القائمة الرئيسية

آفاق جديدة للسياسات الاجتماعية: كيف تقارن وضع بلدك؟

آفاق جديدة للسياسات الاجتماعية: كيف تقارن وضع بلدك؟
ملخص المقال

المقال يتحدث عن الاجتماع الوزاري للسياسات الاجتماعية لعام 2025 الذي نظمته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حيث تم بحث سبل تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لمواجهة التحديات العالمية مثل شيخوخة السكان، التحولات في أسواق العمل، والتحولات الرقمية والبيئية. يسلط الضوء على الضغوط المالية على هذه الأنظمة بسبب انخفاض معدلات الخصوبة وزيادة أعداد كبار السن، وأهمية استخدام التقنيات الرقمية لتحسين فعالية تقديم المنافع والخدمات الاجتماعية. كما يناقش ضرورة تصميم سياسات اجتماعية فعالة وممولة بشكل مستدام، مع التركيز على رفاه الأطفال كأولوية لضمان استدامة الأنظمة على المدى الطويل.

قبل بضعة أسابيع، كان لنا شرف المساهمة في الاجتماع الوزاري للسياسات الاجتماعية لعام 2025 الذي نظمته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى جانب المنتدى الرفيع المستوى للسياسات، والذي ترأسته كل من البرتغال وإسبانيا، وتولت بلجيكا وكندا وإيرلندا دور نوّاب الرئاسة، وذلك تحت العنوان العريض: ""آفاق جديدة للسياسة الاجتماعية: الاستثمار في المستقبل"".

هذا التجمع الرفيع المستوى جمع وزراء وصنّاع سياسات وقادة عالميين بهدف تعزيز الحوار، وتبادل أفضل الممارسات، وتوطيد التزامنا المشترك ببناء نظم حماية اجتماعية resilient (مرنة)، شاملة، وقادرة على الاستدامة المالية.

إن نظم الحماية الاجتماعية مطالبة اليوم بالتصدي لاتجاهات كبرى عالمية ضاغطة، من بينها: شيخوخة السكان، والتحولات السريعة في أسواق العمل، إضافةً إلى التحولين الرقمي والبيئي، وتغير المناخ.

الخصوبة وطول العمر وشيخوخة السكان تحديات مستمرة
تواجه نظم الحماية الاجتماعية ضغوطًا متزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية، في الوقت الذي يتقلص فيه أساسها التمويلي بسبب انخفاض أعداد السكان في سن العمل. وعلى الرغم من أن معظم الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تتمتع بتركيبة سكانية أكثر شبابًا نسبيًا، إلا أنها هي الأخرى ستشهد هذا التحول بمرور الوقت، وغالبًا بوتيرة أسرع، نتيجة الارتفاع السريع في متوسط العمر المتوقع والانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة.

فقد انخفض معدل الخصوبة الإجمالي (TFR) – أي متوسط عدد الأطفال لكل امرأة – في دول OECD من 3.3 طفل لكل امرأة في عام 1960 إلى 1.5 طفل في عام 2023، وهو ما يُعد أقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المعدل اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان (باستثناء تأثيرات الهجرة). وتشير التوقعات إلى أن هذا الاتجاه التنازلي سيستمر خلال العقود القادمة.

الشكل 1. معدلات الخصوبة الإجمالية
عدد الأطفال لكل امرأة في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عامًا، في عامي 1980 و2023 أو آخر سنة متوفرة.

شيخوخة السكان تقلل أيضًا من عدد الأشخاص القادرين على دعم كبار السن. ففي عام 2024، بلغ متوسط نسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نحو 33 شخصًا تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر، لكل 100 شخص في سن العمل (من 20 إلى 64 عامًا). وتشير التوقعات إلى أن هذه النسبة ستتضاعف تقريبًا لتصل إلى 59 بحلول عام 2064.

الشكل 2. شيخوخة السكان
عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، لكل 100 شخص في سن العمل (20–64 سنة)، وفقًا للتوقعات لعامي 2024 و2064.

تحسين تقديم المنافع والخدمات الاجتماعية من خلال الابتكار التكنولوجي والبيانات

على الرغم من التقدم الملحوظ، لا تزال هناك فجوات في نظم الحماية الاجتماعية في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ويمكن للتقنيات الرقمية، المدعومة بأنظمة بيانات قوية، أن تعزز فعالية برامج الحماية الاجتماعية — على سبيل المثال من خلال تحسين تحديد المستفيدين، وتبسيط الوصول وعمليات التسجيل، وزيادة كفاءة تقديم الخدمات عبر أنظمة الدفع الإلكتروني للمنافع. ومن خلال قنوات متعددة، يمكن لتحديث أنظمة الحماية الاجتماعية أن يساهم في معالجة التصور السائد بأن الوصول إلى المنافع الاجتماعية أمر صعب (انظر الشكل 3).

العديد من العوائق التي تحول دون الاستفادة الكاملة من البرامج الاجتماعية — بما في ذلك متطلبات المعلومات المعقدة، وتكاليف الإجراءات، والوصمة الاجتماعية — يمكن معالجتها من خلال الاستخدام الأفضل للبيانات الإدارية المترابطة والتقنيات الرقمية الجديدة، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، وللاستفادة من هذه الفرص، يجب معالجة المخاطر المرتبطة بها، بما في ذلك ضمان العدالة، والشفافية، والمساءلة، وحماية الخصوصية، مع ضمان وتسهيل الوصول للجميع.

الشكل 3. تصورات الناس عن سهولة الوصول إلى المنافع العامة
توزيع الإجابات على العبارة: ""أشعر أن بإمكاني بسهولة الحصول على المنافع العامة إذا احتجت إليها""، للأشخاص بين 18 و64 عامًا، عام 2024.

تمويل الحماية الاجتماعية بشكل مستدام وتصميم استثمارات اجتماعية فعالة

تتعرض النفقات الاجتماعية لضغوط مالية متزايدة (انظر الشكل 4)، نتيجة ازدياد أعداد المتقاعدين والمستفيدين من الرعاية طويلة الأجل. ومن جهة التمويل، فإن تناقص أعداد السكان في سن العمل في العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يؤدي إلى انخفاض الإيرادات من المساهمات الاجتماعية والضرائب. علاوة على ذلك، فإن العمل غير النظامي وأشكال التوظيف غير التقليدية في بعض البلدان تُضعف من فعالية نظم الحماية الاجتماعية من حيث التغطية والتمويل على حد سواء. كما أن التحولات في تكوين أسواق العمل تؤثر بدورها على استراتيجيات التمويل التي تعتمد على مساهمات العاملين في الوظائف التقليدية.

ويمكن للسياسات الاجتماعية المصمّمة جيدًا أن تضطلع بدور تمكيني للفرد عبر مراحل حياته، من خلال تعزيز رأس المال البشري والإنتاجية، وبالتالي دعم النمو الاقتصادي المستقبلي، والرفاه، والاستدامة المالية. وتشمل الاستثمارات الاجتماعية السياسات التي تدعم تكوين رأس المال البشري وتعزز الشمول الاجتماعي، بما في ذلك: الاستثمار في تنمية الطفولة ورفاهها، والتدريب المستمر والتعلم مدى الحياة وتنمية المهارات، والرعاية الصحية، وسياسات سوق العمل النشطة، وإصلاحات ضريبية/مالية تجعل العمل مجزيًا، وتدابير سياساتية داعمة للأسرة تعزز التوازن بين العمل والحياة.

ومن خلال التركيز على الوقاية والتصميم الاستراتيجي، يمكن أن تؤدي هذه السياسات إلى نتائج اجتماعية واقتصادية أفضل، حيث تفوق فوائدها تكاليفها وتولّد عوائد مالية كبيرة.

الشكل 4. الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية
الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، عام 2024 أو آخر سنة متوفرة.

تعزيز رفاه الأطفال ومنع التفاوتات منذ سن مبكرة

في ظل شيخوخة السكان، حيث يتحوّل التركيز السياسي والسياساتي بشكل متزايد نحو تلبية الاحتياجات المتنامية لكبار السن، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى ضمان أن يتمتع جميع الأطفال بالفرص الكافية للنمو والازدهار، وأن يكونوا قادرين على الإسهام الكامل في المجتمعات والاقتصادات.

تشير الأدلة الحديثة من دول أوروبا الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وكندا إلى أن البالغين الذين واجهوا صعوبات اجتماعية واقتصادية في طفولتهم هم أقل احتمالًا لأن يكونوا في وظائف، ويكسبون دخلًا أقل (حوالي 20٪ في المتوسط)، ويبلّغون عن صحة أسوأ مقارنة بأقرانهم الذين نشأوا في ظروف أفضل.

وتعود هذه التفاوتات إلى عوامل متعددة عبر أبعاد مادية واجتماعية وبيئية، تناولها عمل منظمة OECD في مجال رفاه الطفل. فعلى سبيل المثال، في بُعد الحرمان المادي، يعيش طفل من كل ثمانية أطفال في دول المنظمة تحت خط الفقر النسبي (انظر الشكل 5)، وهي نسبة أعلى من تلك بين البالغين (واحد من كل عشرة).

الشكل 5. الأطفال الذين يعيشون في فقر نسبي
النسبة المئوية للأطفال (من 0 إلى 17 سنة) الذين يعيشون في أسر يقل دخلها عن خط الفقر، عام 2022 أو أحدث سنة متاحة.

الاستثمار المبكر في الأطفال ضروري لقطع سلسلة انتقال التفاوتات بين الأجيال، وتعزيز نتائج أفضل على مدار حياة الأفراد. كما أن الاستثمار المبكر يحمل إمكانات لتحسين استدامة أنظمة الحماية الاجتماعية، من خلال تقليل الحاجة إلى التدخلات والدعم الاجتماعي التفاعلي في المراحل اللاحقة من الحياة.

وبقيادة لجنة التوظيف والشؤون الاجتماعية والعمل التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ELSAC)، يجري العمل على إعداد توصية من منظمة OECD بشأن دعم رفاه الطفل في أوقات التغيرات الجذرية. ويهدف هذا الإطار إلى توفير أداة مشتركة وشاملة لقياس ومتابعة وتنسيق السياسات المتكاملة، لتحقيق الرفاه لجميع الأطفال.

الأولويات الرئيسية للمستقبل

سلّطت المناقشات الضوء على عدد من الأولويات المحورية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:

  • تعزيز الدور الوقائي لأنظمة الحماية الاجتماعية؛

  • ضمان قدرتها على التكيف مع التحولات الديموغرافية؛

  • تحسين تقديم الخدمات الرقمية، مع الحفاظ على إمكانية الوصول وحماية الخصوصية، من خلال تقنيات تتمحور حول الإنسان وتستند إلى الحقوق؛

  • تأمين آليات تمويل مستدامة؛

  • تعزيز رفاه الأطفال والحراك الاجتماعي.

كما أكدت النقاشات على أهمية معالجة أوجه التفاوت القائم على النوع الاجتماعي ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية، وضمان أن تسهم الإصلاحات في تحقيق مزيد من المساواة بين الجنسين وبناء مجتمعات أكثر شمولًا.

ستواصل منظمة OECD دعم الدول الأعضاء في تطوير وتنفيذ سياسات حماية اجتماعية تستجيب للتحديات الحالية وتتمتع بالمرونة لمواجهة الصدمات المستقبلية. وشجّعت المناقشات على أن تواصل المنظمة العمل في المجالات التالية:

  • تقديم إرشادات بشأن استراتيجيات التمويل المستدام؛

  • تطوير توصيات سياساتية للتعامل مع التحولات المتنوعة (الرقمية، والبيئية، والديموغرافية)؛

  • تعزيز نهج الاستثمار الاجتماعي الذي يحقق عوائد إيجابية على رأس المال البشري والإنتاجية والنمو الاقتصادي الشامل؛

  • مواصلة توفير منصات لتبادل الخبرات ووجهات النظر بين الدول.


المصدر: oecd

مقالات ذات صلة