القائمة الرئيسية

البحث بالذكاء الاصطناعي كارثة

البحث بالذكاء الاصطناعي كارثة
ملخص المقال

يرى الكاتب ماثيو وونغ أن الوعود التي أطلقتها شركتا مايكروسوفت وجوجل بشأن تحويل البحث عبر الإنترنت من خلال دمج برامج الدردشة الآلية مثل ChatGPT وBard مبالغ فيها، لأن هذه النماذج لا تزال تعاني من مشكلات جوهرية مثل الهلوسة المعلوماتية، وعدم القدرة على التحقق من الحقائق، وسوء الفهم المنطقي، رغم قدرتها الظاهرية على توليد اللغة بسلاسة. وعلى الرغم من أن هذه الشركات تروج لهذه التكنولوجيا على أنها ثورة في طريقة الوصول إلى المعلومات، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه الأدوات غير ناضجة بعد، بل وتؤدي أحيانًا إلى نتائج خاطئة أو حتى ضارة. ويختتم الكاتب بتحذير من الثقة العمياء في هذه الأدوات، مشيرًا إلى أن التسرع في تبنيها دون فهم عميق لإمكاناتها وحدودها قد يعيد أخطاء الماضي مع تقنيات مثل فيسبوك، التي بدأت بوعد وردي وانتهت بتهديدات خطيرة للديمقراطية.

قلم: ماتيو وونغ

تعتقد شركتا مايكروسوفت وجوجل أنّ برامج الدردشة الآليَّة ستغير عملية البحث عبر الإنترنت إلى الأبد – لا يوجد حتى الآن سبب لتصديق هذا الاعتقاد.

الأسبوع الماضي، أعلنت شركتيّ مايكروسوفت وجوجل أنهما ستدمجان برامج الذكاء الاصطناعي المشابهة لبرنامج ChatGPT، ضمن محركيّ البحث الخاصين بهما؛ وذلك في محاولةٍ منهما لتحويل عملية العثور على المعلومات عبر الإنترنت إلى محادثةٍ مع برنامج الدردشة الآليَّ الكلّي المعرفة. لكن هناك مشكلة واحدة: نماذج اللغة هذه معروفة بهوسها بالأساطير.

ففي مقطع فيديو ترويجيّ، ارتكب برنامج الدردشة الآلي Bard التابع لشركة جوجل خطأً فادحًا بشأن علم الفلك، حيث أخطأ في تحديد الوقت الذي تمّ فيه التقاط أوّل صورة لكوكبٍ خارج نظامنا الشمسي بأكثر من عقد؛ ما أدَّى إلى انخفاض أسهم الشركة الأم بنسبةٍ تصل إلى 9%. وكان العرض التجريبي المباشر لمحرك البحث Bing الجديد، الذي يتضمّن إصدارًا أكثر تقدمًا من ChatGPT، مليئًا بالأخطاء المحرجة أيضًا. على الرغم من أنّ الأشهر القليلة الماضية أدَّت إلى اعتقاد الكثيرين بأن الذكاء الاصطناعي ارتقى أخيرًا إلى مستوىً يفي بالتوقعات. وتشير القيود الأساسية لهذه التقنيات إلى أنّ إعلانات هذا الشهر قد تقع -في الواقع- في مكانٍ ما بين انهيار Google Glass، وتحديث iPhone، أيّ ستكون في أسوأ الأحوال دعاية خيال علمي، بينما ستقدّم في أحسن الأحوال تحسنًا تدريجيًا مصحوبًا بعاصفةٍ من الأخطاء البرمجية.

تنشأ المشكلة عندما نتعامل مع برامج الدردشة الآليَّة ليس فقط باعتبارها برامج بحث آلي، بل باعتبارها تمتلك ما يشبه العقل، أيّ عندما يثق المستخدمون والشركات في برامج مثل ChatGPT لتحليل مواردهم المالية، أو التخطيط للسفر والوجبات، أو حتى لتوفير المعلومات الأساسية. فبدلاً من إجبار المستخدمين على قراءة صفحات الإنترنت الأخرى، اقترحت مايكروسوفت وجوجل مستقبلاً حيث تستخدم محركات البحث الذكاء الاصطناعي لتوليف المعلومات وتجميعها في نثرٍ أساسي يقودنا للوصول إلى معلوماتٍ لم نتمكّن من الوصول إليها من قبل. لكن التحقيق الكامل لهذه الرؤية قد يكون هدفًا بعيد المنال، والطريق إليه ملتوٍ وغامض: البرامج التي تقود هذا التغيير حاليًا، المعروفة باسم “نماذج اللغة الكبيرة”، جيدة في توليد جملٍ بسيطة، لكنّها سيئة للغاية في كلّ شيء آخر.

تعمل هذه النماذج من خلال تحديد الأنماط في اللغة وتكرارها، كـ تقنية التصحيح التلقائي، حيث تقوم برامج مثل ChatGPT أوّلاً بتحليل كميات هائلة من النصوص –الكتب، صفحات ويكيبيديا، الصحف، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي– ثمّ تستخدم تلك البيانات للتنبؤ بالكلمات والعبارات التي من المرجح أن تتوافق معًا. تقوم هذه البرامج بنمذجة اللغة الحالية، مما يعني أنها لا تستطيع التوصّل إلى أفكارٍ “جديدة”. واعتمادها على الانتظام الإحصائي يعني أنّ لديها ميلاً إلى إنتاج نسخٍ مصغرة ومقلّصة من المعلومات الأصلية، وهو ما يشبه نسخة طابعة الزيروكس المعيبة كما ذكر الكاتب تيد تشيانج.

وحتَّى لو تعلَّم برنامج ChatGPT وأمثاله التنبؤ بالكلمات بشكلٍ مثالي، فإن هذه البرامج ستظل تفتقر إلى المهارات الأساسية الأخرى. على سبيل المثال، لا تفهم هذه البرامج العالم المادي أو كيفية استخدام المنطق، وهي سيئة في الرياضيات، ولا يمكنها التحقّق من صحة المعلومات بأنفسها؛ ما يعد أمرًا أساسيًا عند البحث عبر الإنترنت. بالأمس فقط، أخبرني ChatGPT أنّ اسمه يحتوي على ستة أحرف.

وبالطبع، تكتب هذه البرامج اللغوية بعض الأشياء “الجديدة” – ويُطلق عليها “الهلوسة”، ويمكن وصفها أيضًا بأنها أكاذيب. مثلما يفشل التصحيح التلقائي في تصحيح الحروف الفردية بشكلٍ سليم، تكتب هذه النماذج جملاً وفقرات خاطئة بشكلٍ كامل. وبحسب ما ورد، قال محرّك البحث Bing الجديد إنّ عام 2022 يأتي بعد عام 2023، ثمّ ذكر أنّ العام الحالي هو 2022، وكل ذلك أثناء التلاعب العقلي بالمستخدمين عندما جادلوه. ويُعرف ChatGPT باستحضار الإحصائيات من مصادر مزيفة. اختلق Bing سِمات شخصية عن العالمة السياسية رومان تشودري وانخرط في الكثير من التكهنات المرعبة والنمطية حول حياتها الشخصية. حاول الصحفي مارك هاشمان أن يُظهر لابنه احتواء محرك بحث Bing الجديد على مرشحاتٍ مضادة للتحيّز، إلا أنه عرَّض طفله الأصغر لمجموعةٍ وقحة من الإهانات العِرقية التي كتبها الذكاء الاصطناعي (قالت شركة مايكروسوفت إنها اتخذت “إجراءات فورية لمعالجة هذه المشكلة”).

عند سؤال أحد المتحدثين باسم مايكروسوفت عن هذه المشكلات، كتب في رسالة بالبريد الإلكتروني: “نظرًا لأنّ هذه معاينة مبكرة، فإن [محرك بحث Bing الجديد] يمكن أن يعرض أحيانًا إجابات غير متوقعة أو غير دقيقة”، و”نحن نقوم بتعديل ردوده لإنشاء إجابات متسقة وذات صلة وإيجابية”. وأخبرني متحدث باسم جوجل عبر البريد الإلكتروني: “يعد كل من التجربة والتعليقات، من موظفيّ جوجل والمختبرين الخارجيين الموثوقين، جانبين مهمين لتحسين Bard للتأكد من أنه مُعّد جيدًا لمستخدمينا”. 

بعبارةٍ أخرى، يعلم الصُنَّاع أن Bing وBard ليسا جاهزين للعالم، رغم الإعلانات المستمرة. تقدم محركات البحث القائمة على برامج الدردشة الآليَّة بوادر طفيفة نحو الفعالية، ولكن إذا كانت الحماية الرئيسية للذكاء الاصطناعي ضد المعلومات المضلّلة هي الاستشهاد بمصادر تعود إلى قرونٍ سابقة، فإن هذه “الثورة” لا تختلف بشكلٍ كبير عن مقالةٍ في ويكيبيديا.

إذا لم تكن مواطن الخلَل –والعداء الصريح– كافية لأن تستوقفك، ففكر في أن تدريب الذكاء الاصطناعي يتطلب كميات هائلة من البيانات والوقت. على سبيل المثال، لم يتم تدريب ChatGPT على أيّ شيء حدث بعد عام 2021 (ومن ثمّ ليس لديه أيّ علم بالأحداث الأخيرة)، وسيكون تحديث أيّ نموذج بالأخبار التي تحدث في كل دقيقة غير عمليّ، إن لم يكن مستحيلاً. لتوفير معلومات أكثر حداثة –على سبيل المثال حول الأخبار العاجلة أو الأحداث الرياضية المقبلة– يُقال إنّ محرك بحث Bing الجديد يبحث في مُدخلات المستخدم عبر محرك بحث Bing التقليدي ويستخدم النتائج بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي لكتابة إجابة. تشبه هذه العملية دمية ماتريوشكا الروسية، أو تمثالاً مطليًا بالذهب: أسفل الطبقة الخارجية المتلألئة من الذكاء الاصطناعي محرك بحث Bing المشوّه الذي نعرفه جميعًا ولا نستخدمه أبدًا.

والتحذير المؤكِّد لكل هذه الشكوك هو أن شركتيّ مايكروسوفت وجوجل لم تذكرا الكثير عن كيفية عمل أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. قد تقوم الشركتان بدمج بعض البرامج الأخرى لتحسين موثوقية برامج الدردشة الآليَّة، أو ربما يحلّ الإصدار التالي لنموذج لغة OpenAI GPT-4، هذه المخاوف بطريقةٍ سحرية، إذا تم إثبات صحة الإشاعات (المذهلة). لكن الأدلة الحالية تشير إلى خلاف ذلك، وفي إشارةٍ إلى فكرة أن نموذج GPT-4 قد يقترب من شيء يشبه الذكاء البشري، قال الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI: “يتمنَّى الناس أن يشعروا بخيبة الأمل، وسوف يشعرون بها بالطبع”.

وبينما يقول الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI ذلك، تطلب أكبر الشركات في العالم من الجمهور أن يتشبثوا بالأمل، وأن يثقوا بهم كما لو كانوا آلهة، وبرامج الدردشة الآليَّة وسيطهم، مثل أبوللو الذي يتحدث من خلال كاهنة في دلفي. ستكون برامج البحث الآلي المدعومة بالذكاء الاصطناعي متاحة قريبًا ليستخدمها أيّ شخص، ولكن لا ينبغي لنا أن نتسرع في الثقة بها لإدارة حياتنا. قبل أقل من عقدٍ من الزمان، أدرك العالَم أن الفيسبوك لم يكن شبكة اجتماعية ممتعة بقدر ما كان آلة لتقويض الديمقراطية. إذا كنَّا لا نزال نسارع إلى الثقة في الابتكار التالي لعمالقة التكنولوجيا، فربما سبق أن حلَّت الهلوسة محلّ البحث عن المعلومات والتفكير فيها مليًا، سواءً كان ذلك مع أو بدون برامج الدردشة الآليَّة.

المصدر

مقالات ذات صلة