قبل أن يتمكن علماء الأعصاب من فعل أي شيء آخر، تعيّن عليهم تعليم الفئران كيفية لعب الغميضة.
قام مايكل بريشت من جامعة هومبولت في برلين بتلفيق الفكرة. قامت طالبته أنيكا رينهولد بتدريب ستة من قوارض المختبر على التجول في غرفة مليئة بالعوائق والصناديق الكرتونية، وإما تحديد مكان الإنسان المختبئ أو العثور على مكان ليختبئوا فيه. وكما ذكرت في عام 2019م، تعلمت الفئران اللعبة في غضون أسابيع فقط. لقد فهمت القواعد بوضوح ولعبت بشكل إستراتيجي، إذ بدأت عمليات البحث في مواقع الاختباء السابقة وظلت هادئة في أثناء الاختباء. وكانت تستمتع عند اللعب. قامت أحيانًا بإطالة مدة اللعبة عن طريق الهروب والاختباء مرة أخرى عند العثور عليها. عندما اجتمعت الفئران مرة أخرى مع رينهولد، كانت تقفز في مكانها من شدة الحماس – وهو سلوك يُعرف باسم Freudensprung، أو “قفزات الفرح”. لم تكن بحاجة إلى أن تجري مكافأتها بالحلويات، إذ كانت الدغدغة كافية كمكافأة.
واستمتع الباحثون أيضًا باللعب، لكنهم كانوا يعملون على تحقيق أحد أهداف علم الأعصاب الأكثر مراوغة: دراسة أدمغة الحيوانات التي تتحرك بحرية وتتصرف بشكل طبيعي. تقليديًا، كانت تجري المختبرات تجاربها بإعدادات اصطناعية للغاية: تقوم بتدريب الفئران والجرذان على القيام بمهام أساسية – على سبيل المثال، الضغط على رافعة كاستجابة لمحفزات بسيطة مثل الضوء أو الأصوات – ثم يقيسون نشاط الدماغ ويحسبون متوسط هذه القياسات على مئات أو آلاف التكرارات. ينتج عن هذا النهج نتائج من غير المرجح أن تكون مجرد صدفة إحصائية، إلا أنه يقلل من مدى تعقيد حياة الحيوانات حيث يتتبع أبسط الأفعال فقط ولا يمكن استخدامه لدراسة بعض السلوكات الأكثر إثارة للاهتمام، بما في ذلك اللعب. يدور اللعب حول العفوية الحرة، بينما تتضمن أبحاث الدماغ عادةً التحكم والتكييف. كيف يمكن استخدام الثاني للتحقيق في الأول؟
بشكل غير متوقع، قدمت لعبة الغميضة الطريقة. قام خوان سانغوينيتي-شيك وزملاؤه بزراعة أقطاب كهربائية لاسلكية في أربعة من القوارض المرحة، وتحديدًا في قشرة فص الجبهة (PFC)، وهي منطقة في الدماغ تشارك في التفاعلات الاجتماعية وصنع القرار. بينما كانت الحيوانات تختبئ وتبحث، سجلت الأقطاب الكهربائية بشكل مستمر نشاط حوالي 30 خلية عصبية فردية في قشرة فص الجبهة الخاصة بالفئران. قام سانغوينيتي-شيك بجمع هذه البيانات قبل بدء جائحة فيروس كورونا، ثم استخدمها زميله بنس باغي بطريقة خارجة عن المعتاد.
ينظر الباحثون عادةً في كيفية تغير النشاط العصبي للحيوانات عندما تفعل شيئًا محددًا، مثل الهروب إلى مكان للاختباء. أما باغي فقد فعل العكس. بدأ بالبيانات الأولية من الأقطاب الكهربائية، وقام بتدريب خوارزمية لتحديد اللحظات التي عملت فيها الخلايا العصبية في قشرة فص الجبهة بطرائق مميزة. ثم قام بعد ذلك بمقارنة “حالات الدماغ” هذه بمقاطع فيديو لألعاب الغميضة لمعرفة ما كانت تفعله الفئران في ذلك الوقت.
وتظهر إحدى حالات الدماغ كلما كان الفأر “يركض بطريقة حازمة”، كما أخبرني سانغوينيتي-شيك، الذي يعمل الآن في جامعة هارفارد. وحدث آخر عندما قامت الفئران، التي جرى الاحتفاظ بها داخل صندوق في بداية كل لعبة، بإخراج رؤوسها لأول مرة. وظهر آخر كلما اقتربت الفئران من العلماء أو تفاعلت معهم مباشرة. على الرغم من أن كل لعبة من ألعاب الغميضة كانت مختلفة، وكانت الفئران حرة في فعل ما يحلو لها، فإن قشرة فص الجبهة الخاصة بها ظلت تطن بطرائق متسقة خلال أحداث معينة. أخبرني سيرجيو بيليس، عالم الأعصاب بجامعة ليثبريدج، الذي يدرس لعب الفئران ولم يشارك في الدراسة، أن هذا “إنجاز كبير محتمل في علم الأعصاب” يعني أن علماء الأعصاب يمكنهم النظر داخل الدماغ الفوضوي لفأر يلعب بحرية، والعثور على إشارات حقيقية وسط الضوضاء، وكل ذلك، وفقًا لما أخبرتني به عالمة الأعصاب في جامعة برينستون، إيميلي دينيس، والتي لم تشارك هي بدورها في الدراسة، “بطريقة دقيقة. أجد الأمر مثيرًا جدًا!”
ويسمح هذا النهج أيضًا للعلماء بتجاوز تحيزاتهم البشرية. يعتمد نموذج علم الأعصاب المعتاد – البدء بالسلوك، ثم النظر إلى الدماغ – على تفسير الأشخاص بشكل صحيح لتصرفات الأنواع المختلفة عن البشر تمامًا. لكن العملية العكسية التي أجراها سانغوينيتي-شيك وباغي سمحت لأدمغة الجرذان بالكشف عما كانت تفعله، دون أن يعيق الباحثون وتصوراتهم المسبقة الطريق. قال سانغوينيتي-شيك: “بهذه الطريقة، يمكننا اكتشاف أشياء أكثر من مجرد الأشياء التي شرعنا من أجل اكتشافها”. على سبيل المثال، حدثت حالتان دماغيتان مميزتان عندما كانت الفئران تسير على طول الجدار أو عندما كانت تستكشفه، وهي سلوكات لم يفكر الباحثون في الاهتمام بها قط. ولكن من المنطقي أن تكون الجدران مهمة بالنسبة إلى الفئران – إنهم يتنقلون في العالم بشعيرات حساسة للمس.
وحتى الآن، يستطيع الفريق ربط أنماط نشاط الدماغ بما تفعله الفئران. لكن العلماء لا يعرفون ما تمثله تلك الحالات فعليًا. فهل يمثل التحول من حالة إلى أخرى لحظة يقرر فيها الفأر اتخاذ نمط جديد، أو يتغير فيها فهمه للعبة؟ لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة، وتجارب الغميضة تقرّب الفريق من الإجابات. والأمر كذلك أيضًا بالنسبة إلى تقنيات جديدة أخرى مثل DeepLabCut، وهي أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي يمكنها تتبع تحركات الحيوانات، والتي تسمح لعلماء الأعصاب بتحليل سلوك المخلوق بالتعقيد نفسه الذي يمكنهم جلبه الآن إلى التسجيلات العصبية. يتخيل سانغوينيتي-شيك مستقبلًا حيث لا يتمكن الباحثون من دراسة أدمغة الحيوانات التي تتحرك بحرية فحسب، بل كذلك الحيوانات التي تعيش بحرية.
قالت لي شريا ساكسينا من جامعة فلوريدا، والتي لم تشارك في الدراسة: “يشهد علم الأعصاب تحولًا نموذجيًا نحو دراسة السلوكات الأكثر طبيعية، وهذه الدراسة ترفع المستوى بشكل كبير”. إنها تأمل أن يلهم ذلك علماء الأعصاب الشباب لتبني “متعة الحياة” في عملهم. لعدة قرون، قام الباحثون بالتحقيق في الأعمال الداخلية للدماغ من خلال دراسة الحيوانات الأسيرة التي تقوم بأشياء بسيطة ومحددة جرى تدريبها على القيام بها آلاف المرات. سيكتشف العلماء المزيد عندما يتمكنون فعلًا من مشاهدة الأدمغة وهي تفعل ما تطورت الأدمغة للقيام به، وهو دفع أجسام الحيوانات كعوامل للقوة والإمكانية والمرونة. وربما، كما حدث في حالة لعبة الغميضة، سيستمتعون أكثر خلال العملية.
