القائمة الرئيسية

التعليم من أجل المحافظة على الثقافة

التعليم من أجل المحافظة على الثقافة
ملخص المقال

يروي المقال قصة جوزفين بوردون، المعلمة المنتمية لشعب الإنوبياك في ألاسكا، التي كرّست حياتها لإحياء التعليم الثقافي واللغوي بين السكان الأصليين في قرى نائية مثل ويلز ونوم. في مجتمع يعتمد على الطبيعة للبقاء، ترى بوردون أن ربط التعليم بالقيم والمعرفة الأصلية — مثل الصيد المستدام، واحترام الطبيعة، والتعاون — هو أمر مصيري. بعد أن نشأت في بيئة تحترم الأرض والعائلة، عملت بوردون على إدماج هذه القيم في التعليم الرسمي، رغم عقبات مثل نقص المعلمين الأصليين والضغوط الغربية لاتباع مناهج موحدة. وتوضح تجربتها كيف يمكن للتعليم المتجذر في الثقافة المحلية أن يرفع مستوى مشاركة الطلاب، ويعزز هويتهم، ويمنحهم أدوات النجاح داخل مجتمعاتهم وخارجها.

بقلم كريستينا ريزغا

قد تكون الحياة في قرية ويلز، ألاسكا صعبة، إذ تقع على بعد حوالي 55 ميلًا من ساحل سيبيريا. ويعيش هنا ما يقرب من 150 من سكان إنوبياك الأصليين في واحدة من أبرد المناخات على وجه الأرض. يجب أنْ تُنقَل المواد الغذائية جميعها التي تُشتَرَى من المتجر جوًّا أو تُحضَر عن طريق القوارب، ويمكن أنْ يؤديَ الطقس القاسي والرياح إلى إغلاق المدارس أو الاتصالات مع العالم الخارجي عدة أيام. يعتمد معظم السكان الأصليين في ويلز على جمع التوت والخضروات في منطقة التندرا، بالإضافة إلى صيد الحيتان والفقمات وغيرها من الكائنات البحرية من أجل البقاء. وهذا يعني أنَّ الوصول إلى تعليم إنوبياك التقليدي -كيفية قراءة الطقس لتجنب عاصفة ثلجية تهدد الحياة، وكيفية الصيد بطريقة لا تخل بالتوازن الدقيق للطبيعة والمشاركة والتعاون- يمكن أنْ يشكل مسألة حياة أو الموت.

ولكن حتى أوائل التسعينيات، لم تكن معظم المدارس الريفية في ألاسكا تُدرِّس المعرفة واللغات الأصلية. فلم يكن لدى ويلز أي معلمين من السكان الأصليين حتى بدأت جوزفين بوردون عامها الأول في العمل في قرية والدتها الأصلية عام 1988م. في ذلك الوقت، كان طلاب المدرسة جميعهم البالغ عددهم 60 طالبًا من سكان إنوبياك، ولكن لم يُدرَّس أي من الفصول بلغة الإنوبياك، وكما رُفِضَ التدريس حول ثقافة السكان الأصليين من قِبَلِ نظام المدارس الغربية، الذي أسسه المستوطنون الاستعماريون في أواخر القرن التاسع عشر- على الرغم من أنَّ ولاية ألاسكا تشكل موطنًا لأكبر عدد من السكان الأصليين في الولايات المتحدة.

أخذ ذلك كله يتغير عندما بدأ المعلمون من سكان ألاسكا الأصليين، بما في ذلك معلمون مثل بوردون، في تطوير نماذج جديدة ومبتكرة للتعليم من شأنها أنْ تدمج المفاهيم الغربية والأصلية. في أغسطس 2019، قضيتُ أسبوعًا مع بوردون في نوم، ألاسكا، حيث ترعرعت وذهبت إلى المدرسة وعملت بالتدريس مدة 28 عامًا، بعد فترة عملها التي استمرت عامين في ويلز. وتقاعدت عام 2018م. عُدِّلَت هذه المقابلة قليلًا لدواعي الطول والوضوح.

كريستينا ريزغا: لقد رَبَّتْكِ عائلتكِ بطرق سكان إنوبياك التقليدية. كيف كان يبدو ذلك في منزلكِ؟

جوزفين بوردون: ترتبط وحدة عائلة إنوبياك والطريقة التي نعلم بها الأطفال ارتباطًا وثيقًا بالدورات الموسمية والأرض. عاشت عائلتي -الجدة والعمات والأعمام وأبناء العم- جميعًا بالقرب من بعضهم البعض في مدينة نوم، وكنا نقوم بكل شيء معًا. كنا نصطاد الحيوانات، ونذهب لصيد الأسماك، ونجمع التوت والخضروات في سهول التندرا، ونحفظ الطعام، ونضعه جانبًا، ونتناول الطعام معًا.

بمجرد أنْ تمكنت من المشي بمفردي، أخذني عمي لقطف توت العوسج الرشيق في الميناء، وكنا نذهب مدة أسبوعين في الوقت المناسب إذ نحتاج لأخذ قارب مدة نصف يوم للوصول إلى هناك. ويجب عليك إحضار أول دلو من التوت أو صيدك الأول إلى أحد كبار السن؛ إذ تعد المشاركة والتعاون واحترام كبار السن من أهم قيم سكان إنوبياك.

ترتبط الأنشطة الموسمية بالحكايات الأصلية التي تنتقل عبر الأجيال. أتذكر عندما بدأت قطف التوت لأول مرة مع أفراد العائلة جميعهم -أمي، وأجدادي، وأعمامي- كانوا يقولون دائمًا: “لا تضيعوا أي شيء، لا تفرطوا في الحصاد أو تستنزفونه، خذوا فقط ما تحتاجونه أنتم وأصدقاؤكم”. وأتذكر أيضًا قولهم: “لا تسببوا ضررًا أو اضطرابًا لأي كائن حي. الحيوانات ليست هناك للترفيه عنكم”. وحتى يومنا هذا، ترفض والدتي مشاهدة قنوات الصيد الرياضية لهذا السبب، فبالنسبة لها، يعد صيد الأسماك وإطلاقها بمنزلة تعذيب، فإذا كنت تصطاد السمك، قم بذلك من أجل الطعام فقط.

ويتكون ما يقرب من نصف نظامنا الغذائي هنا في مدينة نوم من الأطعمة المحلية. بينما في القرى فالأمر أكثر من ذلك بكثير. تُنقَل الأطعمة المخزنة في مدينة نوم بالطائرة أو تُحضَر بالقوارب، فهي باهظة الثمن، والعديد منها تُعالَج بشكل كبير. إنَّ النظام الغذائي للسكان الأصليين مليء بالعناصر الغذائية، ويُجمَع بطريقة محترمة تلحق أقل قدر من الضرر بالطبيعة.

ريزغا: كيف كان شعور عائلتكِ تجاه التعليم الغربي؟

بوردون: ذهبت والدتي إلى المدرسة حتى الصف الثاني فقط، وأبي حتى الصف الرابع، لكن التعليم كان مهمًّا جدًّا بالنسبة لهما. لقد ركزا حقًّا على التعليم والواجبات المنزلية، وشاركا في أنشطة مدرستنا جميعها. كنت أول فرد في عائلتي يحصل على شهادة جامعية، وكانوا سعداء وفخورين بتحقيقي ذلك.

ريزغا: هل كانت توجد أي فصول في مدرستك عندما كنتِ طالبة -ثم معلمة لاحقًا- إذ كانت لغة الإنوبياك هي اللغة الأساسية؟

بوردون: لا لم يوجد، ولهذا السبب فإن اللغة تتلاشى ببطء. يُتَحدَّث باللغة الإنجليزية إلى حد كبير في عائلات إنوبياك هذه الأيام، ما لم يكن لديهم جد ما يزال يجيد لغة الإنوبياك. عندما كنت طالبة، لم يكن لدينا أي معلمين من السكان الأصليين، وكان معظمهم في الغالب ليسوا من ألاسكا، إذ كان يعمل السكان الأصليون طهاة أو عمال نظافة أو في الصيانة. في مدرستي الثانوية في مدينة نوم، يمكن أنْ تأخذ فصلًا دراسيًّا عن ثقافة الإنوبياك كمقرر اختياري وتتعلم الحرف الأصلية. وبُدِئَ في دمج اللغات الأصلية في المنهج كذلك، إذ يوجد في مدرسة نوم الثانوية حاليًّا فصل دراسي لتعليم لغة إنوبياك. ويعد هذا تغييرًا كبيرًا وإيجابيًّا.

ريزغا: ما هي بعض عواقب فقدان الاتصال بالثقافة الأصلية التي ترينها في مدينة نوم؟

بوردون: الأرض هي حياتنا ومصدر رزقنا، فهي تغذي أجسادنا وعقولنا وأرواحنا. نحن لا شيء دون الأرض والعلاقات العائلية. أعتقد أنَّ النتائج التعليمية والعلل الاجتماعية التي نراها في مجتمعي اليوم، مثل ارتفاع معدلات إدمان الكحول والانتحار، سببها عدم الاتصال بأرضنا وثقافتنا الأصلية.

ريزغا: كيف كان الأمر عندما كنتِ في المدرسة؟

بوردون: ذهبت إلى المدرسة في مدينة نوم، إذ كانت بالقرب من المكان الذي أعيش فيه. تخرجت من المدرسة الثانوية عام 1982م. وعلى الرغم من أنَّ ثقافة إنوبياك لم تكن جزءًا من دراستي، فإنني أحببت المدرسة ومعلميّ. كان لدينا الكثير من النوادي المدرسية، وأتذكر أنني كنت جزءًا من نادي معلمي المستقبل في أمريكا، ونادي مدبرات المنازل المستقبليات في أمريكا، ونادي مزارعي المستقبل في أمريكا. أتذكر انضمامي إلى مجلس الطلاب، وبما أنني كنت أحب الكتابة، فقد أصبحت سكرتيرة للفصل أُدوِّن الملاحظات والمحاضر. لقد أثَّرَت تلك الأنشطة في حياتنا الأكاديمية حقًّا، ولكن مدارسنا لم تعد تتمتع بذلك بعد الآن.

وكان يوجد شيء آخر في المدارس عندما كنت طالبة، وهو البرامج المختلفة التي ساعدت الطلاب الأصليين على التعرف على المهن التي ربما لم يكن أحد في قراهم يعمل فيها. ففي المدرسة الثانوية، كان لدينا برنامج عمل ودراسة، واخترت العمل في دار رعاية مدة أسبوعين. لقد كان من الممتع الذهاب إلى مدينة أنكوريج الكبيرة، إذ كنا نسكن في منازل الناس هناك، وكنت أمشي إلى مركز الرعاية النهارية كل صباح. عندما كنت مشاركة في نادي معلمي المستقبل في أمريكا، كنا نلتقي بمعلمنا في المدرسة الثانوية، ونذهب لمراقبة المدارس الابتدائية. لقد ساعدتني هذه البرامج على تخيل نفسي معلمة، وكانت مصدر إلهام لي، ثم حصلت على شهادتي الجامعية.

ريزغا: خلال 30 عامًا من التدريس في مدينة نوم، هل رأيت عددًا أكبر من المعلمين الأصليين مقارنة بما رأيته عندما كنتِ طالبة؟

بوردون: يوجد عدد أكبر من المعلمين الأصليين اليوم، ولكن ليس كثيرًا. في مدرسة نوم الابتدائية، يشكل السكان الأصليون أربعة إلى خمسة من بين حوالي 22 معلمًا. وفي الوقت نفسه، يشكل حوالي 80 بالمئة من الطلاب السكان الأصليين: المجموعتان الأساسيتان هما إنوبياك وجزيرة سانت لورانس يوبيك.

في العامين الماضيين، بدأت جامعة ألاسكا برنامج التدريس “طور نفسك” (grow your own) الذي يهدف إلى زيادة أعداد سكان ألاسكا الذين يلتحقون بالتدريس بدلًا من الاعتماد على معلمين من ولايات أخرى. إحدى المشكلات هي أنه من الصعب حقًّا العثور على سكن في القرى، فهو باهظ الثمن، وتحاول المدارس تقديم الدعم لتحقيق ذلك. والسبب الآخر المطلوب هو التطوير المهني مدفوع الأجر الذي يختاره المعلمون بأنفسهم، والذي من شأنه أنْ يساعد في الحفاظ على المعلمين وتحفيزهم، كما أنه يساعد الطلاب كثيرًا. وفي معظم الأوقات كنت أبحث عن التطوير المهني الخاص بي وأدفع تكاليفه، إذ شاركت في اتحاد الكتابة في ولاية ألاسكا، ومن خلال ذلك، شاركت أيضًا في مشروع الكتابة الوطني، والذي أدى بالفعل إلى تحسين طريقة تدريسي للكتابة. 

ريزغا: ما هي الأساليب التي كانت فعالة لتنمية مشاركة طلابك الأصليين في العمل الأكاديمي في بيئة الفصول الدراسية الغربية؟

بوردون: شيء واحد سأقوله عن سكان ألاسكا الأصليين، وهو أننا نميل إلى أنْ نكون خجولين للغاية وهادئين. ولسنا من نرفع أيدينا بقوة لنعترض الإجابة التي يريدها المعلم. يأتي بعض هذا الخجل من حقيقة أنه في ثقافتنا، عليك أنْ تدع الكبار يتحدثون أولًا قبل أنْ تأخذ دورك في التحدث. واعتدنا أيضًا أنْ نسمح للآخرين أولًا بالتحدث والتفكير في كلماتهم، ثم أنْ نقول إجابتنا الخاصة. أصبحت الكتابة أداة مهمة حقًّا لتعزيز أصوات طلابي وتنمية ثقتهم بأنفسهم، لأن الكثير من خيالهم وإبداعهم يمكن أنْ يخرج بهذه الطريقة، دون خوف من التحدث أمام الآخرين.

لاحظت أيضًا أنه في الصفين الثالث والرابع، كانت المسرحيات مهمة جدًّا لتعلم كيفية إبراز الصوت والتحدث. كنا نستعد لأسابيع، وكان الآباء يخرجون ويشاهدون العروض، وكانت الدراما حافزًا كبيرًا لطلابي لتحسين مهارات القراءة، والكتابة، والتحدث أمام الجمهور.

ويوجد برنامج آخر حظي بشعبية كبيرة بين الطلاب والمقيمين في مدينة نوم، وهو برنامج أصدقاء المراسلة في مجتمعي. فبدلًا من الكتابة إلى والديهم أو أفراد أسرهم، كان الطلاب يكتبون إلى أحد المتخصصين الذين يثيرون فضولهم. كتبت سوزي إلى ممرضة، وكتب جون إلى عالمِ الأحياء السمكية، وكتبت جيني إلى مدير مكتب البريد، وتوم إلى مدير قسم الرياضة في المدرسة الثانوية. وكنت أُسَلِّمُ هذه الرسائل يدويًّا، وبعد ذلك يشربون الشاي مع صديق المراسلة، حتى يتمكنوا من مقابلة شريكهم في الكتابة.

لكن أبرز ما في مسيرتي المهنية كان عندما عملت أنا واثنان من معلمي الصف الرابع معًا مدة ثلاث سنوات في عطلات نهاية الأسبوع لإنشاء منهج دراسي على مستوى المدرسة يعتمد على العلوم، والجغرافيا، والثقافة المحلية. كانت لدينا القراءة، والكتابة، وفنون اللغة، والرياضيات، والتاريخ، والتكنولوجيا، وكلها تتمحور حول الموضوعات العلمية، مثل الأسماك، والطيور، والثدييات، والمياه- كلها أمور يمكنك العثور عليها في مدينة نوم. وفي نهاية كل موضوع، كان لدينا نشاط ختامي يشارك فيه الآباء وأفراد المجتمع. كانت وحدتي المفضلة هي الحشرات، أما الأطفال في الصفين الثالث والرابع، فكانوا يحبون اليعسوب والخنافس، وكنا نتعلم عن دورة حياة هذه الحيوانات، وكيف تؤثر على الحيوانات والأسماك الأخرى. وشَكَّلَ النشاط الختامي مشروعًا كان على الطلاب فيه عمل حشراتهم الخاصة؛ بناؤها باستخدام المواد جميعها القابلة لإعادة التدوير، وتسميتها، وإنشاء عرض تقديمي حول دورة حياتها. ثم كان عليهم تقديمه إلى المجتمع، وكان هذا ممتعًا أكثر بكثير من مجرد القول: “افتح الفصل 16، سوف نتعلم عن الحشرات. ثم اكتب الإجابات في ورقة عمل”.

ريزغا: كيف فكرت في التدريس الفعال عندما بدأت لأول مرة، وكيف تغير ذلك بعد 10 أو 20 عامًا في الفصل الدراسي؟

بوردون: عندما بدأت مسيرتي المهنية، أردت حقًّا أنْ يتعلم طلابي كيفية القراءة، والكتابة، والحساب، وحل المشكلات، وأردت أنْ يلتحقوا بالجامعة. مع تقدمي في السن، بدأت أفكر في مقدار التركيز الذي نوليه لتلك المهارات. يمكنك أنْ تكون ناجحًا ثقافيًّا أيضًا، ويمكنك الجمع بين كليهما. إذا لم يذهب شخص ما إلى الجامعة -ولكن يمكنه القراءة، والحساب، وكذلك الصيد، وصيد الأسماك، وصنع المكلوك [الأحذية التقليدية]، وإعالة أسرته- فهو ناجح أيضًا. إنَّ التعلم حول الثقافة الغربية مهم، ولكن المكان الذي نعيش فيه، والمعرفة، واللغة، والثقافة الأصلية، ليست أقل أهمية. إذا كنت تستطيع قراءة تشكيلات السحب والرياح، وتعلم عدم الخروج عندما توجد عاصفة ثلجية شديدة بعد ساعتين، فيمكنك إنقاذ حياتك. وكلما أصبحتُ أكثر خبرة، جلبت المزيد من ثقافة الإنوبياك.

ريزغا: لقد انتقلتِ في النهاية من تدريس الفصول الدراسية للتعليم العام إلى تدريس فصول الدراسات الثقافية. ما الذي أدى إلى هذا التغيير؟

بوردون: زاد معدل دوران المسؤولين في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي هذه الأيام، يرغب المسؤول الجديد دائمًا في جلب شيء خاص به. وكانت المشكلة الأخيرة عندما أراد أحد المسؤولين أنْ نتبنى منهجًا دراسيًّا من منطقة إنوبياك الأخرى. لقد كانت في منطقة جغرافية وثقافية مختلفة تمامًا، ولم يوجد وقت لإنشاء أي شيء؛ فقط خذ هذا الكتاب وانسخه من مكان آخر. ولم تكن تحصل تلك المدرسة على درجات اختبار أفضل. كان المسؤول -الذي لم يكن مواطنًا أصليًّا أو حتى من ألاسكا- يعتقد أنَّ الأمر سيكون أفضل.

في نهاية مسيرتي المهنية، انتقلت من فصل دراسي عادي إلى فصل دراسي للدراسات الثقافية، فلقد أُرغمت على التغيير لأنهم كانوا يعدون الاختبارات القياسية الهدف النهائي للتعلم. كثرت ملاحظات المسؤولين ومطالبهم: “كيف ستغطين هذا؟”، و”أريد أنْ أرى معايير القياس مكتوبة عندما أدخل هنا”. كان الأمر كله يتعلق بالاختبارات. أين الجانب الإبداعي والثقافي للتدريس؟ أريد أنْ يكون لدي فصل دراسي نشط، إذ يتعلم الطلاب ويتفاعلون. نعم، يوجد وقت للكتاب، لكنني لا أريدهم أنْ يفتحوا الكتب ويجيبوا عن الأسئلة في أوراق العمل من الصباح إلى المساء.

ريزغا: ما هو أكثر ما تفتقدينه بشأن عدم تواجدك في الفصول الدراسية؟

بوردون: أفتقد الطلاب. تكون كل سنة مختلفة، لأن الأطفال يختلفون كل مرة. ما يجلبونه كله إلى الفصل الدراسي مختلف ومثير للاهتمام. أفتقد المسرحيات. أفتقد القيام بمسابقة تهجئة إنوبياك التي قمت بها لأول مرة، إذ كان يسعدني أنْ أرى الشخص الخجول، والهادئ، والمواطن الأصلي، واقفًا أمام الجمهور يؤدي بكل أريحية أمام الناس.

كان لدي الكثير من طلاب ألاسكا الأصليين الذين اعتادوا أنْ يكونوا خجولين للغاية، والآن أصبحوا يقومون بأشياء أمام الجمهور. أحد طلابي يغني في الأوبرا، وآخر موسيقي ويدرس في إحدى جامعات ولاية ويسكونسن. وقد تواصلت مؤخرًا مع إحدى الطالبات إذ كان عليها أنْ تلقيَ خطابًا رئيسيًّا في مؤتمر اتحاد ألاسكا للسكان الأصليين، وشكرتني على مهارات الكتابة، وعلى إعدادها للتحدث أمام حشد كبير من قبائل ألاسكا الأصلية. تكشف لي أمثلة كهذه أنَّ ما علمته ساعد طلابي، حتى لو لم يُقَاس باختبار.

المصدر

 

مقالات ذات صلة