وتجريم التطبيق لا يتناسب مع قيم أمريكا.
يصف أعضاء الكونغرس والجهات التنظيمية الأمريكية تطبيق التواصل الاجتماعي الصيني تيك توك بأنه “تهديد كبير” و”خطر أمني وطني غير مقبول” و”جاسوس في الهاتف”، بينما يعرف معظم المواطنين الأمريكيين تيك توك باعتباره المكان الذي يمكنهم من خلاله مشاهدة الناس يرقصون رقصات غبية، أو ينشرون مقاطع الطبخ. ومع ذلك، يعتبر الكثير من المسؤولين الحكوميين التطبيق كحصان طروادة، أداة تمكّن الحزب الشيوعي الصيني من التسلل إلى الحياة الأمريكية وتقويض الأمن الوطني؛ مما دفع الموظفين الحكوميين والممثلين المنتخبين إلى دعوة الحكومة الأمريكية إلى قطع إمكانية وصول الأمريكيين إلى تيك توك، رغم شعبيته الهائلة بينهم.
بدأت جهود حظر تيك توك في صيف عام 2020م، عندما أصدر الرئيس دونالد ترامب، مستندًا إلى سلطاته بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، أمرًا تنفيذيًّا يحظر على أي أمريكي إجراء أي معاملة عبر التطبيق، رُفض هذا الأمر في المحكمة، ولكن الرغبة في الحظر لم تختفِ. في يناير، قدم السيناتور الجمهوري جوش هولي مشروع قانون لحظر تيك توك في الولايات المتحدة، وفي الشهر الماضي، قدم كل من الديمقراطي مارك وارنر والجمهوري جون ثيون مشروع قانون آخر في مجلس الشيوخ يُعرف بقانون RESTRICT، الذي سيمنح الرئيس سلطة فرض قيود صارمة على “التكنولوجيا من الخصوم الأجانب”، مما يشمل بشكل كبير تطبيق تيك توك.
ما الذي قامت به منصة مشاركة الفيديو لتستحق هذا المعاملة؟ في الحقيقة، لا تتعلق المسألة بما قامت به المنصة، بل بما قد تقوم به، أو بشكلٍ أكثر دقة، ما قد تقوم به الحكومة الصينية عبر التطبيق. يتهم النقاد الشركة بجمع كميات هائلة من المعلومات الخاصة حول مستخدميها بما في ذلك البيانات من تطبيقات أخرى، وقد تُمثل هذه المعلومات، من الناحية النظرية، أدوات لابتزاز المواطنين الأمريكيين، ويشير النقاد أيضًا إلى إمكانية استخدام الحكومة الصينية للموقع كوسيلة دعائية، من خلال التأثير في آراء الأمريكيين عبر عرض مقاطع معينة.
وفي الواقع، هناك القليل من الأدلة – إن وجدت – التي تشير إلى أن ممارسات جمع بيانات تيك توك تختلف بشكل ملموس عن ممارسات شركات وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، أو تنتهك خصوصية المستخدم أكثر من غيرها من المنصات والتطبيقات. وإذا كانت هذه الممارسات تشكل انتهاكات للخصوصية، فإن الحل المنطقي سيكون بالتأكيد فرض معايير على مستوى الصناعة، لا التطبيق. ولكن بالنسبة إلى نقاد تيك توك، تتلاشى تلك التشابهات بجوار الفارق الرئيسي بين تيك توك ومنافسيها: إنها شركة صينية – مما يعني أنه يمكن أن يتعين عليها قانونيًّا تسليم البيانات للحكومة الصينية. تصر تيك توك على أنها تنقل جميع بيانات مستخدميها الأمريكيين إلى خوادم في الولايات المتحدة، ولكن لا يبدو أن أحدًا يعتقد أن هذا سيحقق فارقًا فعليًّا إذا ضغطت بكين على شركة تيك توك الأم؛ ولذلك، يُقال إن الأمان الوطني القومي يتطلب حظر تيك توك في الولايات المتحدة.
إذا كانت تيك توك مجرد شركة تكنولوجيا، فإن حظر الحكومة للعملاء الأمريكيين عن التعامل معها سيكون ضمن صلاحياتها، وسيتماشى مع إجراءات مماثلة اتخذتها الحكومة في الماضي، ولكن تيك توك ليست مجرد، أو حتى في المقام الأول، شركة تكنولوجيا، إنها منصة إعلامية، لذا سيكون حظرها أكثر تأثيرًا بكثير، سيكون قطع وصول الأمريكيين إلى واحدة من مصادرهم المفضلة للمعلومات والترفيه قانونيًّا ودستوريًّا مشكوكًا فيه، والأسوأ من ذلك، سيكون خاطئًا من ناحية الأسس الموضوعية.
أيُّ حظر لتيك توك سيضطر إلى التعامل مع تعديلات بيرمان، وهي سلسلة من التغييرات على قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية التي تحظر على الرئيس استخدام العقوبات لتقييد تبادل “المعلومات أو المواد المعلوماتية”، بما في ذلك عبر وسائط الإعلام الإلكترونية. كما يجب وضع التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة الأمريكية في الحسبان. وبعدّها شركةً أجنبية الملكية، لا تتمتع تيك توك بحماية الدستور، ولكن المحكمة العليا الأمريكية أكدت منذ فترة طويلة أن التعديل الأول يحمي حق الأمريكيين في “تلقي والنظر في” المعلومات والأفكار، بصرف النظر عن مصدرها. على سبيل المثال، في عام 1965م، ألغت المحكمة قانونًا فيدراليًّا فرضت فيه السيطرة على “الدعاية السياسية الشيوعية” التي كانت “مطبوعة أو معدة بطرائق أخرى في بلد أجنبي”، معلنة عدم دستورية محاولة الحكومة “السيطرة على تدفق الأفكار إلى الجمهور”.
وعلاوةً على ذلك، سيكون حظر تيك توك أكثر إشكالية من تقييد تدفق الدعاية الشيوعية من الخارج، لأن معظم المحتوى الذي يستهلكه الأمريكيون على تيك توك يجري إنشاؤه بواسطة أمريكيين آخرين، حتى إذا كنت تعتقد أنه يجب أن يكون من المسموح للحكومة منع الأمريكيين من قراءة، على سبيل المثال، صحيفة بيونغ يانغ تايمز، فإن التدابير الداخلية التي تحجب الوصول إلى مقاطع فيديو لبرني ساندرز أو فيديو لرجل يتزلج على موسيقى فليتوود ماك ستمثل تدخلًا بارزًا في أسلوب حياة الأمريكيين، ورغم قدرة صانعي المحتوى على الانتقال إلى منصات أخرى، وقدرة المستخدمين على العثور على وسائل لتجاوز الحظر، فإن اتخاذ مثل هذا الإجراء سيحد بشكل جذري من حق الأمريكيين في تلقي والنظر في المعلومات والأفكار.
الكونغرس لديه السلطة، بلا شكّ، لضبط تعديلات بيرمان للسماح لنفسه بإغلاق تيك توك داخل الولايات المتحدة، ويمكن للمحكمة العليا أن تقرر أن حظر تيك توك مبرر على أساس المحافظة على الأمن الوطني؛ ومع ذلك، لا تتمثل القضية الحقيقية فيما إذا كانت الحكومة قادرة على حظر تيك توك أم لا، بل فيما إذا كان يجب عليها القيام بذلك. قد تكون المخاوف المتعلقة بالأمان القومي مشروعة، ولكن حتى في ضوء مصلحة الحكومة المقنعة في تقييد وصول الحكومة الصينية إلى بيانات الأمريكيين، يجب أن تكون أي تشريعات يضعها في مكانها مصممة بشكل ضيق لتحقيق هذا الهدف وحده. منع الأمريكيين من استخدام تيك توك بشكل كامل يتناقض مع ذلك – وفعل ذلك سيضع الحكومة في موقف يتعين عليها فيه تحديد أي محتوى يُسمح للأمريكيين بالوصول إليه، وأي محتوى يُمنع عنهم.
ولا بُد من الاعتراف بأن الحكومة الصينية تضع نفسها في هذا الموقف بشكل مستمر. تم حظر YouTube وTwitter وFacebook داخل البلاد، وتجري مراقبة مصطلحات البحث على الإنترنت والرسائل النصية، حتى تيك توك نفسه لا يعمل داخل الصين، ولكن ما تفعله بكين ليس حجة لصالح حظرنا لتيك توك، لأن محاكاة الرقابة الاستبدادية تعزز من قوة الصين، لا من قوتنا الخاصة.
إقرار تشريعات شاملة لحماية خصوصية المستخدم على جميع شركات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل في الولايات المتحدة ستكون فكرة جيدة، ولكن إغلاق أحد التطبيقات المفضلة لدى الأمريكيين ليست كذلك، لا نحتاج إلى محاكاة الصين، ولا نحتاج إلى الابتعاد عن قيم أمريكا.
