يتطلب وقف خسارة الطبيعة وعكس مسارها بحلول عام 2030 – وهو الهدف الأساسي للإطار العالمي للتنوع البيولوجي – أن تعمل الحكومات مع القطاع الخاص لتحقيق خطط وطنية جديدة أو مُعدلة للتنوع البيولوجي.
من خلال تركيزها على التعاون المفتوح، والحوكمة القوية، والتوضيح الواضح للفوائد التي تحصل عليها الشركات التي تتخذ إجراءات لصالح الطبيعة، تضع تشيلي معايير جديدة للتعاون بين القطاعين العام والخاص.
وفي منتصف عقد حاسم من العمل لصالح الطبيعة، يقدم نهج تشيلي نموذجًا يُحتذى به للدول الأخرى التي تسعى إلى العمل بفعالية مع الشركات للانتقال إلى اقتصادات إيجابية للطبيعة.
في 25 مارس 2025، نشرت تشيلي خطة العمل الخاصة بالأعمال من أجل التنوع البيولوجي، وهي ثمرة ثمانية أشهر من التعاون بين الحكومة ومجموعة من الشركات التشيلية.
تُعد هذه الخطة الأولى من نوعها في أمريكا اللاتينية، حيث تُضفي الطابع الرسمي على دور القطاع الخاص في جهود الدولة لتحقيق أهداف التنوع البيولوجي الجديدة، كما أنها توجه الشركات التشيلية في كيفية دمج اعتبارات التنوع البيولوجي ضمن استراتيجياتها وعملياتها لتقليل آثارها السلبية على الطبيعة.
والأهم من ذلك، أن هذه الخطة لا تقتصر أهميتها على تشيلي فحسب، بل يمكن أن تُعد نموذجًا للتعاون الفعال بين الحكومات الوطنية والشركات في موضوع الطبيعة.
من الطموح العالمي إلى التنفيذ الوطني
يُعد التعاون بين القطاعين العام والخاص أمرًا محوريًا في التنفيذ الناجح للإطار العالمي للتنوع البيولوجي، وهو اتفاق تاريخي تم اعتماده من قبل 196 دولة في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي في مؤتمر الأطراف الخامس عشر (COP15). ويُعد هذا الإطار أول اتفاقية تحت مظلة اتفاقية التنوع البيولوجي التابعة للأمم المتحدة تحدد بوضوح دور القطاع الخاص في معالجة أزمة التنوع البيولوجي العالمية.
وقد اعتُبر اعتماد الإطار العالمي للتنوع البيولوجي في ديسمبر 2022 إنجازًا تاريخيًا، وأُطلق عليه ""لحظة باريس"" الخاصة بالطبيعة. ولكن، فإن تنفيذ أهداف وغايات هذا الإطار على المستوى الوطني – بما في ذلك قدرة الحكومات على تعبئة القطاع الخاص – هو ما سيحدد ما إذا كان الهدف الأشمل، المتمثل في وقف وعكس خسارة الطبيعة بحلول عام 2030، سيتحقق أم لا.
حتى الآن، كان التقدم بطيئًا: فقد أنتجت 48 دولة فقط استراتيجيات وخطط عمل وطنية جديدة للتنوع البيولوجي منذ مؤتمر COP15، مع عدد قليل منها فقط يوضح دور قطاع الأعمال بشكل واضح. وهذا يؤكد الحاجة الملحة لأن تعمل الحكومات الوطنية عن كثب مع الشركات والمؤسسات المالية لتحديد استراتيجيات وطنية طموحة.
ومع استضافة أمريكا اللاتينية لمؤتمر التنوع البيولوجي الأخير (COP16 في كالي، كولومبيا) والمناخ القادم (COP30 في بيليم، البرازيل)، فإن القارة أمامها فرصة لوضع معايير للعمل الوطني والإقليمي في مجال الطبيعة. ومن خلال أهدافها الوطنية الجديدة واستراتيجيتها المبتكرة في إشراك الأعمال، تُظهر تشيلي الطريق.
يُقود هذا الجهد بشكل مشترك من قبل وزارة البيئة وشبكة Acción Empresas – أكبر شبكة استدامة مؤسسية في البلاد، وعضو في الشبكة العالمية للمجلس العالمي للأعمال من أجل التنمية المستدامة. ويجمع نهج تشيلي لتعبئة القطاع الخاص ممثلين عن ست وزارات (البيئة، الزراعة، الاقتصاد، التنمية الحضرية، المالية، والطاقة) وشركات تمثل قطاعات رئيسية من الاقتصاد الوطني.
ما الدروس المستفادة من نهج تشيلي؟
ضمان إشراك الشركات مبكرًا لبناء الثقة والشعور بالملكية
في المراحل الأولى من تحديث خطة العمل الخاصة بالأعمال والتنوع البيولوجي في تشيلي، تم إنشاء مجموعة استشارية تجارية تضم 14 شركة رائدة لدعم حكومة تشيلي في إدماج القطاع الخاص بشكل فعال ضمن أهدافها الوطنية للتنوع البيولوجي. وبالعمل عن كثب مع شبكة Acción Empresas وبدعم من مبادرة Business for Nature – وهي تحالف عالمي يضم أكثر من 100 منظمة تدعم قادة الأعمال وصانعي السياسات لاتخاذ إجراءات هادفة من أجل الطبيعة – أنشأت وزارة البيئة هذه المجموعة كآلية تنسيق مركزية بين القطاعين العام والخاص.
ولضمان فهم مجموعة واسعة من الشركات للدور الذي يمكنها لعبه في تشكيل أجندة التنوع البيولوجي في البلاد، نظمت شبكة Acción Empresas سلسلة من الموائد المستديرة وورش العمل في خمس مناطق من تشيلي، وطرحت استراتيجية اتصالات شاملة. والأهم من ذلك، أن الوزارات الست المشاركة خصصت وقتًا للعمل مع الشركات لتعريف مهمة مشتركة قبل الانتقال إلى التنفيذ. وقد خلق ذلك بيئة بناءة وعزز إحساسًا قويًا بالثقة والالتزام.
توضيح قيمة العمل التجاري بوضوح لضمان المشاركة
بدلاً من تقديم التنوع البيولوجي كقضية بيئية منفصلة، حرصت الحكومة التشيلية على تقديمه كمكون رئيسي من مكونات الاستدامة المؤسسية ومرونة الأعمال على المدى الطويل. ومن خلال توضيح عرض القيمة للشركات – وتسليط الضوء على فوائد العمل لصالح الطبيعة، مثل الحد من المخاطر التشغيلية، والاستعداد للإفصاح، وبناء الثقة مع أصحاب المصلحة – ربطت الحكومة جهود الشركات بشكل صريح مع تحقيق الأهداف العالمية للإطار العالمي للتنوع البيولوجي.
وقد ساعد هذا النهج الشركات على إدراك القيمة الاستراتيجية، على المستويين الجزئي والكلي، لدمج التنوع البيولوجي ضمن عملياتها، ولأخذ إجراءات جماعية كجزء من المجموعة الاستشارية التجارية.
إنشاء حوكمة قوية لدفع العمل والمساءلة
من خلال تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح بين المجموعة الاستشارية التجارية والحكومة منذ البداية، جعلت تشيلي الحوكمة والمساءلة ركيزتين أساسيتين لنهجها.
كان إنشاء مجموعة عمل مشتركة بين القطاعين العام والخاص، اجتمعت وجهًا لوجه خمس مرات خلال ثمانية أشهر، أمرًا محوريًا في تحديد الفجوات والقطاعات ذات الأولوية التي تحتاج خطة العمل إلى معالجتها. كما شجعت هذه المجموعة على التواصل الشفاف، حيث تعاملت الحكومة بصراحة مع مخاوف الشركات وقدمت أفضل الممارسات لتشجيع المشاركة.
ومن الجدير بالذكر أن مجموعة العمل المشتركة بين القطاعين العام والخاص، والتي تضم منظمات غير حكومية وأوساط أكاديمية وغيرهم من الأطراف المعنية، أنشئت كآلية تنسيق طويلة الأمد، لضمان مراجعة خطة العمل وتأثيراتها حتى عام 2030 وما بعده، وتكييفها مع الأولويات المتغيرة.
