يرتفع سوء التغذية الحديث في اليابان رغم توافر الغذاء، ويُعزى ذلك إلى الاعتماد الكبير على وجبات المتاجر الصغيرة والوجبات الجاهزة خارج المنزل.
أصبحت أماكن العمل تلعب دورًا رئيسيًا في تحسين تغذية الموظفين، من خلال مبادرات مثل ""أوكي-شاشوكو"" (خدمات الطعام الصحي في المكاتب).
تعمل الحكومة والجهات المحلية على تعزيز الجهود التي تركز على التغذية، من خلال تشجيع الشركات على تقديم خيارات غذائية أفضل.
تلعب الوجبات اليومية دورًا محوريًا في تشكيل الصحة الجسدية والعافية النفسية، مما يؤثر في جودة حياتنا بشكل عام.
في أعقاب نقص الغذاء الحاد خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، شهدت اليابان نموًا اقتصاديًا سريعًا أدى إلى تحسن كبير في توافر الغذاء.
اليوم، نادرًا ما يوجد نقص في الغذاء في البلاد. ومع ذلك، وعلى الرغم من كفاية السعرات الحرارية المُستهلكة، هناك قلق متزايد بشأن صعود ""سوء التغذية الحديث""، والذي يتمثل بنقص المغذيات الأساسية.
تُفضل الأطعمة الجاهزة في المطاعم والمتاجر المفتوحة على مدار الساعة بشكل متزايد على الوجبات المنزلية. وكشف استطلاع حديث أن ما يقرب من نصف المشاركين يشترون وجبات من المتاجر الصغيرة كل يومين، بينما يقوم 17.7٪ من الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم بذلك يوميًا.
وتبرز نتائج ""المسح الوطني للصحة والتغذية"" أن أكثر من 20٪ من الرجال والنساء في الفئات العمرية من 20 إلى 50 عامًا يستهلكون أطعمة جاهزة على الأقل مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، بما في ذلك ما يُعرف بـ""ناكاشوكو"" (الطعام الجاهز للأخذ).
الاعتماد على الطعام الجاهز شائع أيضًا، خاصة بين الرجال في العشرينات حتى الأربعينات من العمر. وهذا يشير إلى تزايد الاعتماد على الوجبات الجاهزة وتناول الطعام خارج المنزل، وخصوصًا بين الفئات العاملة.
الأنظمة الغذائية غير المتوازنة
بينما يعتبر شراء وجبة كاملة أمرًا مريحًا، تتزايد المخاوف بشأن جودتها الغذائية. أظهرت دراسة على 70 وجبة تم شراؤها من متاجر صغيرة أن هناك اتجاهًا نحو احتواء هذه الوجبات على كميات مفرطة من الملح.
حتى مع إضافة طبق جانبي يحتوي على الخضروات إلى الوجبة الرئيسية، قد لا يحصل المستهلكون على كفايتهم من الخضروات والعناصر الغذائية الأساسية. وتُبرز الأبحاث أيضًا وجود ارتباط مقلق بين الاعتماد المتكرر على الوجبات الجاهزة وتراجع ملحوظ في استهلاك الخضروات.
النظام الغذائي غير المتوازن لا يساهم فقط في الأمراض المرتبطة بنمط الحياة، بل يُعتقد أيضًا أنه مرتبط بانخفاض الإنتاجية في العمل. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت مزايا الموظفين، بما في ذلك دعم الوجبات، من العوامل المهمة في اختيار الوظائف.
استجابةً لذلك، تعمل القطاعات العامة والخاصة في اليابان على تنفيذ مبادرات لتحسين التوازن الغذائي بين فئات العاملين، بهدف تعزيز الإنتاجية، وتأمين المواهب، وتعزيز الاحتفاظ بالموظفين.
خدمات الطعام المغذي في مواقع العمل
في السنوات الأخيرة، بدأت العديد من الشركات في تقديم وجبات وخيارات غذائية تراعي التوازن الغذائي، إدراكًا منها للعلاقة المباشرة بين تغذية الموظف وإنتاجيته في العمل.
تتجه الشركات الكبرى التي تمتلك كافيتيريات داخلية نحو خيارات قائمة أكثر صحة، بينما تعتمد الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تمتلك مثل هذه المرافق، على خدمات تُعرف بـ""أوكي-شاشوكو"".
تقوم ""أوكي-شاشوكو"" بتزويد المكاتب بثلاجات مليئة بالأطعمة الصحية للموظفين، وتتراوح التكاليف عادةً من عشرات الآلاف من الين شهريًا فقط.
شهدت شركة ""كومبيتو""، وهي شركة ناشئة تقدم هذه الخدمات، زيادة بمقدار 6.5 أضعاف في عدد ثلاجات أوكي-شاشوكو المُركبة خلال السنوات الثلاث حتى عام 2024. وقد وسعت خدمة ""أوفيس دي ياساي"" التابعة لها، والتي توفر الخضروات والسلطات، انتشارها في المناطق الإقليمية من 19٪ إلى 52٪ على مدار أربع سنوات حتى أغسطس 2024.
""
التغذية لا تدعم فقط رفاهية الأفراد بل تُعد ركيزة لصحة المجتمع والاقتصاد.
""
برامج التعليم الغذائي
تتخذ بعض الشركات خطوة إضافية من خلال الاستثمار في المبادرات التعليمية لتعزيز الفهم العميق للصحة والتغذية بين الموظفين.
فعلى سبيل المثال، تُقيم شركة ""هاريو كوميونيكيشنز"" يومًا مخصصًا لوجبة المكتب مرتين شهريًا، حيث يقوم أعضاء قسم الشؤون العامة والتنفيذيون في الشركة بإعداد الوجبات معًا في مطبخ المكتب، ثم تقديمها للموظفين.
توفر هذه الوجبات المشتركة فرصًا لتعلم تقنيات الطهي وقيم العناصر الغذائية، كما تعزز العلاقات في مكان العمل من خلال تشجيع الحوار المفتوح والتعاون حول المائدة.
الدعم من الحكومة والبلديات
تدعم الهيئات الحكومية والبلديات المحلية هذه المبادرات المؤسسية كذلك. فعلى المستوى الوطني، تُجرى مناقشات لرفع حد الإعفاء الضريبي على مزايا الوجبات التي يقدمها أصحاب العمل، والذي يبلغ حاليًا 3,500 ين لكل موظف شهريًا.
إن رفع هذا الحد يمكن أن يُسهّل على الشركات توسيع برامج دعم الغذاء.
في طوكيو، تقدم حكومة العاصمة إعانات تصل إلى 500,000 ين للشركات الصغيرة والمتوسطة التي توفر خدمات الطعام للموظفين بهدف جذب المواهب الشابة والاحتفاظ بها. كما يمكن للشركات الوصول إلى دعم الخبراء، بما في ذلك ما يصل إلى ثلاث زيارات ميدانية من متخصصين للمساعدة في تصميم وتنفيذ مبادرات غذائية فعّالة.
التغذية المتوازنة كركيزة للنشاط الاقتصادي
كما ورد في تقرير وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية ""اتجاهات السياسة الغذائية الوطنية""، فإن التغذية ""هي الأساس الذي يُمكّن الناس من عيش حياة صحية طوال حياتهم، وهي عنصر أساسي لبناء مجتمع حيوي ومستدام"".
ويُشير المنتدى الاقتصادي العالمي أيضًا إلى أن ""الحالات المرتبطة بزيادة الوزن الآن تقتل عددًا أكبر من الناس مقارنة بالجوع""، مما يبرز الدور الحاسم الذي تلعبه التغذية المتوازنة في تعزيز الصحة والمرونة.
التغذية لا تدعم فقط رفاهية الأفراد بل تُعد ركيزة لصحة المجتمع والاقتصاد. إن تحسين التوازن الغذائي يمكن أن يعزز الإنتاجية ويقلل من تكاليف الرعاية الصحية، مما يؤدي إلى تأثير اقتصادي إيجابي.
ومن خلال التعاون بين الأفراد والشركات والحكومات، يمكن وضع سياسات غذائية مستقبلية تُمهّد الطريق لنمو اقتصادي مستدام ومجتمع أكثر صحة ومرونة.
