المستثمرون يستعدون لتداعيات انهيار مصرف وادي السيليكون
تمهيد
يقال: إن المد المنخفض يكشف عن أولئك الذين يسبحون بلا ملابس، وفي 10 مارس 2023 ظهر سباح كبير بلا حماية، مصرف وادي السيليكون (SVB)، وهو المصرف السادس عشر في الحجم في الولايات المتحدة الأمريكية وقد وضعته تحت الوصاية الجهات التنظيمية بعد إخفاق محاولاته لزيادة رأس المال وظهور موجة هائلة من سحب الودائع، وبينما حاول المسؤولون بشدة احتواء الأزمة يراقب المستثمرون القلقون المشهد، بحثاً عن مؤشرات على انهيارات محتملة أخرى.
انهيار مفاجئ
عندما ينهار أحد المصارف، تبدأ المخاوف عادة من المؤسسات المالية الأخرى التي قد تتعرض للخطر نتيجة ارتباطها بالمؤسسة المنهارة، أو لتشابه نماذج أعمالها، أو لمجرد تغير مزاج المستثمرين، خلال حالات الذعر قد تفقد حتى المصارف الصغيرة ذات الأنشطة القوية ودائعها لصالح مصارف أكبر وأكثر خضوعاً للرقابة، إخفاق مصرف وادي السيليكون في جمع رأس المال، أو بيع نفسه لكيان أكبر، أدى إلى تراجع كبير في أسهم المصارف الإقليمية التي انخفضت بنحو خمس قيمتها عما كانت عليه، وانخفض سعر سهم مصرف ""فيرست ريبابليك First Republic Bank""، وهو مصرف آخر مقره سان فرانسيسكو، بنسبة 34% خلال المدة نفسها.
تحديات وأزمات في خضم الفوضى المالية
مع أصول تجاوزت الـ 200 مليار دولار بقليل في نهاية عام 2022، يُعد مصرف وادي السيليكون (SVB) صغيراً نسبياً مقارنة بمؤسسات كبرى، مثل ""بنك أوف أمريكا Bank of America"" أو ""مورغان ستانلي Morgan Stanley"" المعروفة بأنها مصارف ذات أهمية كبيرة على مستوى العالم، والتي تحتفظ بأصول تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، كان مصرف وادي السيليكون يتميز بواحدة من أعلى نسب الودائع المؤسسية بين المصارف الأمريكية، وهي ودائع أكثر تقلباً مقارنة بالودائع الفردية، إضافةً إلى امتلاكه نسبة مرتفعة من القروض والسندات مقارنة بالودائع، ونتيجة لذلك أثرت الزيادة السريعة في أسعار الفائدة تأثيراً كبيراً في المصرف وقد أشار ""مايكل سيمبا لست Michael Cembalest"" من ""جي بي مورغان لإدارة الأصول JPMorgan Asset Management"" إلى أن المصرف كان في عالم خاص به من جهة مخاطر المدة الزمنية، وهي التهديدات التي فرضتها معدلات الفائدة المرتفعة على محفظته.
مسار آخر للأزمة يتمثل في المودعين من الشركات لدى المصرف، إذ إن 93% من ودائع المصرف غير مشمولة بالتأمين الفيدرالي، الذي يغطي الحسابات التي تقل عن 250 ألف دولار فقط، ستكون الخسائر الفورية مركزة في شركات التكنولوجيا حيث يعمل في تقديم القروض للشركات الناشئة، التي تفتقر إلى الأصول والدخل الثابت، وعلى الرغم من حجمه المتواضع مقارنة بالمصارف الأمريكية الكبرى، تفاخر المصرف بأنه عمل مع ما يقرب من نصف الشركات الأمريكية المدعومة برأس المال المغامر في قطاعي التكنولوجيا وعلوم الحياة البيولوجيا والطب والزراعة العام الماضي، ومع استمرار عدم القدرة على الوصول إلى الودائع، تصبح المصروفات العاجلة مثل سداد الديون ودفع الرواتب في خطر.
قد تؤدي الضربة التي تلقاها القطاع إلى مدة من السلوك الحذر وتجنب المخاطر من شركات التكنولوجيا والمستثمرين على سبيل المثال : أفادت شركة ""روكو Roku"" المتخصصة في أجهزة البث أنها تحتفظ بمبلغ 487 مليون دولار في المصرف، كما أن أنشطة المصرف ليست محصورة جغرافياً كما يوحي اسمه، لم يُكشف عن تركيبة قاعدة المودعين الدوليين للمصرف، إلا أنه يمتلك وجوداً في بريطانيا والصين وألمانيا والهند، إلى جانب دول أخرى.
بدأت التداعيات تظهر في أسواق العملات المشفرة، حيث انخفض سعر عملة ""USDC"" وهي عملة مستقرة من المفترض أن تكون مرتبطة بقيمة الدولار، إلى أدنى مستوى بلغ 88.0 دولار في 11 مارس 2023. وأكدت شركة ""سيركل Circle""، التي تدير العملة، أن نحو 3.3 مليار دولار من احتياطاتها البالغة 40 مليار دولار كانت مودعة في مصرف وادي السيليكون وقد توجه المستثمرون إلى عملة ""تيثر""، وهي عملة مستقرة أخرى مرتبطة بالدولار، مما أدى إلى ارتفاع قيمتها إلى 1. 03 دولار.
المسار الأخير للضرر يتعلق بالأصول التي يحتفظ بها المصرف المنهار، يمكن أن يؤدي بيع المنتجات المالية المعقدة في أسواق تعاني من قلة السيولة (قلة المشترين) إلى انخفاض قيمتها، مما قد يؤثر سلباً في المؤسسات المالية الأخرى التي تمتلك أصولاً مشابهة، لكن في حالة مصرف وادي السيليكون، أكثر أصوله (60) كانت في سندات حكومية أمريكية أو سيولة نقدية، وهي أصول يسهل بيعها من دون تأثير كبير في السوق، ومع ذلك يشير الانهيار إلى أن الشركات التي لديها محافظ مالية مشابهة، مثل شركات التأمين في اليابان وتايوان، التي تمتلك كميات كبيرة من السندات الأجنبية، قد تواجه مخاطر إذا تغيرت ظروف السوق.
مستقبل المصرف
بالنسبة لمستقبل المصرف فهناك ثلاثة خيارات الإنقاذ، أو البيع، أو التصفية، وعلى الرغم من المطالبات المحمومة من عدد من شخصيات وادي السيليكون للحصول على المساعدة تبدو الخيارات السياسية لإنقاذ حكومي صعبة التنفيذ، ففي 12 مارس صرّحت جانيت يلين Janet Yellen""، وزيرة الخزانة الأمريكية، أن المسؤولين قلقون بشأن المودعين، ولكن لن يكون هناك أي إنقاذ مالي للمستثمرين أو المالكين، ويأتي ذلك بسبب قانون دود - فرانك، وهو التشريع الأساسي الذي وضع لتنظيم المصارف بعد الأزمة المالية العالمية، والذي يحظر استخدام أموال دافعي الضرائب لإنقاذ شركات فردية بدأ المنظمون مزاداً لبيع مصرف وادي السيليكون في مساء 11 مارس، ومن المتوقع أن ينتهي هذا المزاد، سواء تم التوصل إلى صفقة أم لا، فعندما كان المصرف يعمل بصورة طبيعية، كان هناك عدد قليل من المؤسسات التي يمكن أن تشتريه، تحظر اللوائح الأمريكية الاندماجات التي تؤدي إلى إنشاء كيان يتجاوز %10% من ودائع أمريكا، وهو ما استبعد أكبر المقرضين في البلاد، مثل ""بنك أوف أمريكا، ، JPMorgan Wells Fargo"" ، من أن يكونوا مشترين، لكن هذا القيد لم يعد مشكلة الآن بعد أن أصبح المصرف في وضع التصرف القضائي، قد يجد أحد المشترين أنه من الجذاب الاستحواذ على العلاقات، التي يمتلكها المصرف مع جميع الأطراف في وادي السيليكون.
في حال لم يتوصل إلى عملية إنقاذ أو بيع، فإن المصرف سيخضع للتصفية، ونظراً لأن أصول المصرف (مثل السندات والودائع الحكومية تتمتع بسيولة نسبية، فإن عملية تصفية المصرف ستكون أسهل وأسرع مقارنة بمؤسسات أخرى تمتلك أصولاً أقل سيولة، هذا يعني أن المودعين الذين لا تغطيهم التأمينات الفيدرالية قد يحصلون على جزء من أموالهم غير المؤمن عليها قريباً، ولكن تبقى الخسائر الإجمالية غير واضحة في هذه المرحلة.
خاتمة
لم يكن أي من المصارف السابقة هو المشتري، حيث استحوذ على المصرف 3 First Citizens BancShares، وانتهت عملية الانتقال رسمياً في مارس 2023، دمجت العلامة التجارية وعمليات المصرف إلى حد كبير تحت First Citizens، ويستمر SVB في العمل بسعة مخفضة، مع التركيز أساساً على قاعدة عملائه الأساسية في قطاعي التكنولوجيا والابتكار، أدى هذا التحول إلى استقرار عملياته مع ضمان الاستمرارية لعملائه.
رؤية مغايرة
يشير المقال إلى أن 93% من ودائع المصرف كانت غير مشمولة بالتأمين الفيدرالي مما يجعله عرضة للانهيار في حالات الذعر المالي أو ارتفاع معدلات السحب.
هذه التركيبة تعكس سوء التخطيط الاستراتيجي من قبل الإدارة، حيث تم الاعتماد بشكل مفرط على شركات التكنولوجيا الناشئة التي تعرف بتقلباتها الكبيرة بدلاً من تنويع مصادر الودائع.
