يُعد التعاون العالمي أمرًا ضروريًا في ظل استمرار العالم في مواجهة التوترات الجيوسياسية المتزايدة والنزاعات.
يسعى تقرير ""مقياس التعاون العالمي"" إلى تقييم الوضع الحالي للتعاون العالمي عبر خمسة مجالات رئيسية.
يتبنى مجلس التعاون الخليجي، أو مجلس التعاون، نهج التعاون من خلال إقامة تحالفات جديدة وتوسيع الشراكات التجارية.
""على الرغم من أن البوصلة الجيوسياسية لن تعود، ولا ينبغي أن تعود، إلى النظام السابق، إلا أنه يجب أن تتجه أكثر نحو التعاون"" — مع استمرار العالم في مواجهة توترات سياسية واقتصادية متزايدة وبعد عام شهد أعلى عدد من النزاعات العنيفة منذ الحرب العالمية الثانية، فإن هذه الكلمات التحذيرية تبدو واقعية للغاية.
وقد وردت في تقرير ""مقياس التعاون العالمي"" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة ماكنزي، وهو تقرير يجمع مجموعة واسعة من المؤشرات لتقييم الوضع الحالي للتعاون العالمي. ويركز على خمسة مجالات رئيسية: التجارة، والابتكار، والمناخ، والصحة، والأمن.
وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة، يشير التقرير إلى مجالات تعاون جديدة كدليل على استمرار التقدم. ويتبنى مجلس التعاون الخليجي هذا النهج، حيث تعمل دوله الأعضاء — البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة — على إقامة تحالفات جديدة وتوسيع الشراكات التجارية.
كيف يساهم مجلس التعاون الخليجي في التعاون العالمي
دعونا نستعرض كيف تُسهم دول مجلس التعاون الخليجي في التعاون العالمي عبر الفئات الخمس لمقياس التعاون.
التجارة وتدفقات رأس المال
يُعد التكامل الاقتصادي أحد الركائز الأساسية للتعاون الدولي. ويجسد مجلس التعاون الخليجي هذا المفهوم.
ففي حين أن الاتحاد قد شجع على توثيق الروابط بين أعضائه، فإن دول مجلس التعاون كانت أيضًا مشغولة ببناء علاقات تجارية مع مجموعة واسعة من الشركاء الخارجيين. ويُعد هذا جزءًا رئيسيًا من استراتيجية التنويع الاقتصادي للكتلة، مما يدفع الاستثمار الأجنبي المباشر نحو صناعات النمو للمساعدة في تقليل الاعتماد على عائدات النفط.
على سبيل المثال، تخطط المملكة العربية السعودية لإنشاء مركز لوجستي مع الصين، في حين أن مشروع ميناء الدقم في عُمان، وهو جزء من رؤية 2040 للبلاد، قد جذب شركاء تجاريين عالميين واستثمارات أجنبية مباشرة من دول مثل الصين والولايات المتحدة.
لا تدعم هذه التدابير التجارية الحرة جهود المنطقة لتنويع اقتصادها فحسب، بل تساعد أيضًا على ترسيخ علاقاتها الاستراتيجية مع الشرق والغرب على حد سواء.
الابتكار والتكنولوجيا
مع استثمارات المنطقة في المدن الذكية، والتقنيات الرقمية، ونظام الشركات الناشئة المتنامي، تبذل دول مجلس التعاون الخليجي جهودًا كبيرة لتعزيز التعاون التكنولوجي.
فقد أسست ""فينتك باي"" البحرينية المملكة كمركز إقليمي للتكنولوجيا المالية، وهي تدفع بالاستثمار في بيئة التكنولوجيا المالية من خلال مختبرات الابتكار، وبرامج التسريع، والفرص التعليمية.
وبالمثل، تهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي إلى ""جذب المواهب والشركات من جميع أنحاء العالم"" إلى قطاع الذكاء الاصطناعي سريع النمو. ويتضمن ذلك تنظيم مؤتمرات دولية وتنسيق برامج البحوث الأكاديمية.
في المقابل، يتبع منتزه قطر للعلوم والتكنولوجيا نهجًا أوسع، حيث يعقد شراكات مع شركات دولية للابتكار في مجالات تشمل الطاقة والصحة وتكنولوجيا المعلومات.
سواء في المختبر أو قاعة الاجتماعات أو مركز المؤتمرات، ستعمق هذه الأنشطة المنفتحة علاقات دول مجلس التعاون مع مبتكرين من جميع أنحاء العالم.
المناخ ورأس المال الطبيعي
لا يوجد مجال يتطلب التعاون أكثر من العمل المناخي، لا سيما في منطقة مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد تقليديًا على النفط، والتي تستثمر الآن بكثافة في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
تُحرز دول مجلس التعاون الخليجي تقدمًا في أهدافها البيئية، خاصة في قطاع الطاقة. تخطط المملكة العربية السعودية لتخضير الصحراء من خلال مبادرة لزراعة 10 مليارات شجرة واستصلاح 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة.
أما برنامج ""مصدر"" للطاقة النظيفة في الإمارات، فيشمل مشاريع كبرى في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر. كما سيلعب مشروع الطاقة الشمسية متعدد المواقع في منطقة الصخير بالبحرين، بقدرة 72 ميغاواط، دورًا رئيسيًا في تحقيق أهداف البلاد في مجال الطاقة المتجددة.
سيتطلب تنفيذ وتوسيع هذه المبادرات تعاونًا عميقًا مع الشركات الدولية، سواء لتركيب تقنيات نظيفة أو لتصديرها إلى مناطق أخرى. وفي الوقت نفسه، من خلال تقليل انبعاثاتها، سيكون لمجلس التعاون الخليجي دور مهم في الجهد العالمي الجاري لتحقيق صافي الانبعاثات الصفري.
الصحة والعافية
من خلال التكنولوجيا المتقدمة، ومشاريع البحوث المشتركة، والشراكات، يعمل مجلس التعاون الخليجي جنبًا إلى جنب مع المجتمع الدولي لبناء عالم أكثر صحة.
يلعب مجلس التعاون الخليجي — وخاصة قطر — دورًا رئيسيًا في مجال الصيدلة الجينومية (PGx)، التي تدرس كيف تؤثر الجينات على استجابة الجسم للأدوية. تهدف مبادرات مثل برنامج الجينوم القطري إلى تسهيل التعاون الأكبر بين شركات الأدوية والباحثين حول العالم. من خلال الاستفادة من الخبرة الدولية وإجراء دراسات مقارنة، يسعى مجلس التعاون إلى المساهمة في توسيع نطاق استخدام PGx عالميًا.
وفي أماكن أخرى، يقدم النظام الصحي المتقدم في السعودية خدمات للمرضى الزائرين من جميع أنحاء الشرق الأوسط، بينما تعمل الإمارات مع منظمة الصحة العالمية ومؤسسة بيل وميليندا غيتس لتوزيع اللقاحات المنقذة للحياة. أما البحرين، فقد حققت إنجازًا تاريخيًا في عام 2023، عندما أصبحت ثاني دولة في العالم بعد المملكة المتحدة تنجح في علاج مرض الخلية المنجلية باستخدام العلاج الجيني القائم على CRISPR.
سواء من خلال الأبحاث القطرية التي تسهم في اختراقات طبية، أو من خلال الشراكات متعددة الأطراف لتعزيز الاستعداد الصحي، يواصل مجلس التعاون الخليجي كونه شريكًا نشطًا في جهود النهوض بالصحة العالمية.
السلام والأمن
يُعد هذا المجال الأكثر تراجعًا من بين الفئات الخمس في مقياس التعاون العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، وفي ظل النزاعات المندلعة حول العالم خلال السنوات الأخيرة، وازدياد الهجمات السيبرانية، حافظ مجلس التعاون على التزامه بالدبلوماسية.
واصلت دول مجلس التعاون تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال المبادرات الدبلوماسية متعددة الأطراف. فمنذ عام 1996، قدمت المملكة العربية السعودية مساعدات إنسانية وإغاثية بقيمة 133 مليار دولار لأكثر من 170 دولة.
كما يسعى المجلس إلى اتخاذ تدابير وقائية. فهو يسعى إلى إنشاء استراتيجية موحدة للأمن السيبراني على مستوى المجلس من خلال اللجنة الوزارية للأمن السيبراني لمجلس التعاون، ويكثف تعاونه مع الاتحاد الأوروبي حول الاستجابة للكوارث.
وعلى المستوى الوطني، تهدف استراتيجية البحرين لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والاقتصاد الرقمي (2022-2026) إلى تزويد ما لا يقل عن 20,000 مواطن بالمهارات والمعرفة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
من خلال دعم جهود الإغاثة الدولية والدفاع عن الفضاء السيبراني ضد الهجمات من الجهات الخبيثة، تشارك المنطقة بفاعلية في الدبلوماسية الدولية.
التعاون العالمي أكثر أهمية من أي وقت مضى
لا يزال التعاون العالمي مهددًا في عالم مجزأ بسبب الجغرافيا السياسية والصراعات المستمرة، من بين مخاطر أخرى.
إن عالمنا الذي يزداد انقسامًا بحاجة إلى شركاء مستعدين للعب دور أكثر بنّاءً في المجتمع الدولي، للمساعدة في توجيهه نحو بيئة أكثر تعاونًا قادرة على بناء السلام ومواجهة تغير المناخ.
لا تزال الطريق إلى الأمام معقدة، لكن من خلال جهودها لبناء الجسور والتعاون مع حلفاء متنوعين، تُظهر دول مجلس التعاون الخليجي أنها على قدر التحدي.
