القائمة الرئيسية

ألطف انفجار نووي حراري في الكون

ألطف انفجار نووي حراري في الكون
ملخص المقال

يستعرض المقال اكتشاف نوع جديد من الانفجارات النجمية أطلق عليه اسم ""ميكرونوفا""، وهو انفجار نووي حراري صغير وقصير العمر يحدث على سطح الأقزام البيضاء، وهي نجوم كثيفة ميتة بحجم الأرض تقريبًا، وقد رُصدت هذه الظاهرة على ثلاثة نجوم تبعد آلاف السنين الضوئية عن الأرض. رغم أن هذه الانفجارات أضعف بكثير من المستعرات العظمى، فإنها تنتج طاقة هائلة وتقدم رؤية جديدة لفهم ديناميكيات النجوم. يشير المقال إلى أن هذه الظاهرة قد تكون شائعة لكنها نادرة الرصد بسبب قصر مدتها، كما يستعرض طرافة تسميات علماء الفلك للأحداث الجديدة، ويختتم بالتأكيد على أن الكون لا يزال مليئًا بالمفاجآت والظواهر الغريبة التي تفوق خيالنا.

بقلم مارينا كورين

قام علماء الفلك الصينيون في القرن الثاني بأول رصد معروف لنجم منفجر؛ إذ ظهر جسم مشع مفعم بالألوان فجأة في سماء الليل وتوهج لمدة ثمانية أشهر تقريبًا قبل أن يتلاشى، وفي القرن الحادي عشر، بقي وهج نجم منفجر لمدة عامين كاملين، وبدا أكثر سطوعًا من القمر في البداية، وقد مرت بضعة قرون منذ أن أضاء أحد النجوم عتمة السماء، ولكن علماء الفلك اليوم، بتلسكوباتهم الحديثة، يمكنهم البحث عن الانفجارات النجمية في أعماق الكون بعيدًا عن سماء الأرض.

قد لا يكون غير علماء الفلك بيننا على دراية بالمصطلحات العلمية التي تصف النجوم الضخمة التي تستنفد الهيدروجين، وتنهار، وتنفجر منتجة ضوءًا ساطعًا، لكننا على دراية بالكلمة التي تصف ذلك، وهي المستعر الأعظم (supernova)، يبدو الاسم غامضًا ومتألقًا، وعادةً ما تكون صور هذه الظاهرة جميلة وملونة.

والآن، أقدم لكم مصطلحًا جديدًا، وهو ميكرونوفا (micronova).

اكتشف علماء الفلك نوعًا جديدًا من الانفجارات النجمية التي تحدث على سطح النجوم الصغيرة الكثيفة المعروفة باسم الأقزام البيضاء، وحتى الآن، رصد الباحثون هذه الانفجارات على ثلاثة أقزام بيضاء، يبعد كلٌّ منها أكثر من ألف سنة ضوئية عن الأرض. إن الميكرونوفا، كما يوحي اسمها، أقل قوة بكثير من المستعرات الأعاظم، لكنها لا تزال تنتج كميات هائلة من الطاقة.

أول رد فعل لي على هذا الخبر، بما أنني صحفي علمي جاد، كان: ما ألطف هذه الظاهرة! يمكنني أن آخذ المستعر الأعظم على محمل الجد، لكن “الميكرونوفا”؟ مع اسم كهذا، فلا أريد سوى أن أقدر لطافته، ومع ذلك، فإن الخلاصة التي قد يستنتجها الشخص العادي هي: “لا يزال الكون مليئًا بالمفاجآت”، كما قالت ناتالي ديجينار، عالمة الفلك بجامعة أمستردام وعضو الفريق الذي توصل إلى هذا الاكتشاف: يشكل الكون موطنًا لمجموعة متنوعة من النجوم، والعديد منها لا يشبه نجمنا تمامًا، إذ يعيش كل نجم حياةً مختلفة، ولا يزال بإمكان الأجرام السماوية أن تبتكر حيلًا جديدة لعلماء الفلك الذين يحاولون فهمها بشكل أفضل.

ظهرت الأدلة على وجود الميكرونوفا في بيانات من التلسكوب الفضائي الذي تستخدمه ديجينار وزملاؤها لدراسة الأقزام البيضاء، وعلى وجه التحديد، الطريقة التي تتفاعل بها النجوم مع المواد الكونية في محيطها، وفي أثناء تحليل الملاحظات، لاحظ العلماء ومضات غامضة من الضوء، واستمرت الانفجارات الساطعة وغير المتوقعة لعدة ساعات، وقالت ديجينار، بعد ملاحظات متابعة أكثر، أدرك الفريق أن “ما كنا نراه يمكن أن يكون في الواقع انفجارات نووية حرارية”. ويعرف علماء الفلك مسبقًا أن الانفجارات يمكن أن تحدث في الأنظمة ذات النجمين عندما يسحب قزم أبيض بعض الهيدروجين من نجمه المرافق ويلف تلك الجزيئات حول نفسه؛ إذ تشتعل وتحترق طبقة الهيدروجين الجديدة، التي يجري تسخينها بواسطة سطح القزم الأبيض؛ مما يُنتج انفجارًا يضيء سطح النجم بالكامل لمدة أسابيع، وهي انفجارات يشير إليها علماء الفلك بـ “المستعرات”. ولكن، لم يسبق لهم رؤية ضوء قصير العمر مثل هذا على قزم أبيض، يظهر في مناطق صغيرة.

تخيُّل فنان لقزم أبيض يسحب الهيدروجين من النجم المرافق له، وهي عملية يمكن أن تنتج ميكرونوفا (المرصد الأوروبي الجنوبي، مارتن كورنميسر، لويس كالكادا)

أعطوا هذا الضوء قصير العمر اسمًا لطيفًا ليتباهى به، وهذه هي طبيعة علم الفلك – فعندما تكتشف شيئًا مفاجئًا، يمكنك اختيار الاسم الذي تريده، قالت رافاييلا مارغوتي، عالمة الفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، والتي تدرس الانفجارات النجمية: “يقوم علماء الفلك بتسمية الأشياء طوال الوقت، بعض الأسماء لا تحظى بأي اهتمام في المجتمع ولا تنتشر خارج بعض الأوراق البحثية لبعض المؤلفين، وبعضها الآخر تصبح محبوبة في المجتمع”. منذ حوالي عقد من الزمان، عندما اكتشف علماء الفلك نوعًا جديدًا من الانفجارات النجمية الناتجة عن اصطدام جسمين سماويين كثيفين، اقترح أحد علماء الفلك تسميته “ماكرونوفا”، بينما اقترح آخر “كيلونوفا”. قالت مارغوتي إن الاسم الأخير هو الذي أصبح أكثر شيوعاً.

أما بالنسبة إلى الاكتشاف الأخير، “لا يوجد سجل لمصطلح ميكرونوفا الذي اسُخدم سابقًا في الفيزياء الفلكية”، كما ذكر جريج ويد، عالم الفلك في الكلية العسكرية الملكية في كندا والذي يدرس النجوم وخصائصها، والذي أضاف: “إن الظاهرة التي يصفونها تبدو معقولة من الناحية المادية، ويبدو أن الميكرونوفا اسم مناسب لها”.

قد تكون الميكرونوفا شائعة في الكون، ولكن نظرًا لقصر عمرها، فحتى أدوات علماء الفلك المتطورة يمكن أن تفوتها، وقد أصبح علماء الفلك الآن يفهمون الأقزام البيضاء بشكل أفضل، وهو ما تتحول إليه نجوم مثل شمسنا عندما تستنفد طاقتها (غالباً ما توصف النجوم البيضاء بأنها “زومبي” بسبب حياتها السابقة المفعمة بالحيوية كنجومٍ تشبه الشمس، لكنني أحب أن أشبه هذه النجوم بنا نحن البشر، لأنها تحترق كحال البشر المُرهقين المُحترقين وظيفيًا).

هناك الكثير من النجوم التي لا تشبه الشمس، ويتوق علماء الفلك إلى فهم ما يميزها، على سبيل المثال، الأقزام الحمراء أكثر برودة وأكثر قتامة مقارنةً بالنجوم الشبيهة بالشمس، وإذا كنت تعيش على كوكب يدور حول أحدها، فإن السماء هناك ستشبه سماء الغروب بشكل دائم. إن النجوم النيوترونية، التي تُترك عندما يتحول نجم ضخم إلى مستعر أعظم، تكون كثيفة جدًّا لدرجة أن ملعقة صغيرة من المادة الموجودة بداخلها لها نفس كتلة جبل صغير على الأرض، أما النجوم النابضة فهي غريبة تمامًا إذ تدور بسرعة وتنبعث منها أشعة كهرومغناطيسية مضيئة مثل المنارات، وفي عام 2017م، اكتشف علماء الفلك نجمًا غير عاديّ تحول إلى مستعر أعظم، ونجا بطريقة ما، ثم انفجر مرةً أخرى. وقد يكتشف علماء الفلك أن الانفجارات النجمية تحدث بأحجام أكبر، هل سنطلق عليها اسم “نانونوفا”؟ (سيكون ذلك لطيفًا)، تلك النجوم، التي اعتدنا على رؤيتها في سماء الليل، وغيرها الكثير خارج نطاق رؤيتنا، أكثر غرابة بكثير مما قد يتخيله أي شخص.

المصدر

مقالات ذات صلة