القائمة الرئيسية

حالة من المرض المستمر

حالة من المرض المستمر
ملخص المقال

يتناول المقال تجربة شخصية مريرة خلال فصل الشتاء الذي تزامن مع جائحة فيروس كورونا، حيث يعكس معاناة العائلات التي تعرضت للأمراض المستمرة مثل الإنفلونزا وكوفيد-19، ويستعرض تأثير ذلك على الحياة اليومية، من العناية بالأطفال المرضى إلى التعامل مع صعوبات العمل في ظل غياب السياسات الداعمة مثل إجازات المرض المدفوعة. كما يناقش المقال ضعف استجابة المجتمع في التعامل مع المرض بشكل عام، ويختتم بتأكيد ضرورة إرساء سياسات تعطي الأفراد الوقت للتعافي والرعاية عند المرض، ويشدد على أهمية التعاطف مع حالات المرض والتأهب لمواجهة التحديات الصحية المستقبلية.

بقلم إليزابيث بروينج

انقضى فصلُ الشتاء، ويا له من شتاء بائس، فقد كانت هنالك فترة فيه كان كل شخص في منزلنا مريضًا. وقفت في صباح أحد الأيام الباردة أعلى الدرج أحدق بنظرات متعبة ومرهقة في جبل رسائل البريد والمجلات التي تراكمت عند الباب، وكانت هناك أطباقٌ ملقاة في حوض الغسيل لتكمل الصورة البائسة، علاوةً على كومة من الملابس المتسخة المكدسة في سلة الغسيل، وتبادر إلى ذهني رجل الدين من العصور الوسطى هنري نايتون الذي شهد تدمير وباء الموت الأسود لأوروبا، إذ قرأت ذات مرة من كثب روايته المتعلقة بالأغنام والماشية التي كانت ترعى في حقولٍ لم يؤتِ فيها الحصاد ثماره، وعودة الماشية إلى البرية في خضم التضاؤل الكبير للحياة البشرية، فأنا أحكم الآن مملكتي المنكوبة بعد أن خسرت هذه المواجهة الأخيرة مع الطبيعة.

وفي بداية جائحة فيروس كورونا، عندما أصبحت علامات تراجع وانحسار البشر واضحة في العالم الطبيعي، بدأ الناس يرددون – في البداية بصدق، ثم بمزح – عبارة “بدأت الطبيعة تتعافى”، ولكن لم يكن انحسار البشر علامة على صحة الطبيعة بقدر ما كان علامة على المعاناة البشرية، ومع ذلك فإنه كان من الصواب الإقرار بأن الطبيعة كانت تقوم بشيء على نطاق يتجاوز الإدراك البشري، ونُعدّ نحن الأحياء جميعًا الناجين من الوباء، نعيش في عالم يحكمه الفيروس.

وتضمن ذلك فصلَ شتاءٍ (وبالنسبة للكثيرين، شمل فصلَ خريفٍ أيضًا) من المرض المستمر، ويعيش الناس الآن الحياة بشكل أو بآخر كالمعتاد مرة أخرى بعد سنوات من العناية بالنظافة بشكل حريص والتدابير الاجتماعية المتخذة لدرء وباء كوفيد-19 – مما يعني أن فيروسات فصل الشتاء النموذجية التي تهرَّبنا منها لفترة طويلة قد عادت من جديد وبقوة، وقد دفعت إصابة الناس بكوفيد-19 جنبًا إلى جنب مع الإنفلونزا وفيروس الجهاز التنفسي بعض الباحثين في مجال الصحة العامة إلى التحذير من “وباء ثلاثي” (“tripledemic”)، يتمتع بالقدرة على أن ينقل العدوى للملايين، ومن الأمراض التي تعد شائعة كذلك ومرهقة بالقدر نفسه – على الأقل ضمن العائلات التي لديها أطفال صغار – العقدية المقيحة (strep) والتهاب الملتحمة أو العين الوردية (pink eye) والخانوق (croup) والتهاب المعدة والأمعاء الفيروسي المعروف غالبًا بإنفلونزا المعدة (stomach bugs) ونزلات البرد غير المحددة والمتكررة، والتي تترك وراءها زجاجات فارغة من التايلينول السائل وسلات مهملات مليئة بالمناديل المستخدمة. وقد أبلغت الموارد الصحية المحلية في جميع أنحاء البلاد الناس أنه إذا بدا لهم الأمر وكأنما جميع الأشخاص الذين يعرفونهم مرضى فإنهم لا يتخيلون ذلك – كل ما في الأمر هو أننا نعيش في زمن الوباء.

ولم يكن هناك شيء يمكن القيام به حيال ذلك. في إحدى الليالي الباردة، أخذت بعضًا من السباغيتي الساخنة مع كرات اللحم إلى الجيران، الذين رزقوا بطفل يبلغ الآن الواحدة من عمره والآخر في الطريق، حيث قام أحد الفيروسات بإخضاعهم جميعًا. وفي أمسية أخرى، شديدة البرودة بالقدر نفسه، قمت بطلب البيتزا للمرة الثالثة لعائلتنا في غضون أسبوع، حيث كانت صحتي سيئة جدًّا لدرجة تمنعي من الطهي، وفي الوقت نفسه جيدة بما فيه الكفاية لتناول الطعام، وكان الأطفال يترددون إلى مكتب طبيب الأطفال باستمرار، ويتناولون الأموكسيسيلين بشكل متقطع على الدوام، ونادرًا ما يذهبون إلى المدرسة لأكثر من بضعة أيام متتالية، وعندما كانوا بصحة جيدة، كنت أنا مريضة، وعندما كانوا هم مرضى، كنت أعتني بهم، وكنا نتواصل عبر تطبيق الفيس تايم والرسائل النصية، وشعرت أن الوسائل العاطفية اللازمة لتحمل ذاك الموسم كانت تستنزف ببطء مع تزايد احمرار عينيَّ وأنفي.

وربما تعد المفاجأة الوحيدة لهذا الموسم هي أنه بعد التغلب على الوباء، تبين أن المجتمع لا يزال غير مرن بشكل أساسي فيما يتعلق بالمرض، وينطبق ذلك بصورة خاصة على الوالدين اللذين يكونان في منزل فيه أطفال ويعملان خارجه، أو في حالة إذا ما كان من يعيل الأسرة أحد الوالدين فقط. فعلى سبيل المثال، لا تزال هناك ندرة في السياسات التي من شأنها أن تسمح للآباء بأخذ إجازة لرعاية أطفالهم المرضى دون التضحية بإجازاتهم المرضية الخاصة، والتي بدت قليلة للغاية أثناء هذا الشتاء، وهذا في حال ما تمكن المرء من الحصول على أي إجازة مرضية في المقام الأول – حيث تنصح وزارة العمل حاليًا (أو ربما تحذر بشكل ينذر بالسوء) بأنه “لا توجد متطلبات قانونية فيدرالية للحصول على إجازة مرضية مدفوعة الأجر”، ويتعين على الشركات الخاضعة لقانون الإجازة العائلية والطبية أن تقدم للموظفين إجازة مرضية غير مدفوعة الأجر، ولكن هذا لا يزال يُعرّض الأفراد لخيار قاسٍ: قم بكسب المال الذي تحتاجه لرعاية نفسك وعائلتك خلال فترات المرض أو الراحة والتعافي والحد من انتشار العدوى عن طريق البقاء في المنزل.

ومع مرور فصل الشتاء و(بمشيئة الرب) تلاشي هذا الموسم الطويل من المرض، جنبًا إلى جنب مع حالة الطوارئ المتعلقة بالصحة العامة، يبدو أننا ندخل حقبة من الاسترجاع والتأهب، ففي الوقت التي تنظر فيه بعض وكالات الأنباء إلى الوراء رجوعًا إلى أيام الحظر والإغلاق خلال المراحل المبكرة لكوفيد-19 لمحاولة فهم الدروس التي علمتنا إياها سياسات الصحة العامة، يقوم آخرون بالاستعداد للوباء التالي أو للتداعيات السياسية الناتجة من الجدل حول أصول الوباء الحالي، وتفتح جميع مجالات البحث هذه بابًا محتملًا أمام العديد من الاستكشافات، خاصةً فيما يخص هيكل الصحة العامة والإدارة السياسية والاجتماعية لوباء آخر في المستقبل، ولكنهم يبدون غير مراعين حتى الآن للحقيقة الإنسانية – والشتوية –: الناس يمرضون.

وهناك عجز شديد في حالة المرض، حتى في حالات المرض الخفيف والعابر – والتي يمكن أن تأخذ مع ذلك شكل صراع طويل ومرهق ومستمر ضد المخاط وآلام الجسم، وهناك عجز أكبر من ذلك في رعاية شخص آخر في وقت مرضه – وبخاصة الأطفال، الذين يمثل البالغون بالنسبة إليهم مصدر الراحة الوحيد. إذا كان ينبغي لنا أن نستخلص درسًا من الوباء، فيجب أن يكون ذلك التعاطف تجاه حالة المرض وكوننا عرضة للإصابة بالمرض، وإرادة أكثر إلحاحًا لسَنّ سياسات من شأنها أن تمنح الناس – جميعهم بلا استثناء – وقتًا للراحة والتعافي في حال الإصابة بالمرض، وكذلك كان ينبغي للوباء أن يترك لنا انطباعًا بأن أُسُس مجتمعنا لا تختلف اختلافًا كبيرًا عن أسس هنري نايتون – نخضع للاضطرابات نفسها من قبل مسببات الأمراض.

والآن، ومع ارتفاع درجة الحرارة وتحول الشتاء للربيع، قمت بفرز بريدي وغسل أطباقي وطي ملابسي، وكان هناك وقت في الشتاء عندما كنت مريضة مع عدم وجود أي أحد في مكان عملي يمكنني إبلاغه بذلك، حيث كان رؤسائي المباشرون مرضى للغاية أيضًا ويبدو ذلك وكأنه حدث منذ وقت طويل، وأتمنى ألا يحدث ذلك مجددًا أبدًا ولكن يبدو أن آثار برد هذا الشتاء باقية لفترة طويلة؛ لأنني لم أكن أدرك من قبل مدى هشاشتنا تحت وطأة الوباء.

المصدر

 

مقالات ذات صلة