكافح ليتفوق على أي شخص عادي. لا يفهم الناس الذكاء الاصطناعي أو إلى أين يتجه، لكن مارتن لا يشكل أي لغز معقد، وهو روبوت سيئ بشكل مؤكد.

أدى القلق المتزايد مؤخرًا إلى قيام بعض رواد الأعمال والأكاديميين البارزين في مجال الذكاء الاصطناعي – مثل إيلون ماسك والأستاذ الحائز على جائزة تورنغ يوشوا بينجيو – بالتوقيع على رسالة مفتوحة تدعو إلى “وقفة” لمدة ستة أشهر على الأقل لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة من شركة OpenAI، GPT-4. وجاء في الرسالة: “شهدت الأشهر الأخيرة دخول مختبرات الذكاء الاصطناعي في سباق خارج عن السيطرة لتطوير ونشر عقول رقمية أكثر قوة، لا يستطيع أحد -ولا حتى منشئوها- فهمها أو التنبؤ بها أو التحكم فيها بشكل موثوق”.

وفي توبيخ حاد، قال باحثون من معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي الموزع (DAIR) إن الرسالة روجت لـ “إثارة الخوف والضجيج حول الذكاء الاصطناعي” وتجنبت المخاطر الحقيقية مثل استغلال العمال، وسرقة البيانات، وتركيز السلطة في أيدي عدد قليل من الأشخاص الأقوياء. قالت لي مارغريت ميتشل، المؤلفة المشاركة في الرد والباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في موقع Hugging Face: “يود الناس أن يتاح لهم خيار الاقتراح قبل استخدام التكنولوجيا عليهم. ولا توجد إجراءات مقبولة للحصول على موافقة الناس المطّلعة.” وتحدث ستيفن كيف، مدير مركز ليفرهولم لمستقبل الذكاء بجامعة كامبريدج، عن التهديد الوجودي الذي يشعر به كثير من الناس. قال لي: “نحن كائنات تكنولوجية للغاية، ولكننا نعتمد بشكل كبير على هذه الأدوات. وهذا يتطلب أن تكون لدينا سيطرة عليهم.”

ومن ناحية، أوضح كيف أن مارتن بمثابة المنتج المستضعف وسط منتجات الذكاء الاصطناعي. فهو روبوت ودود لا يشكل أي تهديد للبشرية، مثل WALL-E، وBaymax في فيلم Big Hero 6، والروبوتات في فيلم The Mitchells vs. the Machines (التي تساعد عدم قدرتها على التمييز بين الكلب ورغيف الخبز في إحباط فرصهم في السيطرة على العالم). لكن مارتن يعرض أيضًا بعض الميزات المفيدة لتصميم الذكاء الاصطناعي. فبمجرد اختيار اللعب ضده بدلًا من اللعب ضد أقوى محركات الشطرنج هو في حد ذاته مفيد. وأشار ميتشل إلى أن “منح الناس السيطرة على كيفية تصرف النظام هو في الواقع أمر يسير جدًا، لكنه لم يُنفذ بالفعل. إن القدرة على وضع القيود أمر بالغ الأهمية للتكنولوجيا المسؤولة حيث يجري دعم المستخدمين.” (قد يكون هذا هو السبب وراء سماح شركة مايكروسوفت للمستخدمين الاختيار من ثلاثة أوضاع: “الإبداعية”، و”المتوازنة”، و”الدقيقة” في برنامج روبوت دردشة بينغ الجديد).

يُعد ذكاء مارتن، إن صح التعبير، متواضعًا. قد لا يتمكن Google Bard (روبوت الدردشة لشركة جوجل) من إنهاء كل الصراعات العالمية، لكنه مع ذلك يقدم حلًا واثقًا من خمسة أجزاء إذا طلبت ذلك. (يخلص Bard إلى أن “تحقيق السلام العالمي لن يكون أمرًا سهلا، لكنه ممكن”.) حاولت سيدني، النسخة المبكرة من روبوت الدردشة التابع لمحرك بينغ، إقناع المستخدمين الذين قاموا بتصحيح إجاباتها الخاطئة بإيهامهم بخطأ إجاباتهم؛ أما مارتن فهو لطيف عند الهزيمة، فهو يعرف ما يمكن أن يفعله (لعب الشطرنج على نحو رديء)، والأهم من ذلك، ما لا يستطيع أن يفعله (كل شيء آخر). إن مارتن محبوب حتى من قبل علماء الذكاء الاصطناعي، مثل الأستاذة المساعدة في جامعة كارنيجي ميلون، مطهر إسلامي، التي أخبرتني أنها تقدر رغبة مارتن الدائمة في التنافس ضد ابنها البالغ من العمر 4 سنوات.

مع اندفاع الشركات التي تركز على الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق منتجات ترتكب أخطاء حسابية يسيرة، وتطلب من المستخدمين ترك أزواجهم، واتهام الأشخاص زورًا بالاعتداء الجنسي، يمكنهم أخذ الدروس من مارتن: منح المستخدمين شعورًا بالسيطرة، وتوفير الشفافية، والالتزام بحدود معرفة النظام – حتى لو كان ذلك مجرد كونه فظيعًا في لعبة الشطرنج.

المصدر

مقالات ذات صلة