القائمة الرئيسية

على الحَمل ألاّ يتم بهذه الطريقة!

على الحَمل ألاّ يتم بهذه الطريقة!
ملخص المقال

يستعرض المقال ظاهرة نادرة تُعرف بالكمون الجنيني، حيث تستطيع بعض الثدييات، مثل كناغر ""ولب تمار"" واليَحمُور والدببة، تعليق نمو أجنتها لفترات طويلة تصل إلى شهور أو حتى سنوات، بما يتيح لها توقيت الولادة حسب الظروف البيئية المثلى. يشرح المقال كيف أن هذا التأجيل الطبيعي يمنح الأم القدرة على التكيّف مع توفر الغذاء أو الطقس، ويبرز الغموض العلمي حول آلية حدوث هذا التعليق، الذي لا يزال غير مفهوم بالكامل. كما يستعرض المقال الآفاق المستقبلية لتطبيق هذه الظاهرة في مجالات متعددة، منها حفظ الأنواع المهددة، تحسين وسائل الإنجاب البشرية، وحتى مكافحة السرطان من خلال فهم كيف تدخل بعض الخلايا في حالة سكون مشابهة لتفادي العلاج.

بقلم: كاثرين ج. وو.

نادرًا ما تكون أنثى الكنغر الصغير من نوع (ولب تمار) بمفردها؛ حيث تستمر فترة حَملِها لمدة 12 شهرًا تقريبًا، وفي غضون ساعات من الولادة، تجدها تتزاوج مرة أخرى، وتَحمل جنينًا آخر إلى العام الآتي، فهي تَحمل جنينًا كل يوم في السنة -باستثناء اليوم الذي تَلِد فيه- قبل أن تتزاوج مرة أخرى.

من الغريب أنّ الجنين يقضي فترة طويلة في الرَّحِم دون عمل أيّ شيء على الإطلاق، فبمجرد أن يَصل الجنين إلى مقدار 80 خلية، وهو العرض التقريبي لخصلتين من الشَّعر، يتوقف نموّه، ولمدة 11 شهرًا، “يعوم فقط” في رَحم أمّه، كما تقول “جين فينيلون” عالِمة أحياء مُختصّة في التناسل في جامعة ملبورن، فيكون طفلًا في مرحلة سكون النموّ، حيث علّقت الأم الحَمل مؤقتًا. 

بالنسبة لمعظم الثدييات -ومن بينها البشر-، يبدأ الإخصاب عملية العَد التنازلي المنظّم نحو الولادة، لكن، وُجدت ما لا يقل عن 130 نوعًا من الثدييات طرائق لتجميد الحَمل مُؤقّتًا وتأخير الأجزاء الأكثر قسوة من الحَمل والولادة والرضاعة حتى “الوقت الأمثل”، كما يقول “نوشارين سونجساسين” عالِم الأحياء المُختص في التناسل في معهد سميثسونيان للحفاظ على التنوع البيولوجي: يُمكن لهذه الحيوانات مُزامنة وصول نَسلها مع الفصول التي ستُوفّر لها أكبر قدر من الطعام؛ إذ يُمكنهم الحفاظ على طاقتهم الخاصة، وتجنُّب الإفراط في الإنفاق على الولادات التي قد تحدث في وقت غير مناسب، يُمكنهم أيضًا الاحتفاظ بالجنين “احتياطًا” في حالة وفاة أحد الأطفال، ممّا يُؤدّي إلى تسريع الحَمل الجديد دون الحاجة إلى التزاوج مرة أخرى. تعمل أجسام هؤلاء الأمهات على تشغيل وإيقاف الحَمل بشكلٍ فعال، بطريقة ما، ممّا لا يمنحهم القدرة على السيطرة على عدد الأطفال فحسب، بل على الوقت الذي يأتون فيه كذلك. 

ما زالت طبيعة هذه الظاهرة، والتي تُسمَّى بـ “الكمون الجنيني” (Embryonic diapause)، مجهولة بالنسبة للعلماء، وما زالوا يجهلون مدى شيوعها، أو متى نشأت، وعدد المرات التي تطوّرت فيها، وذلك كلّه قيد البحث، إنّ تجميع هذه الأمور معًا لا يعني فقط حلّ أحد أكبر الألغاز في مجال التكاثر، بل يُمكن أيضًا أن يُغيّر الطريقة التي يتعامل بها الباحثون مع الحفاظ على التنوع البيولوجي، وأن يُساعد في تطوير أساليب جديدة للمساعدة على الإنجاب بالنسبة للبشر، وقد يُحدث يومًا ما ثورة في علاج السرطان؛ وهو مرض يمكن أن يُبطل مفعول علاجات قوية عن طريق إدخال الجسم في حالة ركود وكُمُون.

إنّ التوجيه الأساسي لأيّ جنين من الثدييات هو النموّ ببساطة، وفي غضون أيام أو أسابيع أو أشهر فقط، تتحول الخلية الواحدة إلى المليارات أو التريليونات من الخلايا، وهو سباق تطوري جنوني يُمثّل “قوة من قوى الطبيعة”، كما تقول “هانيل روهولا بيكر” عالِمة الكيمياء الحيوية في جامعة واشنطن: “إنّه أمر يتم التحكُّم فيه داخليًا؛ حيث يتطور الجنين ويستمر في ذلك دون توقف”. 

هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور عادة. في منتصف القرن التاسع عشر، اكتشف الصيادون في أوروبا ّأن أنثى اليحمور التي تم رصدها أثناء التزاوج في الصيف لم تُكوّن أجنة مرئية في بطونها حتى ديسمبر، وهو تأخير محيّر، وقد أرجع أحد الباحثين الأمر إلى توقُّف النمو، ورأى آخر أنّ لقاءات الغزلان الصيفية كانت نوعًا من الخدعة الإنجابية، وأنّ التزاوج الحقيقي كان يحدث سِرًّا في الخريف.

كلا المفهومين كانا خَاطئيْن، وأكّد المجتمع العلمي في النهاية أنّ اليَحمُور تَحمل في الصيف، لكن، بعد يومين فقط من الإخصاب، تُبطئ أجنّتها نموها لمدة أربعة أو خمسة أشهر، ممّا يُؤجّل الولادة إلى الربيع الآتي. من الناحية التطورية؛ كان التأخير منطقيًا بالنسبة للأطراف المعنيَّة جميعها؛ يمكن أن تتزاوج هذه الأنواع وقت الالتقاء، لكن لن تستطيع العثور على السعرات الحرارية اللازمة للإرضاع حتى يُصبح الطعام وفيرًا مرة أخرى، وفي الوقت نفسه، يمكن للنّسل الموجود في البطن الانتظار حتى يتوفر ما يحتاجه.

لقد صَدم هذا الاكتشاف العلماء، وتبين أنّه ليس فريدًا على الإطلاق. وفي العقود التي تَلت ذلك، وُجد أنّ مجموعة كاملة من الثدييات -من بينها الغرير، ثعلب الماء، المدرَع، الخفاش، الفقمة- تتكاثر بتأخيرات مماثلة. تقول “جيون تشا” عالِمة الأحياء المختصة بالتناسل في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت: إنّ أطوال وإشارات وحتى تكرار فترات التعليق تختلف كثيرًا بين الأنواع، ومن المُحتمل أنّ هذه السِّمة تطوّرت بشكلٍ مستقل أكثر من مرة. تستمر بعض فترات الكمون الجنيني مثل تلك الخاصة بالفئران مجرد أيام، ولا يتم تحفيزها إلّا إذا كانت الأم تُرضع مولودها الذي وُلد سابقًا، بينما تمتد فترات البعض الآخر، مثل المِنك الأمريكي لأسابيع، وتتأثر بالمد والجزر الموسميّ وتدفُّق ضوء النهار. تستخدم إناث الدببة السوداء التي تقوم بالتبويض بشكلٍ متكرر خلال موسم التكاثر، فترة الكمون للتزاوج مع العديد من الذكور، ثم تَلِد أشبالًا تشترك في تاريخ الميلاد دون الأب، وتستخدم كناغر ولب تمار كلًّا من: الرضاعة وضوء الشمس لضبط مؤشرات الحَمل الخاصة بها، وتنسيق جداولها؛ بحيث تُتمّ الولادات جميعها تقريبًا في أواخر شهر يناير، النقطة المهمة هي أن تبقى صغار الجرابيات في الجراب لمدة ثمانية أو تسعة أشهر قادمة، حتى ربيع نصف الأرض الجنوبي، كما تقول “مارلين رينفري” عالِمة الأحياء المختصة بالتناسل في جامعة ملبورن: عندما نقلَ الباحثون الجرابيات عبر خط الاستواء، تغيّرتْ جداول الولادة.

حتى بعد قرن من الزمان، يبدو الكُمون الجنيني في الثدييات “مخالفًا للحدس”، فيما يتعلّق بالطّرائق التي يتصور بها العلماء النمو الخلوي، كما “يقول هاو تشو” عالِم الأحياء المختص بالسرطان في المركز الطبي الجنوبي الغربي لجامعة تكساس: لا ينبغي أن تكون الخلايا قادرة على تعليق العمليات الأيضية والنموّ أكثر ممّا يستطيع الإنسان أن يتوقف عن التنفس أو الهضم ويتوقع البقاء على قيد الحياة. ليس لدى الباحثين أدنى فكرة عن كيفية تحمُّل الأجِنَّة لهذه المحنة لفترة طويلة. قال لي فينيلون: “في العادة، ستموت الخلايا إذا أوقفت نموها”. في الوقت الحالي، يبدو كما لو أن الأجِنَّة المعلقة مؤقتًا قادرة على التحليق على حافة الحياة، حيث تُركِّبُ عددًا صغيرًا فقط من البروتينات، وتُشغّل محركاتها الأيضية بشكلٍ منخفض؛ إذ تخفف الأجِنَّة استخدامها للأكسجين، وتنتقل من هضم السكريات إلى تحليل مخازن الدهون الداخلية. يقول “أيدان بولوت كارسليوغلو” عالِم الأحياء في معهد ماكس بلانك لعلم الوراثة الجزيئية: “يُشبه ما تفعله بالصيام”.

يُمكن لبعض الأجِنَّة الحفاظ على سكونها لفترة طويلة بشكل محيّر، فمنذ عقود مضت، تمكّنتْ مجموعة من الباحثين من حثِّ أنثى الولبي الحامل على البقاء في حالة كُمون جنيني لأكثر من عامين، وعندما رفعوا هذا الوضع، كان جنينها ما يزال قادرًا على الاستيقاظ والوصول إلى حالة نمو كاملة. ومع ذلك، أخبرني بولوت-كارسليوغلو أنّه لا بُدّ من وجود حد نظري لكل نوع، واكتشف العلماء أنّ الأجِنَّة ستبدأ في أكل أحشائها، وقد يبدأ الغذاء في النفاد في النهاية، وأخبرني أنّه كلما طالت فترة الكمون الجنيني، استغرقتِ الخلايا وقتًا أطول للاستيقاظ.

يقترب الباحثون من التمكُّن من إعادة خلق فترة الكمون مع الأجنة في المختبر، لكن، على الرغم من أنّ بعض العلماء -بما في ذلك بولوت كارسليوغلو- قد اقتربوا من المحاكاة المثالية (باستخدام أجنة الفئران)، فإنّه قال لي: “ربما نسينا شيئًا ما”. لن يكون اكتشاف العنصر الغامض سهلًا، إذ لسنوات عديدة، كان الباحثون يأملون في العثور على مفتاح كيميائي أو وراثي رئيس يُؤدّي إلى “تعليق الجنين”، كما أخبرني فينيلون: “لا يبدو أنّ هذا هو الحال” بل يبدو أنّ الكمون الجنيني يتضمن حوارًا متقطعًا؛ حيث يرفض الرحم محاولات زرع الجنين حتى يحين الوقت المناسب، يبدو النظام قويًّا بما يكفي لتجاوز الحواجز التطورية على الرغم من مراوغاتها كلّها؛ فعندما يزرع الباحثون أجِنَّة الأغنام (التي لديها حالات حمل عادية وغير قابلة للتعليق) في أرحام الفئران، تدخل أجِنَّة الأغنام في حالة ركود، ثمّ تستأنف نموها بأمانٍ عند العودة إلى الرحم المناسب.

ما يزال العلماء غير مُتأكّدين من الإشارات التي تدفع أنواعًا معينة إلى الدخول في أو الخروج من فترة الكُمون، وتقول “هيلين بيتمان جاكسون” عالِمة الأحياء البرية في حديقة الحيوان في تورونتو: إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا مع استمرار تغيُّر المناخ في تشويه الفصول. على سبيل المثال، يتعيّن على فقمة ويديل أن تتزاوج أو تلد في فترات زمنية ضيقة جدًّا؛ حتى يتمكّن صغارها من البقاء على قيد الحياة، وهو جدول زمني تُديره من خلال فترة تعليق قصيرة للحمل، كما أخبرتني “ميشيل شيرو” عالِمة الأحياء المختصة بالتناسل في معهد وودز هول لعلوم المحيطات: إذا أدّى ارتفاع درجات الحرارة أو ذوبان الجليد إلى تعطيل الإشارات التي تتحكم في التوقُّف، فقد يكون نسلهم أكثر عُرضة للموت.

إذا تمكّن البشر من إعادة خلق الكمون الجنيني في المختبرات، فيُمكن للعلماء مساعدة حيوانات حديقة الحيوان المُهدَّدة بالانقراض على التكاثر، ويُمكن للبشر أن يلجؤوا إلى الكُمون الجنيني كونه بديلًا لتجميد الأجنة. يومًا ما، قد يتمكّن الأطباء من مساعدة مرضاهم على تحسين توقيت الولادة حسب أحداث معينة في الحياة، أو تلبية الاحتياجات الطبية لأحد الوالدين أو الجنين، أو ربما تُؤدّي التقنيات المستوحاة من فترة الكمون إلى تطوُّر في تحديد النسل، كما أخبرتني رينفري، ممّا يسمح للناس بإيقاف الدورة الإنجابية بشكل فعال دون أيّ تكلفة. “أفضل وسيلة منع الحمل يمكنك تخيلها”.

يُمكِن أن يُؤدّيَ منع الكمون أيضًا إلى قتل الخلايا التي تُسبّب الضرر، يجد بعض مرضى السرطان أنّ مرضهم يعود بشكلٍ متكرر، رغم جلسات العلاج القاسية مثل العلاج الكيميائي، اعتاد الباحثون على الاعتقاد بأنّ مجموعة متميزة وراثيًا من الخلايا السرطانية تمكّنتْ بطريقة أو بأخرى من النجاة، وهي مشكلة يُمكن حلّها باللجوء لنوع آخر من الدواء. لكن في السنوات الأخيرة، أدركوا أنّ الخلايا السرطانية قد تفلت من الهجوم الخاطف عن طريق إيقاف نموها مؤقتًا، وهو ما يُمثّل تشابُهًا غريبًا مع الأجِنَّة المُعلَّقة التي تدخل مرحلة الكمون عندما يتعرض جسم الأم لضغوط خارجية. وذكرت “كاثرين أوبراين” عالمة الأحياء المُختصَّة بالسرطان في جامعة تورنتو، أنّ هذا قد يكون ممكنًا؛ لأنّ “العلاج الكيميائي يستهدف الخلايا المنقسمة”، فإذا تمكّنتِ الخلايا السرطانية من إيقاف هذه العملية مؤقتًا، فقد تنجح في الإفلات.

أخبرني “جينسونغ ليو”، عالِم الأحياء المختص بالسرطان في مركز إم دي أندرسون للسرطان، الذي كان يدرس العلاقة بين الكُمون الجنيني والكمون السرطاني لسنوات، أنّ هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الأجِنَّة والأورام، فكلاهما يرغبانِ بشدة في النمو، لكنّ أوجه التشابه هذه تعني أيضًا أنّه من الممكن أن تكون هناك طريقة لإحباط الخلايا السرطانية؛ فيُمكن للباحثين تصميم أدوية لمنع الخلايا من الدخول في حالة ركود، أو ابتكار علاجات جديدة تستهدف الخلايا -على وجه التحديد- في حالتها المُعلَّقة مؤقتًا. 

وما تزال هناك علاجات أخرى قد تُعيد إحياء الخلايا التي تدخل حالة سكون؛ حيث يتم إعادة تنشيطها بِوصفها خلايا حميدة، بدلًا من نموها بِوصفها ورمًا جاهزًا للغزو مرة أخرى، ويُمكن أن تكون بعض هذه العلاجات مُتاحة في السوق في غضون سنوات قليلة فقط، على الرغم من أنّ الفهم الواضح لكيفية عمل الكُمون في كلٍّ من: الجوانب الإنجابية والسرطانية سيكون أمرًا أساسيًا في تحديد العلاجات بشكل صحيح، قد يُؤدّي الكُمون في بعض الأحيان إلى تأخير نشأة الحياة، لكنْ، إذا تمّ استغلال هذا الأمر بعناية؛ فقد يُساعد ذات يوم في تأجيل السير نحو الموت المُبكر.

المصدر

 

مقالات ذات صلة