جينيفر كريستال.
فلتعلم
قالت سوزان سونتاج في كتابها “المرض كاستعارة” (1978م): بمجرد ما نولد نُمنح مُواطنَة مزدوجة؛ في مملكة المعافاة، ومملكة الداء. لا شك بأننا جميعًا نحبذ استخدام الجواز الطيّب، ولكن كلٌّ منّا مُرغم، عاجلًا أو آجلًا، بأن يمر، على الأقل، ليعرّف بنفسه بأنه مواطن لتلك المملكة الأخرى. يمر بعض الناس مرور الكرام على مملكة الداء، أشبه بسيّاح، بينما يستوطنها آخرون، إلى الأبد، دون عمد، وحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها يعاني ٦ من ١٠ بالغين في الولايات المتحدة من مرض مزمن، ويعاني ٤ من ١٠ من مرضين أو أكثر. وبضع ٥٠ مليونًا من أولئك الناس يشتكون الأمراض المناعية دون أصل واضح. انضم العديد من مرضى كوفيد- ١٩، أصحاب الأعراض الدائمة، إلى صفوف ذوي الأمراض طويلة المدى.
إن كنت تعاني من مرض طويل المدى، لا شك بأنك تدرك متعة الحياة قبل الإصابة بمرض ما. أو لعلك وُلدت بمرض مُزمن. بدأتُ حياتي في مملكة المُعافاة، وزرت مملكة الداء فجأة في سن ٢٥، وتباعد العالمان عن بعضهما، كبعد الشمس عن القمر، ولمدة عقدين تقريبًا. سقطت صريعًا بارتفاع عدد كريات الدم البيضاء؛ مما أدى بي إلى المرض المزمن (فيروس إبشتاين بار)، بتُّ طريح الفراش، واكتشفت تدريجيًّا بأنني كذلك مصاب بعدوى القُراد. اضطررت للاستقالة من عملي والتنازل عن استقلاليتي لمدة ثلاث سنوات، لعلي أتحسن. جاهدت مرتين أملًا في البُرء، وتلقيت علاجات مكثفة، ثم تبعتْها انتكاسة هشَّمتها جميعًا.
وحينذاك تعلمت، من خلال التجربة والزلة، بضعة أسرار لاستقاء حياة طيّبة كريمة رغم المرض المزمن. ورغم أن الدروس لا تطبق على كل الأمراض، ولكن هدف هذا الدليل يكمن في طرح أفكار وتلميحات حسب تجاربي الشخصية، وحسب آراء المختصين، ولعلها تكون ناجعة مع عديد من الظروف المختلفة للأمراض طويلة المدى. سواءً كان مرضك المزمن ثابتًا أم متناميًا، وسواءً كنت تعارك أمراضًا جسدية أم نفسية، أم كليهما، نحن جميعًا بحاجة إلى توجيه إرشاد عمّا خُطت حياتنا عليه. آمل بأن يُلهمك هذا الدليل لتخلق لنفسك أطيب حياة تستحقها، بصرف النظر عن السبيل الذي قادك لمملكة الداء، وكيفما يكن عمق جذورك فيها.
ليس تقهقرًا، بل إنه مضيٌّ قُدمًا.
في أثناء إحدى درجات المرض، كان جل تركيزي على كلمة “العودة”، بالعودة إلى المسار الصحيح، وبالعودة إلى العمل، وبالعودة إلى الأنشطة المحببة. وأقمت، أيضًا، احتفالًا عظيمًا “للعودة إلى الحياة” حينما تحسّنت لأول مرة. ورغم أنني ما زلت مُقيّدًا حسب حيويتي وقدراتي، إلا أنني ظننت بأنني تجاوزت السُقم، ولا تزال صحتي في طور التحسّن. أقمت في أثناء فترة النقاهة مع أُسرتي في كونيتيكت، ثم انتقلت إلى فيرمونت لأنغمس في الثقافة الجبلية المحببة إلي، ولأباشر عملًا جديدًا.
ثم انتكست تمامًا بعد ثلاثة أشهر.
غمرتني الهواجس وغرقت تمامًا، واستدعى ذلك مرضى مجددًا، وبحدّة مؤلمة. لم أعِ بأن التحسّن يعني خمول المرض، وليس بُرءه. ولم أكن أدرك مدى سرعة وحدّة هيجانه، واضطررت، مجددًا، للتنازل عن استقلاليّتي.
كانت تلك الانتكاسة أشبه بدعوة للاستفاقة. وأخيرًا، أدركت بأنني بأمراضي تحديدًا، لست بقادر للعودة إلى الخلف. بل اضطررت لإيجاد أسلوب للمضي قُدمًا، في ظل مرض مزمن. ورغم أنني لم أكن أعرف المصطلح بعد، وعرفته بعد سنوات في المدرسة العليا، وكنت أتوق إلى سرد “الظروف في أثناء تحسّنها” كما سمّتها الكاتبة الأمريكية، لويز ديسالفو، في كتابها (الكتابة؛ علاج ناجع. ٢٠٠٠م). في سرد كهذا، يعود الراوي إلى حالته قبل المرض، مثل: “كسرتُ ذراعي، ثم تعافتْ، وها أنا بخير الآن.” تعجبنا قصص كهذه، ونحاول كثيرًا الاقتداء، ولكن نخفق أحيانًا في إسقاطها على ذواتنا، إذ لأبداننا خُطط مُغايرة. وُلد بعضكم بمرض مُزمن، ولا أمل إذن، للعودة إلى حالة ما قبل المرض. بصرف النظر عن المرض المزمن، فباستطاعتنا، إلى حدٍّ ما، كتابة قصة “السعي” حيث يسترسل الكاتب فيها ويوثق حياته، بدائه وشدائده.
تعجز عن السيطرة على سقمك، ولكن تسيطر على سردك
عندما امتنعت عن التركيز على كلمة “العودة” استطعت إعادة تشكيل تفكيري، وعيشي، وبذلك فأي داء يصيبني، قد يستمر معي. لم أتعلم الصمود والعيش فحسب، بل تعلمت النمو والازدهار.
ما الذي أعانني لبلوغ هذا التغيير؟ بدءًا بفهم ذلك الداء فهمًا عميقًا، والانتكاسات المحتملة، ودوري في التحكم بالعوامل الخارجية التي قد تؤثر على تلك الاحتمالات. ويقول ليو شيا، الأخصائي النفسي وبروفيسور إعادة التأهيل في معهد رسك، أحد أقسام المركز الطبي لجامعة نيويورك لانغون، في مدينة نيويورك: يكمن لُبّ المشكلة بالنسبة إلى المريض وعائلته، أو فريق المساعدة، بماهية المرض المزمن، وبما سيواجهه المرء، وبما سيحدث مستقبلًا.”
ولم أكتفِ بالتعرف على أمراضي فحسب، بل استوجب علي اختيار أنسب أسلوب للتعايش معها. في إحدى زياراتي للمكتبة، سُلّمتُ، صدفة، بطاقة إعارة خاطئة. وقد عُنونتْ بـ “حياة معرقلة”: لتستوعب حقيقة المرض المزمن في عشرينياتك وثلاثينياتك (2008م) للوري إدواردز. على الرغم من أن لوردي إدوارد تعاني من مرض مزمن مختلف عني (الاعتلال الهدبي الأولي)، إلا أن صراعاتها كانت مشابهة. وبما أنها سلّمت بـحقيقة دائها، وأتمّت الدراسات العليا، ثم امتهنت الكتابة والتدريس. بدأتُ بالتأمل؛ طالما أنها بلغت مُرادها، فلي ذلك أيضًا.
أي سلوك تسلك
بدّل كلماتك
أعانني تغييري لكلماتي على إعادة رسم منظوري للحياة، للعيش في ظل مرض مزمن. حسبما تقوله شيا: “كل ما تحتاج إليه أن تصوّر المرض في قالب إيجابيّ، بدلًا من السلبي.” مثلًا:
- استبدل “لا أستطيع” بـ “أستطيع”. لا يعني بأن تتبع منهج “العقل أولًا” محاولًا تحفيز ذاتك لإتمام مهام لست بقادر عليها، بل عليك ألا تُعنى بما تعجز عن إتمامه، بل سلّط الضوء على ما تتقنه، واستمتع به. وبدلًا من أن تقول: “لا يمكنني حضور حفلة عيد ميلاد، إذ يرهقني ذلك.” جرب أن تقول: “لعلي أقابل أصدقائي لمدة نصف ساعة مساءً من خلال (زوم)، وبذلك أكون جزءًا من الحفل.”
- استبدل “القيود” بـ “حاجات”. أحتاج أن أنام ظهرًا كل يوم، لأُعزز طاقتي الجسدية والعقلية، وإن لم أنَم، فسأُنهك تعبًا، وقد أضطر إلى الاستلقاء على السرير لبضعة أيام قادمة. في بداية الأمر، كنت أرى غفواتي شبيهة بقيود تعيقني ومن معي، وبلا شكّ صار جدول حياتي غير مألوف، ولكن لأنني، كمن سواي، أودّ تلبية حاجة ما. وكلما ازداد تقديرك واحترامك لحاجاتك، تضاءل ما يحيط بها من قيود.
- استبعد “يجب”. شعرت لسنوات بأن علي أن أرغم نفسي على العمل أو الرياضة، رغم أنني أدرك إصابتي بالإنفلونزا المزمنة. ولكن سيوجهني الناس: “يجب أن تمشي، ستتحسن تلقائيًا” أو: “يجب أن تستهل بالتطوع، لن تُشغل بذاتك آنذاك.” قد تبدو تلك الأنشطة فاعلة بالنسبة إلى بعض الأمراض المزمنة؛ ولكنها مؤذية بالنسبة إليّ. وحينما تسمع كلمة “يجب” اسأل نفسك: “أيمكنني ذلك؟ ولو استطعت، أيضرّ صحّتي أم ينفعها؟”
- وبدلًا من “اضطراب ما بعد الصدمة” فلتفكر في “تحسّن ما بعد الصدمة.” إن مواجهة مرض مزمن، وخصوصًا حين يأتي مفاجئًا، قد تكون صدمة. وحتى لو لحظنا بضعة تحسّنات في صحتنا، قد نعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؛ لا أزال أحيانًا أسترجع ذكريات معاناتي، وتقلقني احتمالية تكرارها. ولكن أولئك من يجرّبون اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يمكن كذلك أن يمرّوا في تحسّن ما بعد الصدمة (PTG)، وهي “تغيّر إيجابيّ ناتج عن صراع مع أزمة حياة رئيسة، أو فاجعة” حسب تعريف مجموعة أبحاث (تحسّن ما بعد الصدمة)، في جامعة نورث كارولينا بمدينة تشارلوت. من الموجع أن أكون طريح الفراش، ولكن بزغت أمامي فرص نادرة، وعلاقات فريدة، وأبديت تقديرًا مختلفًا لقدرات لم أكن أعرها اهتمامًا.
لننوّع مناهج الحياة
لتختلق حياة تُسهّل تعاملك مع أمراضك على مر الزمن، لا يعني بذلك تسليمها كُليًا للداء، أو التخلي عن الأمل، بل بأن نمنح مساحة مشاعرنا الجسدية والعاطفية، التي يثيرها السقم. ويقول أخصائي العلاج النفسي جوزيف ترونزو، الذي يراجعه ذوو أمراض مزمنة: “أحبذ رسم تجربة القبول لحظة بلحظة، والانفتاح لأيّ ما يكن من الأفكار، والمشاعر والأحاسيس التي يوجسها المرء- طيّبة، أو مشوِّشة، أو لامُبالية- في أثناء تلك اللحظة… وإن كُنت تعارك مرارًا للسيطرة على بعض المشاعر أو التجارب، أو الهروب منها، أو كبحها، فلن تستمتع بحياتك وتحياها؛ لذا فإن منحها مساحة للظهور، بربكتها أيًّا تكُن، تتيح لك انتهاز لحظات نشاطك وحيويتك لتنعم بحياتك.
أعانني ذلك على النظر في عوامل للتحكم بها في حياتي. لعلك تسأل نفسك: أي تغيير في منهج الحياة يسهم في تحسين صحتي، وحاجاتي، ومفرداتي المبدّلة؟ وأي تغيير سيجمّل أيامي قدر الإمكان؟ بالنسبة إليّ، غفوة ما بعد الظهيرة، دائمًا دون استثناء، والعثور على عمل مرن، واتبّاع عادات صحيّة للنوم، والالتزام بنظام غذائي محدد، والتأني في سيري والالتزام بحدودي، وتكييف نظام تماريني ليتسق مع مرضي. قد يبدو الأمر مغايرًا تمامًا بالنسبة إليك، إن كنت تعارك اكتئابًا مزمنًا فقد تكون قيلولة ما بعد الظهيرة ذات نتيجة عكسية، لذا لعل المشي أو لقاء صديق، أجدى. وإن كنت تعارك الألم العضلي التليفي (fibromyalgia)، فممارسة بعض تمارين التمدد في ساعات محددة خلال اليوم، ستكون ناجعة. لبّ الفكرة هو تولّيك لمسؤولية رفاهيتك، قدر المستطاع، بالتأمل بتغيّرات تلبي احتياجاتك.
يتطلب خلق تلك التغيّرات مرونة نفسية، ما يعرّفها ترونزو: “فكرة حاجتنا للاستئناس بالحاضر، خاليًا من إطلاق الأحكام، والتفاعل تفاعلًا يأخذ بأيدينا للمستقبل، بدلًا من التعلق بمشاعر وعواطف اللحظة.” وتعدّ هذه المرونة جزءًا من منهج يستخدمه ترونزو، يُعرَّف بالعلاج بالقبول والالتزام (ACT). ويقول: “ابحث عن القيمة الخفيّة لما اعتدت فعله، هل أحببت حضور مباراة طفلك الكروية، لكن لم تعد تستطع حضورها؟ يكمن جوهرها هنا في أن تكون حاضرًا مع طفلك، ومن أجله، لذا، فتّش عن سبيل آخر لذلك.” عندما تُتِمّ أشكال التغيير تلك، فأنت تشكّل ذاتك بسجيّتها. وتلك السجيّة ستتغير مع تقدّم المرض، أو بمواجهتك لتطورات أو انتكاسات. أُصبت عام ٢٠٢٠م بكوفيد ١٩ كمرض طويل المدى، وأعانتني تجربتي السابقة مع المرض المزمن على خلق منهج حياة جديد، ليكون ملائمًا لظروف وتحديّات كوفيد-١٩. السر الأول المرونة مع حاجات بدنك المتقلبة، وخلق تغييرات متتابعة لمنهج حياتك.
تمعّن في قدراتك، وفتّش عن حدودك، وارسم قيودك
استنتجت، بعد انتكاستي، بأن ما أعانيه من داء تحديدًا، يتطلب خطوات متأنية للتحسن، فتلك القفزة الواسعة تسببت بهذه الانتكاسة. وعندما تحسّنت للمرة الثانية، لم أندفع بحماسة مضاعفة، أو أستعجل الالتزام بساعات العمل الكاملة، بل غِبت قليلًا عن أسرتي، وبادرت بالتطوع لعدة ساعات خلال الأسبوع. ولاحظت بأنها تجربة مجدية، فباشرت ببعض الكتابات المستقلة المدفوعة، حسب جدولي. ولم يجرِ الأمر كذلك إلى أن رسمت روتينًا منتظمًا، أساسه حالتي الصحية، ووضعته في الحسبان في أثناء تقديمي العليا، والانتقال إلى مدينة أخرى. ويقول ترونزو: “هناك ميل إلى أن يكون مقياس الإنتاجية مناقضًا لما كان عليه حينما كنت متعافيًا. وقد يؤدي ذلك إلى عواقب سلبية… وربما ينسحب المرء من المنافسة لعدة أيام، محاولًا، في نهاية الأمر، أن يتعافى من ذلك الإنهاك، ولينفذ العهد الآنف بينه وبين الآخرين، أو بيه وبين نفسه، دون إدراك بأن الاستراحة عامل مهم للالتزام.”
أتاح لي تمعّني في قدراتي الانتقال إلى ما يسمّيه إدواردز، في كتابه (حياة معرقلة) بـ “وضع الوقاية” بدلًا من بلوغ القمة والانهيار. وأردف تورنزو قائلًا: “يستحسن أن تتم الأشياء بنسبة 75-80٪ ثم تتوقف، والإنجاز بنسبة 60% كذلك يعد مقبولًا، أيّ ما يكن مُجديًا بالنسبة إليك لتتم بثبات واتزان، محاولًا تجنب التقلّبات الجسيمة.
ويختلف (وضع الوقاية) حسب الداء، فبالنسبة إلينا، ذوي وعكة ما بعد الجُهد (PEM)، فإن تمعّننا في قدراتنا غاية في الأهمية. فإن كنت مصابًا بحالة ما، كمرض السكريّ، فإن الوضع الوقائي بالنسبة إليك يتمثل في انتقاء الطعام المناسب ووقته، إذ يسهم ذلك في الحفاظ على نسبة السكر في دمك. وحينما تلحظ بأن تغييرات منهج الحياة أتاحت لك الانتفاع من (الوضع الوقائي)، فمن المهم أن تُقدّر تلك العوامل. على سبيل المثال، ليَ أن أُسقط الغفوة إن رغبت بزيارة ما بصحبة صديق، أو لإنجاز أعمال غزيرة، ولكنني أعلم بأنها لا تستحق ثمنها. لا يعي حدودك أحد سواك، ولا يبتّ في ما يلزمك مراعاته، وما يمكنك الاعتماد عليه، سواك أنت وأطباؤك. وردد السؤال مرارًا: “هل سيُغيث ذلك صحتي أو يُضرّ بها؟”
ومن المهم كذلك تأسيس حدودك مع أُسرتك، وأصدقائك، وأرباب عملك. استبدل قولك: “لا يمكنني العمل بعد الظهيرة،” بقول: “بإمكاني العمل صباحًا.” يجب أن يعلم بدنك بأنك تعمل معه لأجله، ولست بمحارب ضده، ولك أنْ تُطَمئنْه وتهتم به، بمراعاتك لحدوده، وإسباغ حوائجه عليه. وكلما واظبت على هذا الأسلوب، سيصبح يسيرًا مألوفًا.
اسعَ للتعزيز المُلائم
سواءً وُلدت بمرض مُزمن، أم مرضت تاليًا بعدما وُلدت، سواءً كنت تعاني من إعاقة بدنية أم مرض نفسي، لن يدرك الجميع ظروفك. يقول إدواردز:
“لطالما كان هناك أُناس ليسوا مرحبين بمعرفة المزيد عن حالات ما وتوابعها. ولن تتبدّل توقعاتهم عنا، لذا يكمن دورنا هنا أن نحسّن توقعاتنا عنهم. لست قادرًا على إقناع أو تنوير أناس لم يعيروك اهتمامًا، لذا ليس الموقف جديرًا بأن تبرر لهم نفسك أو ظروفك. فليكن جلّ تركيزك على رفاقك، وعائلتك، ومن المُرحِّب من معارفك، ممن يود طرح أسئلة، أو تقديم مساعدة، أو الإقرار بجهلهم عن حالتك، لكن يوّدون التعرّف إليها. واستنتجت بأنه من المجدي بألا نكتفي بأصدقاء وعوائل “أدركوا”، بل بالحديث مع امرئ آخر يمكن أن يعززنا، ويوجهنا توجيهًا نافعًا واحترافيًا. ابحث عن ممارس صحيّ نفسي مُلمّ وذي خبرة في الحديث مع مرضى يعانون من داء مشابه لدائك.
تأمل توجيهًا من كافة أعضاء فريقك الطبي، لتعيش حياة رغيدة رغم مرضك المزمن، وقد يؤدي ذلك اختيار مختصين آخرين مرة، أو مرتين، أو عشر مرات. استغرق تشخيص حالتي تشخيصًا دقيقًا عدة سنوات، جانب من المشكلة هو أنني أتلقى كشفًا من أطباء لم يكونوا يسمعون قصتي، ولا يلتقطون أي أدلة تقودهم إلى تعليل أعراضي، بل يستعجلون في كتابة الأعراض كما “أتخيّلها” عندما استصعب تشخيصي حسب نظام التشخيص السهل. فلتختلط بمجموعات مُعزّزة، ولتتحدث مع آخرين يعانون من مرضك نفسه، وابحث عمّن يعالج بأكمل وأشمل علاج. واقرأ كتبًا عن مرضك، وثقّف نفسك عن خيارات معالجة مختلفة، بما فيها الطب البديل أو العلاجات المُساعدة المتوفرة لحالتك المرضية. تكمن الفكرة في أن تأبى عقلية الضحية “إنني مريض ولا يدرك ذلك أحد” بل تولَّ عنايتك بنفسك، عازمًا بقولك: “من أكثر من يمكن أن يعينني لبلوغ كامل عافيتي، حتى لو تغيّر تعريفي للعافية؟”
افرح وامرح!
العيش بمرض مزمن ليس أمرًا بسيطًا، وإدارته أشبه بوظيفة بدوام كامل، ولكن سواءً استقررت في مملكة المعافاة، أم في مملكة الداء، من حقك الشعور بالفرح، والمرح، والاسترخاء. تقول شيا: “إن التفاعل الاجتماعي يمنح المرضى سبيلًا للخروج من عتمة أمراضهم، فاختر أوقاتًا يمكنك أن تمرح فيها خلال الأسبوع، أيًّا تكن تلك المتعة، إما بمشاهدة التلفاز، أو دعوة صديق لزيارتك، أو تذكير رفاقك بدعوتك إلى الحفلات، لتشعر بانضمامك لهم.” إن كنا نؤجل المتعة، ترقبًا للحظة العافية الكاملة، أو ترقبًا لمقدرتنا على ما “يجب” أن نستطيع الإقدام عليه، فإن كثيرًا من أيامنا الذهبية تُهدر.
النقاط الرئيسة– التعايش مع مرض مزمن
- ليس تقهقرًا بل إنه مضيّ قُدمًا: لست قادرًا على العودة إلى الماضي، لما قبل المرض. بل أنت بحاجة إلى اكتشاف السبيل إلى المضي قدمًا في سياق المرض المزمن.
- فلتسرد الحكاية: لا تهم حدّة مرضك، أو مدى تقدّمه، باستطاعاتك تولي بعض مسؤولية رسم بقية حياتك.
- بدّل كلماتك ركّز على المفردات الإيجابية بدلًا من السلبية، أي ما تقدر على إتمامه وليس ما تعجز عنه.
- غيّر منهج حياتك: اسأل نفسك: أي تغيير في منهج الحياة سيقدّر صحتي، وحاجاتي، وكلماتي المبدّلة؟ وأي تغيير سيجمّل أيامي قدر الإمكان؟
- تمعّن في قدراتك، وفتّش عن حدودك، وارسم قيودك: فلتكتشف أي منهج حياة يمنحك أفضل فرصة لتبقى في “وضع الوقاية”. قدّر حدودك، وأبدِ حاجاتك.
- اسعَ إلى التعزيز الملائم: وابحث عمّن على أُهبة السير معك في الرحلة، حتى لو لم يكن مُلمًّا تمامًا بظروفك. ابحث عن علاجات وممارسين صحيين لتضمن تلقيك لأفضل العناية الممكنة، وتذكر ضرورة عنايتك بصحتك الذهنية والعاطفية، فضلًا عن صحتك البدنية.
- افرح وامرح: لك حق وحاجة المتعة والاستراحة، تمامًا كما يتلقاها المرء الصحيح.
