القائمة الرئيسية

ما هو ""القمع المالي"" – وهل يجب على الدول تبنيه مع ارتفاع الديون؟

ما هو ""القمع المالي"" – وهل يجب على الدول تبنيه مع ارتفاع الديون؟
ملخص المقال

يتناول المقال تطوّر الدين العام العالمي والأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، مسلطًا الضوء على السياسات التي استخدمتها الحكومات للسيطرة على مستويات الدين، وأبرزها ""القمع المالي"" الذي يتضمن إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع لتقليل تكلفة الاقتراض. فبعد ارتفاع كبير في الدين الأمريكي لتمويل الحرب، انخفضت نسبته للناتج المحلي بفضل النمو الاقتصادي وسياسات القمع المالي. اليوم، تعود مستويات الدين العالمية إلى مستويات خطيرة، إذ يقدر صندوق النقد الدولي أنها تجاوزت 100 تريليون دولار (93% من الناتج العالمي)، وسط ضغوط إنفاق متزايدة على الأمن والشيخوخة وتغير المناخ، ومحدودية الأدوات المالية التقليدية. وبينما قد تبدو سياسات القمع المالي حلًا مغريًا، إلا أنها تنطوي على مخاطر اقتصادية طويلة الأجل، وتُعد موضع جدل بين الاقتصاديين وصناع القرار في مواجهة ما يُعرف بـ""دوامة موت الديون"".

في عام 1940، أي قبل عام من دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، بلغ الدين العام 50.7 مليار دولار. وفي عام 1941، بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 42%. وفي ديسمبر من نفس العام، انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب. وبحلول عام 1945، قفز الدين العام إلى خمسة أضعاف، ليصل إلى 260 مليار دولار، حيث لجأت دائرة المالية في وزارة الخزانة إلى الاقتراض لتمويل المجهود الحربي.

ورغم بقاء مستويات الدين عند هذا الحد، فقد تميزت مرحلة ما بعد الحرب بالنمو، ما أدى إلى تراجع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 106% في عام 1946 إلى 23% في عام 1974، بحسب ورقة عمل صادرة عن صندوق النقد الدولي.

لكن لم يكن النمو وحده هو السبب وراء هذا الإنجاز اللافت، بل كان هناك عامل آخر وراء الكواليس.

الشكل 1: الدين الحكومي والعوائد

تم الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة فيما وصفته دراسة صادرة في عام 2024 عن البنك المركزي الألماني (بوندسبانك) بأنه ""سياسة غير تقليدية لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي"".

تُعرف هذه السياسة باسم ""القمع المالي""، وهي تتضمن إجراءات تُمكّن الحكومة من تصريف ديونها لدى المؤسسات المالية بأسعار فائدة ""منخفضة بشكل مصطنع"".

ولم تكن الولايات المتحدة وحدها من استخدمت هذا الأسلوب لتخفيف عبء الدين بعد الحرب؛ فبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، تراجعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول المتقدمة من 100% في عام 1945 إلى 20% بحلول عام 1970.

الوضع الحالي للدين العالمي والأمريكي ينذر بالخطر، إذ تواجه الحكومات حول العالم تحديات كبيرة في إدارة أعباء ديونها المتزايدة، في ظل ضغوط اقتصادية حادة ومحدودية الخيارات المالية المتاحة.

بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2024، بلغ الدين العام العالمي أكثر من 100 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع احتمالية أن يصل إلى 100% من الناتج بحلول عام 2030 – وهي نفس النسبة المسجلة في عام 1945. هذا يعني أن الحكومات تنفق أكثر فأكثر على خدمة الديون (دفع الفوائد)، مما يقوض الجهود الرامية إلى تعزيز النمو الاقتصادي.

تشير توقعات كبار الاقتصاديين الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير إلى أن الحكومات ستواجه ضغوطًا متزايدة لمعالجة ""معضلة ثلاثية في السياسات المالية""، تتمثل في ضرورة التعامل مع تكاليف الأمن، وشيخوخة السكان، وتغير المناخ، دون الإضرار باستدامة الدين أو إثارة احتجاجات سياسية ضد زيادة الضرائب.

وفي الولايات المتحدة، بلغ الدين العام 36.2 تريليون دولار، ويعتقد معظم كبار الاقتصاديين الذين استطلعهم المنتدى أن هذا الرقم مرشح للارتفاع في ظل إدارة ترامب.

وقد حذر راي داليو، مؤسس شركة بريدج ووتر أسوشيتس، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودولًا أخرى ذات عجز متزايد من الوقوع في ما سماه ""دوامة موت الديون"" – وهي الحالة التي يضطر فيها المدين إلى الاقتراض فقط لسداد فوائد الديون، مما يؤدي إلى تسارع الأزمة.

أما في الدول النامية، فيؤثر عبء الدين بشكل حاد على جهود التنمية؛ إذ إن أكثر من 50 دولة نامية تنفق أكثر من 10% من إجمالي إيراداتها على خدمة الدين، ويُقدّر أن نحو 3.3 مليار شخص يعيشون في دول تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفقه على التعليم أو الصحة.

ورغم وجود استراتيجيات مختلفة لإدارة الدين مثل:

  • التقشف المالي (خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب لتقليص العجز)،

  • إعادة هيكلة الديون (تعديل شروط السداد)،

  • مبادلات الدين مقابل الالتزامات البيئية،

  • وبرامج تخفيف أعباء الديون الدولية (مثل مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون – HIPC)،

إلا أن فعالية هذه الأدوات تظل محدودة في الوقت الراهن، مما يجعل القمع المالي خيارًا مطروحًا مجددًا، حيث يمكن من خلاله خفض تكاليف خدمة الدين عبر إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع، على حساب المدخرين والنظام المالي.

ما هو القمع المالي؟
القمع المالي هو مجموعة من السياسات التي تهدف إلى إدارة الالتزامات المالية للدولة من خلال إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع. ورغم أن هذه السياسات قد تكون فعالة على المدى القصير، فإنها تنطوي على مخاطر وآثار اقتصادية كبيرة على المدى الطويل.

تؤدي هذه السياسات في العادة إلى حصول المدخرين على عوائد تقل عن معدل التضخم، ما يعني تآكل القيمة الحقيقية لمدخراتهم مع مرور الوقت.

وقد طُرح مفهوم القمع المالي لأول مرة في عام 1973 من قبل اقتصاديي جامعة ستانفورد، إدوارد شو ورونالد ماكينون، لوصف السياسات التي تعيق النمو في الأسواق الناشئة، لكنه توسع لاحقًا ليشمل الاقتصادات المتقدمة، خاصة بعد الأزمة المالية في 2008.

وفي ورقة عمل صادرة عن صندوق النقد الدولي عام 2015 بعنوان ""تصفية الدين الحكومي""، شرح الاقتصاديان كارمن راينهارت وماريا بيلين سبرانسيا السمات الرئيسية للقمع المالي، ومنها:

  1. فرض حدود قصوى على أسعار الفائدة

  2. سيطرة الحكومة على البنوك والمؤسسات المالية المحلية

  3. متطلبات احتياطي عالية تفرض على البنوك

  4. خلق سوق ""أسيرة"" لشراء الديون الحكومية

  5. فرض قيود على حركة رؤوس الأموال عبر الحدود

تتيح هذه الإجراءات للحكومات الاقتراض بتكاليف منخفضة، كما تتيح لها تقليص القيمة الحقيقية لديونها بمرور الوقت، خاصة إذا اقترنت بمعدلات تضخم مرتفعة.

مستقبل القمع المالي

لقد أدت السياسات النقدية التي اتبعتها البنوك المركزية في السنوات الأخيرة—بما في ذلك خفض أسعار الفائدة إلى مستويات شبه صفرية وعمليات شراء الأصول على نطاق واسع—إلى دفع بعض الاقتصاديين للاعتقاد بأن شكلاً من أشكال القمع المالي أصبح قائمًا بالفعل في العديد من الاقتصادات المتقدمة.

ومع ذلك، فإن تطبيق مثل هذه السياسات في ظل اقتصاد عالمي مترابط كما هو الحال اليوم، قد يكون أكثر تعقيدًا وإرباكًا مما كان عليه في الماضي. فحرية تدفق رؤوس الأموال عبر الحدود والتطور الكبير في الأسواق المالية يجعل من الصعب على الحكومات الحفاظ على سوق داخلية ""أسيرة"" لتصريف ديونها.

ومع استمرار تصاعد مستويات الدين العام، من المرجح أن تحتدم النقاشات حول مدى جدوى اللجوء إلى القمع المالي كأداة لإدارة الدين. وسيتعين على صانعي السياسات تقييم الفوائد المحتملة لهذه المقاربة بعناية مقابل مخاطرها، والنظر في بدائل أكثر استدامة لإدارة الدين العام، مثل إصلاحات هيكلية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز النمو الاقتصادي الحقيقي.

وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية الحالية، سيبقى القمع المالي أداة مغرية، ولكنها محفوفة بالمخاطر.


المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

مقالات ذات صلة