تسارعت المخاطر المرتبطة بالاستدامة والمناخ في السنوات الأخيرة، لكنها جلبت أيضًا فرصًا.
تدفع المخاطر والفرص المناخية البنوك إلى الانتقال إلى ممارسات مستدامة وذكية مناخيًا، لكن البنوك في الاقتصادات الناشئة والنامية لديها وصول أقل إلى هذه الممارسات.
تستخدم الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) نهجًا مستهدفًا قائمًا على الطلب ضمن برنامجها العالمي للاستشارات في التمويل المستدام في الاقتصادات الناشئة والنامية ذات التأثير الكبير.
تشير الأدلة العلمية إلى أن قضايا الاستدامة والمخاطر المتعلقة بالمناخ قد تسارعت في السنوات الأخيرة. وبسبب الأضرار المحتملة للأصول الإنتاجية أو تعطيل استمرارية الأعمال أو شبكات التوزيع أو إنتاجية العمال، تؤثر هذه القضايا على المخاطر التقليدية التي تأخذها الشركات والبنوك في الاعتبار. ومع ذلك، وبصرف النظر عن مخاطر الهبوط، فإن الانتقال نحو نماذج أعمال منخفضة الكربون وملائمة للاستدامة من المرجح أن يفتح فرصًا كبيرة.
يمكن للجهات المرنة في الأسواق التنافسية الاستفادة من هذه الفرص لتحقيق نمو في الحصة السوقية والإيرادات وهوامش الربح وتذكّر العلامة التجارية. في بعض الاقتصادات الناشئة والنامية مثل الهند والمكسيك ومصر، بدأت الفرص في دفع الشركات الناشئة إلى النمو بشكل كبير.
البنوك في الأسواق الناشئة والنامية تعاني من نقص الدعم
بينما تدفع هذه المخاطر والفرص الناشئة البنوك إلى الانتقال نحو ممارسات مستدامة وذكية مناخيًا، تواجه البنوك في الاقتصادات الناشئة والنامية قيودًا تتعلق بتوافر القدرات الفنية، وإمكانية الوصول إليها، وتكاليفها. وهذا يشمل بشكل خاص المجالات التحليلية المتقدمة، مثل مخاطر المناخ، وتطوير المنتجات في التمويل الأخضر أو الانتقالي، ومواءمة التصنيفات (Taxonomy).
في أوروبا، تم قيادة هذه القدرات من قبل مؤسسات متخصصة في علوم المناخ، والنمذجة، أو المؤسسات الأكاديمية. وتم تنفيذها عمليًا من قبل الشركات، وموّلتها المؤسسات المالية. تحاول المؤسسات في الاقتصادات الناشئة والنامية بناء مثل هذه القدرات الجديدة، لكن هناك حاجة لتسريع عملية الانتقال منخفض الكربون بالنظر إلى سرعة تغير المناخ. تحتاج البنوك في هذه الاقتصادات إلى الدعم لمساعدتها في التغلب على العقبات التي تواجهها.
حتى الأنظمة التنظيمية في هذه المناطق بدأت تتحرك في هذا الاتجاه. في الهند، تشير اللوائح الحالية والمتوقعة المتعلقة بمخاطر المناخ إلى التغييرات المطلوبة من البنوك، بينما تشير التصنيفات الخضراء المتوقعة إلى تغييرات في كيفية توجيه رأس المال. ومرة أخرى، فإن الاستعداد التنظيمي يتطلب تسريع الانتقال ودعم البنوك في الاقتصادات الناشئة والنامية.
أوروبا تساعد البنوك في الأسواق الناشئة والنامية
ردًا على ذلك، أطلقت الوكالات والمؤسسات المالية الأوروبية برامج مساعدة فنية لنقل الخبرة التقنية إلى الاقتصادات الناشئة والنامية. تهدف هذه البرامج إلى تعزيز جاهزية البنوك في هذه المناطق لمواجهة المخاطر والفرص المناخية والاستدامية، بما في ذلك الاستجابة للوائح التنظيمية المتوقعة. توجد عدة أمثلة في السوق، لكنها غالبًا ما تكون برامج بناء قدرات موحدة تطبق على جميع الجهات الفاعلة في القطاع المالي.
لكن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، التي نعمل فيها، ذهبت خطوة أبعد. وبتكليف من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الفيدرالية الألمانية (BMZ) والاتحاد الأوروبي (EU)، وكجزء من مركز الاستشارات للتمويل المستدام بقيادة الاتحاد الأوروبي، طورت GIZ نهجًا مستهدفًا لبرنامجها الاستشاري في التمويل المستدام، الجاري حاليًا في اقتصادات ناشئة ونامية ذات تأثير كبير مثل الهند والمكسيك ومصر.
وبطريقة مشابهة لطريقة ""صوت العميل"" (VoC) المستخدمة في قطاع التصنيع، بما في ذلك صناعة السيارات في ألمانيا، اعتمد البرنامج نهجًا قائمًا على الطلب لتحديد مجالات التدخل لكل بنك بعد إجراء تحليلات احتياج واسعة وعملية إبداء اهتمام.
كان الهدف من ذلك ضمان أن تكون التدخلات ذات صلة بمرحلة نضج البنك المعني من حيث تكامل الاستدامة وأولوياته الاستراتيجية. وقد أدى ذلك إلى تدخلات تتطلب نهجًا تحليليًا معقدًا ومبتكرًا، مما يفتح فرصة للبنوك للتميز عن نظرائها وتحقيق نتائج تجارية ملموسة. وهذا بخلاف برامج المساعدة الفنية القائمة على العرض، حيث يتم تحديد التدخلات مسبقًا بغض النظر عن احتياجات الجهات الفاعلة المختلفة.
وقد أثبت هذا النهج القائم على الطلب نجاحه في تحديد التدخلات عبر المخاطر والفرص، وبدأ تنفيذ بعضها. تشمل هذه التدخلات، في مجال التمويل، تطوير منتجات قروض انتقالية وخضراء، والسندات الخضراء، ومواءمة معايير الإقراض مع التصنيفات البيئية أو الانتقالية، وأطر تمويل التكيف، وتطوير المنتجات. أما في مجال المخاطر، فتشمل حوكمة المخاطر البيئية والاجتماعية، وتحليل مخاطر المناخ للمحافظ، وتقدير الانبعاثات الممولة، أو أطر تقييم المخاطر البيئية والاجتماعية. وقد تكون بعض هذه التدخلات الأولى من نوعها في السوق، مما يوفر فرصة للبنك للحصول على ميزة تنافسية. علاوة على ذلك، فإن توقعات تعزيز الجاهزية أو ""تخضير"" البنوك في البلدان المستهدفة دفعت GIZ إلى استكشاف إمكانية تقديم استشارات فنية أوسع لتعزيز إصدار السندات الخضراء بقيادة البنوك في تلك الأسواق، وبالتالي توسيع نطاق تمويل المشاريع ""الخضراء"".
تمكين البنوك الذكية مناخيًا والمستدامة
ورغم أن النهج القائم على الطلب قد يكون ثقيلًا من الناحية التشغيلية، فقد تم تعويض ذلك بمتطلبات متعلقة بالأثر لضمان العائد على اليورو المستثمر في المساعدة الفنية. هذا يعني أن التدخلات المؤهلة يجب أن تكون قابلة للتنفيذ من قبل البنك بشكل مستقل حتى بعد انتهاء فترة المساعدة الفنية. وبالتالي سيكون الأثر طويل الأمد لأنه سيبني قدرة داخلية لدى البنك لتنفيذ المهام بشكل متكرر، مما يمكّن من ظهور ممارسين للتمويل الذكي مناخيًا والمستدام في الأسواق المستهدفة.
ولهذا السبب، شهد البرنامج أيضًا معدل رفض عالٍ للطلبات. ومرة أخرى، لضمان العائد على اليورو المستثمر، سعى البرنامج إلى خلق تآزر مع المشاريع القائمة داخل GIZ. فمثلًا، يهدف تدخل مختار لبنك هندي إلى بناء قدرته على العمل كمقرض مشارك في برنامج تمويل الطاقة المتجددة الموجه للمزارع، الذي نفذته GIZ الهند بنجاح مع مؤسسات التمويل الأصغر. وهذا يضمن إمكانية توسيع نطاق البرامج من خلال الاستفادة من النتائج التي حققتها برامج ممولة أخرى.
يُظهر هذا النهج القائم على الطلب والمركّز على العائد على الاستثمار في برنامج المساعدة الفنية التحول الذي يسعى إلى إحداثه داخل البنوك في الاقتصادات الناشئة والنامية ذات التأثير الكبير، مثل الهند ومصر والمكسيك. كما يسلط الضوء على تحول في طريقة تقديم المساعدة الفنية لضمان تأثير مستهدف وطويل الأمد. وقد يوفر هذا نموذجًا لتعزيز ممارسات مماثلة داخل الدوائر المصرفية والتجارية من خلال نقل المعرفة التقنية.
