القائمة الرئيسية

مونوغراف: الأعمال (4-6)

مونوغراف: الأعمال (4-6)
ملخص المقال

يعرض الفصل تحوّل التجارة من النمط التقليدي القائم على العلاقات الفردية، كما كان الحال في متجر نايكي في الستينيات، إلى نموذج يعتمد على البيع المباشر للمستهلك مدفوعاً بالتكنولوجيا والبيانات. وقد سرّعت جائحة كوفيد-19 هذا التحول، إذ انتشرت التجارة الإلكترونية بشكل غير مسبوق، وازدهرت نماذج البيع المباشر مثل DTC، مما دفع الشركات إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها التجارية. ومع أن المتاجر التقليدية لم تختفِ، فإنها باتت تدمج التقنيات الرقمية لتقديم تجربة تسوق هجينة. غير أن هذا التحول، رغم مزاياه، يأتي على حساب العلاقات الإنسانية، ويهدد بدور أكبر للشركات التقنية في التحكم بسلوك المستهلكين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الروابط الاجتماعية في عالم رقمي متسارع.

عودة التجارة الفردية

تمهيد

كان جيف جونسون، المسؤول عن متجر شركة Nike للأحذية في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا محباً للكتاب والقراءة، ولذا زين المتجر برفوف الكتب، علق على الجدران صوراً للعدائين وأحذية الشركة، واحتفظ ببطاقات شخصية لكل زبون، تتضمن تفاصيل مثل مقاسات أحذيتهم، وكان يرسل لهم بطاقات تهنئة في المناسبات الخاصة، ويشاركهم مشاعر الفرح عند فوزهم بأي مسابقة، وكانوا يبادلونه هذه المودة بطلب النصح والدعم والمشورة، وكان يسعد بمساعدتهم.

لكن هذا زمن ولى، كان هذا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وعلى مدار العقود الماضية لم تستطع الشركة إعادة إحياء تلك العلاقة الحميمية مع العملاء، بسبب اعتمادها على التوسع السريع، بواسطة البيع بالجملة، لكن ومنذ عام 2017 بدأت الشركة في تقليل الاعتماد على الوسطاء، من ذلك قطع علاقتها مع ""أمازون""، أكبر متجر إلكتروني في العالم، للتركيز على أن تصبح شركة تعتمد على البيع المباشر للعملاء (Direct-to-Consumer) ، ويمثل هذا النهج %40% من إيرادات الشركة، تقول رئيسة قسم المستهلكين والأسواق في الشركة: ""إن استخدام العملاء للتكنولوجيا الرقمية ساعد الشركة على إعادة خلق عالم ""العلاقة الفردية""
المميز الذي انطلق منه جيف جونسون قبل عقود"".

أثر جائحة كوفيد - 19- على التجارة الإلكترونية

الشراء الفردي هو تعبير مختصر عن التحولات الكبرى، التي يشهدها عالم التسوق اليوم، لم يكن لدى المستهلكين من قبل هذا الكم الهائل من الخيارات لشراء المنتجات ولا هذا العدد الكبير من الطرق للوصول إليها، فقد قربت وسائل التواصل الاجتماعي، وخدمات الرسائل، والتطبيقات بين المنتجين والمستهلكين الخيارات بوجه غير مسبوق وبفضل استخدام كميات هائلة من البيانات، أصبحت الشركات المصنعة تعرف احتياجات العملاء بدقة أكبر من أي وقت مضى، وتستطيع توصيل منتجاتها مباشرة إلى عتبة منازلهم أما الوسيط التقليدي، الذي كان لقرون يضيف تكاليف مخفية على المنتجات، فيجد نفسه اليوم تحت ضغط متزايد ويواجه خطر التهميش.

برز هذا التحول بوضوح خلال جائحة كوفيد - 19، حيث وصلت معدلات انتشار التجارة الإلكترونية في بضعة أشهر فقط إلى مستويات كان يتوقع أن تستغرق سنوات لتحقيقها، ومع الإغلاقات والتدابير الخاصة بالتباعد الاجتماعي، أغلقت العديد من المتاجر التقليدية أبوابها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في أثناء الحظر، مما يعكس استمرار الاتجاه نحو تراجع هذا النوع من التسوق في المقابل ازدهرت المنصات الإلكترونية ازدهاراً كبيراً، فقد تجاوزت إيرادات أمازون الفصلية حاجز الـ 100 مليار دولار لأول مرة في الربع الأخير من عام 2020، وتضاعفت - بل وتضاعفت ثلاث مرات - أسعار أسهم بعض عمالقة التجارة الإلكترونية في الصين.

ازدهرت أعمال التجارة المباشرة مع المستهلك (DTC) بنحو ملحوظ، ففي وقت مبكر من فترة الإغلاق، حققت شركة نايكي هدفاً كانت قد خططت لتحقيقه في عام 2023، وهو بيع 30% من منتجاتها عبر الإنترنت، وفي العام الماضي انضم 70 مليون شخص إلى عضوية نايكي، ليصل إجمالي الأعضاء إلى 250 مليوناً، تتواصل الشركة مع هؤلاء العملاء المخلصين عن طريق تطبيقات تقدم لهم كل شيء، بدءاً من إرشادات مجانية للجري، وصولاً إلى إمكانية الوصول
إلى ماكينات بيع الأحذية الرياضية.

أما محلات التسوق، التي كانت تأمل في السابق أن يظل الإقبال الجماعي على التسوق الإلكتروني بعيداً لخمس سنوات على الأقل، وجدت فجأة أن حتى كبار السن بدأوا يتسوقون حاجياتهم اليومية عبر الإنترنت، وفي الأيام الأولى من الحظر والإغلاق، كان الطلب على منصات التسوق الإلكتروني مرتفعاً لدرجة أن شركة أو كادو Ocado البريطانية، المتخصصة في بيع المواد الغذائية عبر الإنترنت اعتقدت لمدة وجيزة أنها تتعرض لهجوم إلكتروني.

التجارة الإلكترونية في مواجهة المتاجر التقليدية

رغم انفجار التجارة الإلكترونية، فإن ذلك لا يعني نهاية المتاجر التقليدية، فمع تخفيف الحظر (2020-2021) عاد المتسوقون بأعداد كبيرة إلى الأسواق والمجمعات التجارية إلا أن ذلك لا يعني أن ثورة التجارة الإلكترونية ستتوقف. على العكس ستغير هذه الثورة طبيعة المتاجر لتصبحتجربة التسوق فيها مزيجاً متناغماً بين العالمين الرقمي والتقليدي، وستحدث تحولاً في أساليب التسويق، حيث تظهر الإعلانات الإلكترونية دقة أكبر في استهداف المتسوقين مقارنة بالإعلانات التقليدية على الشاشات أو اللوحات الإعلانية في الشوارع ومحطات القطار، كما ستقود إلى أشكال جديدة من الإنتاج، على سبيل المثال: تستفيد شركة ""نايكي"" من تطبيقاتها لجمع كميات هائلة من البيانات من عملائها، الذين يمارسون أنشطتهم الرياضية، عندما لاحظت الشركة بواسطة بيانات تطبيقاتها زيادة في عدد الأشخاص الذين يمارسون اليوغا، سارعت إلى تصميم معدات جديدة تناسب هذه الرياضة.

في الصين يعكس تبني التجارة الإلكترونية انتشار الهواتف الذكية، ونقص المراكز التجارية الجذابة خارج المدن الكبرى والكثافة السكانية العالية في المناطق الحضرية، مما يقلل من تكاليف التوصيل، لكن ما يميز الصين حقاً هو مستوى الابتكار الذي لم يكن متوقعاً، مثل بث المشاهير المباشر لبيع منتجات كأحمر الشفاه، وكما هو الحال مع شركة نايكي تستفيد بعض شركات التكنولوجيا الصينية من البيانات الرقمية للمستهلكين لتغيير طرق إنتاج السلع، بل وحتى تطوير تقنيات عالية لتحسين إنتاجية الفواكه والخضروات في المزارع.

ورغم ذلك لا يبدو أن الهدف النهائي هو تجاوز المتاجر التقليدية بالكامل، فقد أدخلت شركة علي بابا، أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في الصين، أحدث التقنيات الرقمية، مثل المتاجر الخالية من (الكاشير) والعروض الترويجية بالفيديو إلى متاجرها في المدن الكبرى.

المستقبل: التسوق المتكامل بين القنوات

في الشرق والغرب - على حد سواء - يُطلق على هذا الدمج بين العالمين الواقعي والرقمي اسم ""قنوات التسوق المتكاملة"". ويُعد هذا الاتجاه من أبرز التحولات الملموسة، التي تؤثر في مستقبل التسوق، إذ يتجه المستقبل ليكون مزيجاً بين التسوق الإلكتروني والتقليدي.

بالنسبة للمستهلكين فإن الفوائد واضحة: سيحصلون على راحة أكبر ومرونة أعلى بالقدرة على التسوق بالطريقة التي تناسب مزاجهم وظروفهم، سواء كانت زيارة للمتاجر أو الشراء عبر الإنترنت، أما بالنسبة لتجار التجزئة، فالتحديات هائلة: سيتعين عليهم تحمل تكاليف تشغيل المتاجر، بالإضافة إلى دفع نوع من ""الإيجار الرقمي "" لتظهر محركات البحث منتجاتهم في نتائج البحث الأولى، كما يجب عليهم تغطية تكاليف التوصيل، إلى جانب إتاحة خيار استلام المشتريات من المتاجر، بالإضافة إلى ذلك وهو الأمر الأهم، يواجهون معالجة المرتجعات المنتجات التي يعيدها العملاء)، التي تتجاوز تكلفتها الآن تريليون دولار عالمياً سنوياً.

خاتمة

خلال جائحة كوفيد 19، مع إغلاق المتاجر وغزو الشحنات من أمازون أبواب المنازل، ظهر العالم وكأنه على شفا عالم رقمي مظلم، تسوده الهيمنة الرقمية، حيث تؤدي التكنولوجيا إلى عواقب سلبية على المجتمع، مثل العزلة الاجتماعية، وسيطرة الشركات الكبرى على الحياة اليومية وفقدان المحلات التقليدية دورها القديم، مكاناً للتفاعل الاجتماعي والعلاقات الإنسانية، وكما بين هذا المقال فإن الباعة المتجولين، والتجار، وأكشاك الطعام الصغيرة، والحرفيين والمندوبين، والمتسوقين سيستمرون في الوجود، وإن كان ذلك بأشكال جديدة، أما الفرق الأكبر، فسيكمن في كيفية تنظيم السوق نفسه، بدلاً من المتاجر التقليدية، سيهيمن على السوق بنية رقمية تحت سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى، والتي ستؤثر تأثيراً كبيراً في كيفية تحفيزنا على الاستهلاك والشراء عبر الإنترنت.

رؤية مغايرة

يسلط المقال الضوء على التطورات التكنولوجية وكيف أحدثت تحولاً في التجارة، لكنه يمر سريعاً على تأثير هذه التحولات على العلاقات الاجتماعية والمجتمعية. ومن أبرز هذه الآثار العزلة النفسية والاجتماعية الناتجة عن غياب التفاعل الإنساني الذي كان يُميز الأسواق التقليدية، حيث لم تكن عملية الشراء مجرد تبادل تجاري، بل فرصة أيضاً للتعارف والتواصل وبناء علاقات اجتماعية. فالتسوق عبر الإنترنت رغم ميزاته، إلا أنه يُهمش هذه الجوانب الإنسانية الرحيمة ويعزز الشعور بالعزلة خاصة في المجتمعات التي تعتبر الأسواق فيها نقطة تجمع اجتماعي وثقافي وتراحمي.

مقالات ذات صلة