يفخر نَاشِطو الحِفاظ على البيئة بحماية الحياة على الأرض بجميع أنواعها، وليس فقط دِببة الباندا والنمور الخاطفة للأبصار، وقد ركَّز هذا المجال على أسماك بطحيش الصحراء الغامضة (desert pupfish)، الحشرات، النباتات العشبية الصغيرة المُتواضِعة، لكنّهم نادرًا ما يضعون صور البكتيريا على لوائحهم، على الرغم من أنّ معظم أشكال الحياة مجهريَّة. تحتوي الأرض على ما يقرب من تريليون نوع من البكتيريا والفطريات والعلائق والأوّليات، التي تجتمع تحت العنوان العام “الميكروبات”. البحر عبارة عن حساء من الميكروبات، والتُّربة أرض العجائب للحياة غير المحسوسة، وحتى الهواء حيّ، مئات الملايين من الفيروسات وعشرات الملايين من البكتيريا التي تطفو في الهواء تترسَّب في كل متر مربع من الأرض كل يوم، أخبرني “كينت ريدفورد” مستشار الحِفاظ على البيئة في ولاية ماين، الذي شغل سابقًا منصبًا رفيعًا في جمعية المحافظة على الحياة البريَّة؛ أنّنا نعيش في “أمطارٍ خفيفةٍ من الميكروبات”.
تُستخدم كلمة الميكروبات أحيانًا بشكلٍ مترادف مع الجراثيم، لكنْ، هناك فهم متزايد بأنّ معظم الميكروبات ليست العدو؛ إذ تُبقي كل شيء على هذا الكوكب -بما في ذلك البشر- على قيد الحياة، يمكن للحيوانات التي لا تحتوي على الميكروبيوم المناسب أن تمرض، بل وتموت، تحتاج النباتات أيضًا إلى شركاء ميكروبيين لتزدهر، الميكروبات هي الغرَاء الذي يربط النُظم البيئية معًا (أحيانًا بالمعنى الحرفيّ للكلمة: تتجمع التُّربة في جزيئاتٍ بسبب المخاط الذي تُفرزه الميكروبات).
على الرغم من أنّ الميكروبات موجودة في كل مكان، فإنّ بعض مجتمعاتها قد تكون مُعرَّضة لخطر الانقراض. في متنزَّه يلوستون الوطني، يُمنع الزائرون من دخول العديد من الينابيع الساخنة وينابيع المياه الحارَّة؛ وذلك جزئيًا لحماية المجتمعات الميكروبية النادرة التي تُعدُّ الينابيع موطنها، تُؤخَذُ عينات بعنايةٍ من النُظم الإيكولوجية الميكروبية الفريدة من نوعها في البحيرات تحت الجليدية في القطب الجنوبي، والتي تمّ عزلها منذ ملايين السنين، باستخدام طرائق تُقلّل من احتمالية تلويثها بالكائنات الحيَّة من خارج الجليد.
ومع ذلك، فإنّ حركة الحفاظ على البيئة لا تُولي اهتمامًا كبيرًا للميكروبات: ابتداءً من عام 2012 ركّزت 2% فقط من الأوراق الأكاديمية حول الحفاظ على البيئة على هذه الكائنات الحيَّة. “العديد من منظمات الحِفاظ على البيئة غير مُهتمَّة إلى حدٍّ كبير بتوسيع نطاق عملها ليشمل الميكروبات”، قال “كينت” الذي نشر للتو نداءً في مجلة Conservation Biology، يدعو من خلاله حركة الحِفاظ على البيئة إلى النظر في عالَم الميكروبات، ومن خلال تجاهل الميكروبات، يتجاهل ناشطو الحفاظ على البيئة معظم أشكال الحياة، والسُلالات القديمة الرائعة التي تُعدُّ ذات قيمة في حدِّ ذاتها، وضرورية لكل ما يزدهر على الأرض.
الحِفاظ على الميكروبات يختلف عن الحِفاظ على قُضَاعة البحر، لا يكون النوع الميكروبي الواحد أو النوع الفرعي عادةً محور الاهتمام، في الواقع، يصعب القضاء على الميكروبات؛ لأنّ الميكروبات عديدة بشكلٍ خيالي، وتتكاثر بسرعة، ويُمكنها تبادُل الجينات مع جيرانها، وتتكيف بشكلٍ جيّد مع التغير البيئي، هناك الكثير من “التكرار الوظيفي” في عالَم الميكروبات، إذا أدّى التلوث أو تغيُّر المناخ أو مبيدات الأعشاب إلى القضاء على نوع واحد من البكتيريا التي تنقل العناصر الغذائية أو الكربون، فغالبًا ما سيكون هناك مئات الأنواع الأخرى من البكتيريا التي تفعل الشيء نفسه.
فبدلًا من القلق من أن تغيُّر المناخ أو الأساليب الزراعية سيتسبّبُ في انقراض نوع معين من البكتيريا، ينصب قلق كينت أكثر على أنّ هذه القوى سوف تمحو المجتمعات الميكروبية أو تُغيِّرها جذريًا، مع عواقب معقدة ويصعب التنبؤ بها على النظام البيئي الأكبر. على سبيل المثال؛ بيض سمك السلمون المُرقَّط البريّ مُغطّى بمزيجٍ معقد من البكتيريا التي يمكن أن تأتي من أكثر من اثنتي عشرة عائلة مختلفة، عندما يُؤدّي تغير المناخ إلى تسخين مياه النهر، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذريّ في أنواع البكتيريا التي تعيش على البيض، أو تغيير الأنواع الشائعة والأنواع النادرة، وقد يكون هذا المجتمع الجديد سامًّا لبيض سمك السلمون المرقط نفسه، ممّا يُعرِّضه للخطر. قال لي كينت: “سواء أكنت تريد الحِفاظ على الميكروبات لمصلحتها الخاصة أم لا، فلن تنجح في الأشياء التي ترغب في فعلها” ما لم تأخذها في الحُسبان.
إنّ أخذ الميكروبات في الحُسبان يُمكن أن يُساعد في تحقيق أهداف الحِفاظ على البيئة التقليدية، مثل الحفاظ على الحيوانات النادرة. على سبيل المثال؛ العديد من عمليات إزفاء الأنواع أو إعادة توطينها، التي تتم باسم الحفاظ على البيئة تفشل -وفي بعض الحالات-؛ قد يكون ذلك بسبب عدم أخذ السياق الميكروبي في الحُسبان. أظهرت الدراسات أنّ الحيوانات الأسيرة غالبًا ما تحتوي على ميكروبيومات مختلفة تمامًا عن الحيوانات البرية من النوع نفسه، طلب مني كينت أن أتخيّل أخذ حمار وحشي من حديقة الحيوانات في باريس وتركه طليقًا في حديقة سيرينغيتي الوطنية في تنزانيا. “كان يحتوي على ميكروبيوم من حديقة الحيوان الباريسية؛ بسبب أكله العلف الفرنسي وحبيبات البرسيم الحجازي، وفجأة، طُلب من الميكروبيوم الخاص به هضم أعشاب سيرينغيتي”. قد يمرض أو يفشل ببساطة في امتصاص التغذية اللازمة من طعامه.
لا تتجاهل حركة الحِفاظ على البيئة الميكروبات دائمًا؛ فبعض الذين يعملون على إعادة توطين سمك الحفش في نهر اليانغتسي المُهدَّد بالانقراض درّبوا أسماكهم الأسيرة على المزيد من الأطعمة البريَّة غير المُعالجة في محاولةٍ لتحويل ميكروبيوم أمعائها إلى بيئةٍ طبيعية أكثر، وقد رأوا تحسّنًا في قدرتها على البقاء على قيد الحياة مقارنةً بمعدلات أسماك الحفش غير المُدرَّبة، تحتوي النباتات على ميكروبيوم أيضًا، ويعتمد الكثير منها جزئيًا على الفطريات الأخرى الموجودة في جذورها؛ لمساعدتها على امتصاص العناصر الغذائية والماء، من المُرجَّح أن تموت النباتات المنقولة دون فطريات الجذر الصحيحة بعد زراعتها، وجد الباحثون الذين يعملون على إعادة تأهيل سهوب البراري في ولاية إنديانا أنّ إدخال الفطريات المناسبة أثناء إعادة التأهيل يزيد من تنوع النباتات بنحو 70%.
أصبح النظر إلى الميكروبات بِوصفها عوامل في بقاء النباتات والحيوانات أكثر شيوعًا، خاصةً أنّ الأدوات اللازمة للكشف عن الجينات الميكروبية وتسلسلها أصبحت في متناول الجميع، لكنْ، هناك قدر أقل من العمل على الحِفاظ على الميكروبات بحد ذاتها؛ ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنّ حركة حماية البيئة لديها الكثير من المهام على جدول الأعمال، يجد نَاشِطو حركة الحِفاظ على البيئة أيضًا صعوبة في العمل على الميكروبات؛ لأنّها لا تنتمي بشكل جيّد إلى أيّ نوع مُحدَّد -والأنواع هي الوحدات الأساسية للحفاظ على البيئة-، نحن نقيس عادةً “التنوع البيولوجي” من خلال حساب الأنواع، ونعلم أنّنا فشلنا عندما ينقرض نوع ما، إنّ أداة السياسة المركزية الأمريكية لحماية العالَم غير البشري تُسمّى “قانون الأنواع المُهدَّدة بالانقراض”. ومع ذلك، فإنّ البكتيريا والطلائعيات والفيروسات والكائنات المجهريَّة الأخرى لا تنتمي إلى أنواع يسهل تمييزها، إنّها تتطور بسرعة، وتمزج السُلالات بسهولة، وتُشارِك جيناتها مع سُلالات أخرى.
قال كينت: “إنّهم جميعًا مشغولون باستخدام نقل الجينات الأفقي لنقل العناصر الجينية إلى بعضها بعضًا بسعادةٍ تامة”، ويعيشون أحيانًا في مجموعاتٍ ذات سُلالات مختلطة تُسمَّى “الأغشية الحيويَّة الرقيقة”، ملتصقة ببعضها، وتتواصل مع بعضها بعضًا، وتعمل تقريبًا مثل كائن حيّ واحد، قد تكون على درايةٍ وثيقة بالأغشية الحيويَّة إذا أزلتَ الجير عن أسنانك من قبل، يُكافح ناشطو الحفاظ على البيئة ببساطة من أجل دمج الحياة الفوضوية والديناميكية هذه في أُطُرهم المألوفة، فلا يُمكنهم إحصاء أو إعداد قوائم بأنواع الميكروبات المهددة بالانقراض.
طلبتُ من كينت أن يتخيّل عالَمًا يتم فيه الاستجابة لندائه؛ حيث تُدمج الميكروبات في جدول أعمال الحفاظ على البيئة وإعادة التأهيل، كيف سيبدو الأمر بالنسبة لشخص يُدير مجرى نهر يعيش فيه سمك السلمون المرقط؟ قال إنّنا سنكون قادرين على استخدام كاشف الحمض النووي البيئي للحصول على صورةٍ شاملة للمجتمعات الميكروبية في الماء، وفي أحشاء وخياشيم سمك السلمون المُرقَّط، وعلى سطح النباتات المائية، وفي منافذ محددة أخرى؛ لتحقيق أقصى استفادة من هذا النوع من المعلومات، سنحتاج إلى تطوير فهم أكثر تعقيدًا لكيفية تأثير عالم الميكروبات غير المرئي على ما يُمكننا رؤيته: الصفصاف المظلّل، الرَّعاشات الصغيرة الحوامة، أسماك السلمون المرقطة الدوارة. وقد تُساعدنا البيانات أيضًا في تحديد موقع سُلالة نادرة من البكتيريا في النهر الذي نرغب بحمايته، ويُمكننا أن نتعلّم أنّها تحتاج إلى ماء بارد لِتُزدهر. ويومًا ما، قد نبدأ بزرع الصفصاف لتظليل مجاري المياه للحفاظ على البيئة الباردة اللازمة للبكتيريا.
يبتعد الحفاظ على البيئة بشكلٍ عام عن مجرد إعادة الأشياء “إلى ما كانت عليه من قبل”، ويتّجه نحو مُساعدة النُظم البيئية الديناميكية على التكيّف مع الظروف المتغيرة، إنّ العمل مع الميكروبات يُناسب هذا النموذج الجديد؛ لأنّ هناك اهتمامًا أقل بمنعها من التغيير والتطور، سيكون الأمر مُستحيلًا على أيّة حال؛ فهي سريعة جدًّا. يفتح احتضان التكيف الباب أيضًا أمام إمكانية التأثير في مسار المجتمعات الميكروبية، أو حتى دمج الميكروبات المهندسة في النُظم البيئية، تستخدم محطات معالجة مياه الصرف الصحي مجتمعات متنوعة من البكتيريا والعلائق والأوّليات لتنظيف المياه، وحتى تحويل مياه الصرف الصحي إلى بلاستيك حيويّ. وفي الوقت نفسه، حدّدت دراسة حديثة بكتيريا يمكنها تحليل البلاستيك بالكامل -تدميره للأبد- وتحويله إلى ثاني أكسيد الكربون، إنّ تعلُّم كيفية إدارة النظم البيئية حتى تزدهر البكتيريا التي تأكل البلاستيك قد يكون استراتيجية مُستقبليّة للحفاظ على البيئة.
طالما كانت أهداف حركة الحفاظ على البيئة أنانية وإيثارية في الوقت نفسه. فنُريد إنقاذ الأنواع وحماية النظم البيئية؛ لأنّها تُبقينا على قيد الحياة وتُبقينا سعداء، لكنّنا نريد أيضًا حماية العالَم غير البشري، من المحتمل أن ينطبق كلا الهدفين على الحفاظ على الميكروبات أيضًا، يمكن للبكتيريا والعلائق والفطريات المجهرية تحسين حياتنا، لكنّ كينت يعتقد أيضًا أنّها ذات قيمة في حد ذاتها، وأنّ الحجم والانتماء للمملكة الحيوانية لا يُحدِّدان القيمة المعنوية في النهاية. الميكروبات هي أنواع فريدة تطوّرت على مدى ملايين السنين، تمامًا كما تطوّرت الحِيتان أو دِببة الباندا.
فكرة أنّنا نقضي كل لحظة من حياتنا نتحرك عبر عالَم يضم ملايين الأفراد والجماعات القيّمة كافية للتسبُّب في أزمةٍ أخلاقية للإنسان؛ فمن الصعب تحديد كيفية التعامل بشكلٍ صحيح مع النباتات والحيوانات التي نتشارك معها الأرض، ثمّ، بماذا نُدين للفطريات وللبكتيريا التي تُشكّل حياتنا بشكلٍ غير مرئيّ؟
